بقلم: إدوارد كورنيليو
احتفلت جوبا للمرة الأولى منذ الاستقلال بعيد العمال في مشهد بدا مهيباً؛ منصة رسمية، أعلام ترفرف، وخطابات تتحدث عن كرامة العامل وقدسية العمل… بينما خلف الستار يقف آلاف الموظفين الذين لم يروا مرتباتهم منذ سنتين. المفارقة هنا ليست صدفة، بل هي الحكاية كلها.
أن تقيم الدولة احتفالاً للعامل في الوقت الذي يعجز فيه العامل عن شراء وجبة لأطفاله، فهذا يعني أننا انتقلنا من مرحلة الأزمة إلى مرحلة إعادة تعريف الأزمة. لم يعد السؤال: لماذا لا توجد مرتبات؟ بل صار السؤال: كيف يمكن تحويل غياب المرتب إلى مناسبة للتصفيق؟ الاحتفال نفسه يصبح هو الراتب؛ راتب رمزي يصرف في الاستاد، لا في البنك. نائب الرئيس حضر نيابة عن الرئيس، والوزراء جلسوا في الصف الأول، والسلك الدبلوماسي دوّن الملاحظات… لكن الكرسي الذي كان يجب أن يجلس عليه العامل ظل فارغاً، لأن العامل الحقيقي كان واقفاً في طابور الجمعية يبحث عن دين جديد.
لنتوقف هنا قليلاً؛ سنتان بلا دخل تعني أن الموظف باع ذهب زوجته، ثم باع سريره، ثم باع صمته. تعني أن المعلم الذي يُفترض أن يصنع العقول صار يفكر في كيف يهرب من الفصل قبل أن يسأله التلاميذ عن الدرس، لأنه لم يفطر. تعني أن الممرضة التي تسهر في المستشفى الحكومي تداوي المرضى وتخفي مرضها، لأن راتبها المؤجل لا يكفي لشراء الدواء. هذا هو الواقع العاري الذي لا تغطيه زينة المنصة. ومع ذلك، قرر من بيدهم القرار أن المشكلة ليست في الجوع، بل في عدم وجود “اعتراف” بالجوع… فتم تنظيم الاعتراف.
ما جرى في جوبا هو استبدال خطير؛ استبدال الحق بالطقس. المرتب حق، والاحتفال طقس. عندما تعجز عن إعطاء الحق، تبالغ في الطقس. تصنع له موسيقى وبروتوكولاً وخطباً منمقة. تقول للعامل: نحن نراك، نحن نقدرك، أنت عماد الوطن… لكننا لن ندفع لك. وهذه هي اللحظة التي يتحول فيها الكلام من مواساة إلى مخدر. لأن الهدف لم يعد حل المشكلة، بل إدارة الانطباع عن المشكلة. أن تقنع الجائع بأن الجوع مسألة فيها نظر، وأن الوطن أهم من الخبز، وأن الصبر فضيلة قومية.
الحضور يكشف أكثر مما تخفيه الكلمات. نائب رئيس، وزير عمل، حاكم ولاية، وزراء، دبلوماسيون… كلهم موجودون. من الغائب الوحيد؟ صاحب العيد. العامل. لم نرَ نقابة تتكلم باسمها، لم نسمع صوت عامل واحد يروي كيف يدبر يومه. تحول عيد العمال إلى عيد للحديث عن العمال، لا عيد للعمال أنفسهم. وهنا يكمن الخطر؛ عندما تتكلم السلطة باسمك وأنت ساكت، فهي لا تمثلك، هي تلغيك. تأخذ صوتك، وتعيد تدويره في الميكروفون ليخدمها.
لماذا الآن؟ لماذا بعد ثلاثة عشر عاماً من الاستقلال نتذكر أن هناك عيداً اسمه عيد العمال؟ التوقيت ليس بريئاً. سنتان من الصمت تراكمتا، والغضب صار له رائحة. كان لا بد من صمام. كان لا بد من بالونة نطلقها في الهواء حتى ينشغل الناس بالنظر إليها وينسوا الثقب في السفينة. الاحتفال هو البالونة. جميل، ملون، يرتفع… لكنه فارغ. وأسوأ ما في البالونة الفارغة أنها تنفجر في وجه من ينفخها إذا زاد الضغط.
أين ذهبت المرتبات؟ هذا السؤال لا يموت بالاحتفال، بل يكبر. الدولة التي تستطيع أن تمول استاداً، وتطبع لافتات، وتؤمن مواكب، وتقدم ضيافة لكبار الزوار… لا يمكن أن تكون عاجزة عن تمويل كشف الرواتب. العجز هنا انتقائي. هو ليس عجزاً في الموارد، بل عجز في الأولويات. لأن الحفل يعيد إنتاج الهيبة، أما الراتب فيعيد إنتاج الحياة. وعندما تختار السلطة بين هيبتها وحياة الناس، فهي تختار نفسها دائماً. المشكلة ليست في الخزينة الفارغة، المشكلة في أن الخزينة لها باب خلفي لا يراه الموظف.
سنتان بلا مرتب تعني شيئاً واحداً في لغة الاقتصاد البسيطة: هناك من يشتغل مجاناً. وهناك من يأخذ ناتج هذا الشغل المجاني. هذا ليس ظلماً عادياً… هذا استعباد مقنن. في الأحوال الطبيعية، حتى في أقسى أنظمة السوق، يعطيك صاحب العمل أجر الكفاف ثم يأخذ الباقي. هنا أُخذ كل شيء. العامل يدفع من لحمه ليبقي المرفق شغالاً، والمرفق يشتغل ليقول السياسي في الخطاب إن “الدولة صامدة”. صامدة على حساب من؟ على حساب المعلم الذي يركب ثلاثة مواصلات بالدين ليصل إلى مدرسة بلا طباشير.
الخطاب الذي قيل على المنصة أخطر من غياب المرتب. لأنه يعيد تسمية الأشياء. يسمي الصبر وطنية، ويسمي المطالبة بالحق تذمراً، ويسمي الجوع تضحية. هذه هي الهندسة الحقيقية؛ هندسة المعنى. أن تقنع المظلوم أن الظلم قدر، وأن المسؤول عنه هو طرف ثالث مجهول… ربما “الظروف”، ربما “العالم”، ربما “المؤامرة”. المهم ألا يشير الإصبع إلى من يقف على المنصة. وهكذا يتحول عيد العمال من يوم لمساءلة من لا يدفع، إلى يوم لشكر من لا يدفع.
ما الثمن؟ الثمن يدفعه المجتمع كله. عندما لا يتقاضى المعلم راتبه، فهو لن يعلّم ابنك، بل سيبحث عن عمل آخر بعد الدوام. عندما لا تتقاضى الممرضة راتبها، فهي لن تبتسم لمريضك. يتآكل المرفق العام من الداخل، ويصبح هيكلاً فارغاً. وبعد سنوات، يأتي من يقول: انظروا، القطاع العام فاشل، يجب أن نبيعه. فيباع بثمن بخس لمن كانوا سبب إفشاله. وهكذا، يكون وقف المرتبات هو الخطوة الأولى في الخصخصة القسرية… خصخصة بالتجويع.
المواطن العادي في جوبا اليوم فهم اللعبة بفطرته. هو لا يقرأ النظريات، لكنه يعرف أن من يدعوك إلى العشاء وهو يعلم أنك لم تتغد منذ يومين، لا يكرمك… بل يهينك. الاحتفال كان دعوة عشاء بلا عشاء. لذلك كان الصمت في الشارع أبلغ من التصفيق في الاستاد. الناس لم تخرج. لأنها تفهم أن هناك فرقاً بين أن تُحتَرم، وأن يُحتَفل بك لتُنسيك أنك غير محترم.
أخيراً، يبقى سؤال بسيط معلقاً في هواء جوبا الساخن: إذا كان عيد العمال يعني شيئاً، فهو يعني أن العمل له ثمن… فأين الثمن؟ وإذا كانت الدولة جادة في تكريم العامل، فالتكريم لا يكون بالكلمات، بل بكشف الراتب. كل ما عدا ذلك هو مسرح. والمسرح جميل، لكنه لا يطعم خبزاً. المشكلة أن الجمهور هذه المرة جائع جداً، لدرجة أنه لم يعد يضحك على المسرحية… صار يعد كم كلفته.
tongunedward@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم