زين العابدين صالح عبد الرحمن
أن الإصلاح و الاستقرار السياسي و الاجتماعي لا يتأتي بالشعارات، و تغيب العقول بحجب كل المعلومات منها.. إن الأيديولوجيات الفوقية الدغمائية أثبتت فشلها منذ هزيمة التيار الثوري العروبي في 1967م ، و كان لابد من إحداث مراجعات في الفكر و الخطاب السياسي الذي كان سائدا في ذلك الوقت، و أيضا الخطاب الإسلامي الذي جاء بعده قد فشل في خلق الواقع الأفضل الذي كان يبشر به.. إن إشكالية الأيديولوجية لا تؤمن بعملية التواصل مع الأخر، و لا تقبل سماع الرأي الآخر، و مشاركة الآخرين إلا بشروط التنازل الكامل في عملية المشاركة في صناعة القرارات، و عدم قبولها لعملية الاتصال بالجماهير في لقاءات مفتوحة، ليس لمخاطبتها، و لكن لسماع رأيها في كل الأجندة المطروحة..
إن عملية التردي التي أصابت الاقتصاد السوداني منذ فترة التأميم و المصادرة في 1970م و استمرت بشكل متواصل حتى وصلت اليوم لحالة مرضية خطيرة.. تبين مدى عمق المشكلة في المجتمع، و خاصة في النخب السياسية، باعتبار هي التي يقع عليها عبء التوعية للجاهير، و في نفس الوقت؛ عجزت عن تقديم أفكار تساعد على الخروج من الشرنقة السياسية.. الغريب في كل مرحلة من مراحل التحول في البلاد، تعجز القوى السياسية أن تجري مراجعات و عمليات نقدية تبين فيها اسباب الفشل و التراجع في تقديم الخدمات، و الذي يتحمل انعكاساته السالبة الشعب، و خاصة الطبقة الدنيا منه، فالمراجعة و النقد في الثقافة السياسية السودانية تعتبر الاعتراف بالهزيمة، و إعطاء دعم للقوى المناهضة لها، لذلك تجد إن النقد و المراجعات تاريخيا قد اسقطت من الأجندة السياسية، لكل الأحزاب.. و التلويح بها يعني الدخول في معركة حياة أو موت.. مما يوضح بصورة كاملة حالة التراجع التي أصابت الطبقة الوسطى و جعلتها تتدحرج إلي قاع المجتمع..
بالأمس خاطب الدكتور إبراهيم الأمين بعض من جماهير حزب الأمة في مدينة كسلا.. قال عبد الرحمن جئنا نسمع من عضوية حزب الأمة، و نتعرف على الأراء التي يمكن تقديمها، لأننا بصدد تأسيس الحزب من القاعدة إلي القمة.. هذا الحديث ربما يكون مكرر من قبل العديد من القيادات، لكن الجديد في حديث إبراهيم الأمين قوله أننا بالفعل نريد طريقة جديدة في التفكير و تصورات جديدة تجعل الحزب إلا على القاعدة الجماهيريها و ما تختاره الجماهير من القاعدة إلي القمة.. هذا خطاب جديد لكن هل سوف يصمد، أم سوف يحدث فيه تراجع بسبب الإرث السياسي التاريخي للحزب..
إن العملية السياسية في أية بلد لا تسير بالشعارات، و لكن تتحرك من واقع سالب إلي مسار إيجابي من خلال تقديم بل ضخ أفكار بصورة متواصلة، لأن الأفكار وحدها هي التي تحدث تحريكا في الواقع، إضافة إلي قراءة الواقع قراءة موضوعية، وفقا لمعطيات÷، و ليس أحلام يحاول البعض إدراجها، و مشاركة القوى الحقيقية و ليست القوى التي تمثل فقط ” عناوين على الورق” و كما قال الدكتور على حرب “من لا ينتج معرفة في المجتمع لا يستطيع المساهمة في تغييره، و من لا يبدع فكرا هو اعجز من أن يؤثر في مجرى الأحداث و تطور الأفكار و هذا هو المأزق الذي يمسك بخناق المثقف العربي” إن الغريب في الأمر؛ أن أغلبية العناصر التي تنتج أفكار في البلاد، تجدها قد غادرت أحزابها بسبب ضيق المواعين الديمقراطية فيها، حيث أصبحت عملية التحول الديمقراطي شعارات تردد في المناسبات ليست قضية جوهرية تدفع عناصر الأحزاب بطرح رؤأها حتى تحدث تحريكا من خلال حوار الأراء في الساحة السياسية.. و السؤال هل الأحزاب تقبل طرح الأراء و الأفكار دخل المؤسسة أم تفرض عليها قيودا تجعل الكل في حالة لا مبالاة..
أن التحريك السياسي لا يستطيع أن يحدثه شخص بمفرده أو مجموعة من الاشخاص بعيدين عن المؤسسات الحزبية، و لكن يصبح قوة محركة عندما تتبناه الأحزاب و تتفاعل معه، لأنها تملك قدرات أكثر من الأفراد، إن الأحزاب هي نفسها تشكل معضلة لعملية التحول الديمقراطي، و كما يقول المثل ” فاقد الشيء لا يعطيه” فالأحزاب هي نفسها تحتاج إلي تغييرات جوهرية في القيادات و في مرجعياتها الفكرية التي لا تتوافق مع الديمقراطية.. نسأل الله حسن البصيرة..
