الناجيان

نزار عثمان السمندل

الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.
طمأنينة صاحب يقين قديم تسكن صوته. نبرة تعرف طريقها إلى الحناجر منذ عهد المنابر الأولى. مفردات تتكرر بثقة موروثة، كأن التاريخ صفحة جامدة لا يزحزحها الدم المتدفق في الشوارع، وكأن البلاد لم تُغرقها الحروب المتتالية في هذا التعب الطويل.

يقف الرجل في عقده السادس ويستدعي قاموس التسعينيات كاملاً؛ الجهاد، الشهادة، التعبئة، الفداء، الحشد.
مفردات تستعيد حرارتها كلما ضاق الواقع واشتد ضبابه. كلمات تعود إلى التداول بعد ثلاثة عقود، بينما المقابر التي امتلأت بأسماء الفتيان الصغار تلوذ بصمتها الأبدي.

خطاب يمتلك قدرة ضلالية مدهشة على البقاء.
يتغذى من عاطفة دينية عالية الشحنة، ويجد في كل جيل شباباً جدداً مستعدين لحمل الراية.
حضور الناجي عبد الله داخل هذا المشهد يتجاوز شخصه. صورة نموذجية لطبقة كاملة من الدعاة الذين صاغوا الحرب بوصفها واجباً أخلاقياً، ورفعوا القتال إلى مقام العبادة، ثم ظلوا على مسافة من ساحات الدم التي تمضي إليها الأعمار الفتية.

عام 1997 برزت إحدى اللحظات الكاشفة في هذا الخطاب. صوت مرتفع يقدّم حرب الجنوب بوصفها الجهاد الأسمى. لحظة تعبئة دينية كاملة تُفتح فيها أبواب السماء أمام الشبان الذين لم يعرفوا من الدنيا سوى ضيقها. يقين حاد يملأ الصدور، يقين يصنعه خطاب يَعِدُ الفرد بحياة أبدية أكثر اتساعاً من الحياة التي يطحنها الفقر والانسداد.

الأعوام انقضت. الجنوب صار دولة مستقلة. البلاد انزلقت إلى حروب أخرى. المقابر اتسعت، بينما بقيت اللغة في موضعها الأول، محتفظة بحرارتها القديمة.

الناجي عبد الله يظهر اليوم شيخاً باهت السحنة، ركيك النبرة.
العبارات التي رافقت شبابه التعبوي تتدفق من جديد. الكلمات ذاتها، الدعوة ذاتها إلى الجهاد. مقاطع فيديو حديثة تحمل دعوات إلى الاصطفاف مع إيران، وتلوّح بإرسال مقاتلين سودانيين إذا اتسعت المواجهة. الحماسة تتكلم بلسان مألوف، لسان ينتمي إلى القاموس الذي رافق حروب السودان طوال عقود.

إلى جانب الناجي عبد الله يقف الناجي مصطفى.
اسمان يتصدران خطاب التعبئة ويحثان الفتيان على الاندفاع إلى الجبهات. مفارقة الاسم تبدو لافتة؛ فالنجاة مضمونة سلفاً. الناجيان يقودان الحماسة من مسافة آمنة، ويتركان الصفوف الأولى لأبناء الآخرين.

زمن طويل يفصل بين البدايات وهذه اللحظة، غير أن المفردات تبدو محصنة ضد الزمن.
التجربة السودانية بكل ما حملته من مآسٍ لم تترك خدشاً في تلك القاموسية الصلبة التي صاغتها الحركة الإسلامية في لحظة صعودها.
سيكولوجية هذا الخطاب واضحة الملامح.
تعبئة تبني الحرب بوصفها وعداً سماوياً. الجبهات تتحول في الخيال إلى ممرات قصيرة نحو الجنات. الشهداء يمضون إلى الفردوس حيث الحور العين ونعيم الأبدية. صور مدهشة تُزرع في خيال الفتيان الذين لم تمنحهم الحياة اليومية سوى شظف العيش وضيق الأفق.

الدولة التي نشأت تحت راية المشروع الحضاري خلّفت جيلاً واسعاً من الشباب العالقين في الهامش.
فقر ممتد، بطالة ثقيلة، مدارس مُنهكة، جامعات عليلة واقتصاد يجرّ أقدامه الثقيلة.
في هذا الفراغ تتضخم قابلية التصديق. التضليل المفضوح يجد تجد طريقه بسهولة إلى القلوب التي لم تجد معنىً لحياتها اليومية.
الخطاب يعرف هذا الفراغ جيداً.
يمنح الشاب دوراً بطولياً في أكذوبة كبرى. الخسارة الأرضية تتحول إلى مكسب أخروي. الحياة الآخرة تتقدم على أنها الرهان الأعلى. عمران الأرض يتراجع في ترتيب الأولويات. الفتى الذي خسر نصيبه من التعليم والعمل يكتشف فجأة طريقاً آخر إلى المجد… طريق الشهادة.
هكذا تشكّلت البنية النفسية التي غذّت حروب السودان طويلاً.
دعوة تتصاعد من المنابر، وشبان يتحركون نحو الجبهات وهم يحملون يقيناً موروثاً بأن الموت في المعركة باب مفتوح إلى الخلود. مادة الخطاب تبقى متجددة لأنها تستدعي الدين في لحظة ضيق تاريخي، فتمنح الألم معنىً والعدم بطولة.

الناجي عبد الله يقف اليوم داخل هذه السلسلة الطويلة.
رجل خرج من مدرسة التعبئة القديمة وما يزال وفياً لقاموسها الأول. الكلمات تتدفق بطمأنينة من اعتاد تكرارها. الجهاد يظل الطريق الأقصر إلى الخلاص، والشباب يظلون وقود هذا الطريق.
المشهد يضغط على مفارقة ثقيلة.
جيل كامل من قادة الحركة الإسلامية تقدم في العمر، بينما بقيت الدعوة موجهة دائماً إلى الفتيان. الأعمار الصغيرة تمضي إلى الجبهات، واللغة تواصل نسج الأسطورة حول مصائرها.

بهذا المنوال يستمر الخطاب في إعادة إنتاج نفسه.
حكاية طويلة عن الجهاد واليقين والخلود تخرج من فم الناجي عبد الله، والناجي مصطفى، باليقين ذاته الذي رافقهما طوال عقود. كلمات تسافر بين الأجيال حاملة حرارة الدعوة الأولى، وتجد دائماً آذاناً شابة مثقلة بالخيبة.
داخل هذا المشهد تختصر مأساة أعمق في التجربة السودانية: خطاب تعبئة لا يشيخ، وبلد يواصل دفع ثمن الحروب المفتوحة.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

حميدتي: أنا أفريقي أنا علماني

نزار عثمان السمندل يتقدم محمد حمدان دقلو، حميدتي، بخطاب جديد يريد له أن يبدو ولادة …