استنادًا لاطلاعي على كتاب “Politics and Social Change in the Third World” أو “السياسة والتغير الاجتماعي في دول العالم الثالث” لأستاذ الدراسات الدولية بجامعة واشنطن جويل إس. ميجدال Joel S. Migdal، الصادر عام 1973م، وجدتُ فيه دافعًا عميقًا لتأمل وتحليل الواقع السوداني من جوانب مختلفة. فقد مثّل هذا الكتاب محفزًا فكريًا دفعني لمحاولة إسقاط مضامينه وتحليلاته على التحولات التي شهدها السودان في تاريخه المعاصر، وخصوصًا ما يتعلق منها بجدلية العلاقة بين التغير السياسي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. ورغم أن هذا الكتاب لا يُعد من الإصدارات الحديثة، إلا أنه يقدّم طرحًا يحتفظ براهنيته في تحليل الواقع السياسي والاجتماعي، ويظل نصًا تأسيسيًا في البحث التاريخي، حيث يوثق منظورات أكاديمية عن التنمية في حقبة الحرب الباردة. ويتضح ذلك من خلال استخدامه مصطلحات مثل “دول العالم الثالث”، التي استُبدلت حديثًا بمصطلحات أخرى مثل “الدول النامية” وغيرها.
وفي هذا السياق، يتضح أن النخبة تلعب دورًا محوريًا في ترجمة هذه التحليلات الفكرية إلى واقع ملموس، عبر تعزيز التفكير النقدي والمشاركة الفاعلة في عملية التغيير الاجتماعي والسياسي. ويمثّل تبني النخبة لأدوات التفكير النقدي، وحرية التعبير، وقبول التنوع والاختلاف مرتكزًا أساسيًا في عملية التغيير الاجتماعي والسياسي، لا سيما في المجتمعات التي تواجه أزمات بنيوية مركّبة كما هو الحال في السودان. فالنخبة، بوصفها الفئة المتعلمة والمتمكنة من الأدوات التحليلية، تتحمل مسؤولية مزدوجة: أولًا، المساهمة في إنتاج الوعي العام من خلال إشاعة ثقافة الحوار والتفكير المستقل؛ وثانيًا، الانخراط الفعلي مع المجتمع، عبر فهم عميق لواقعه ومشاركته تحدياته وتطلعاته.
لذلك لا يُعدّ التفكير النقدي مجرّد رفض أو اعتراض على الواقع القائم، بل يُنظر إليه كأداة تحليلية منهجية لفهم المشكلات البنيوية، وتفكيك الهياكل التقليدية التي تعيق التقدم، واستكشاف حلول مبتكرة تنطلق من قراءة معمّقة للواقعين الاجتماعي والاقتصادي، فضلًا عن السياق السياسي العام. وعندما تمارس النخبة هذا النمط من التفكير بقدرٍ من الموضوعية والتجرد، فإنها لا تقتصر على إنتاج الأفكار النظرية، بل تسهم فعليًا في إعادة تشكيل منظومات التنمية، على نحوٍ يستجيب لتعقيدات الواقع واحتياجاته المتغيرة، بعيدًا عن نزعات الشعاراتية أو القرارات الارتجالية. وتتجلى فاعلية التفكير النقدي على نحوٍ أكمل عند اقترانه بحرية التعبير، بوصفها الضمانة الأساسية لتداول الآراء وبلورة الرؤى داخل فضاء عمومي مفتوح. فحرية التعبير لا تعني فقط تمكين النخبة من طرح تصوراتها ومناقشتها، بل تشمل أيضًا ضمان حق المجتمع الأوسع في التفاعل، والنقد، والمساءلة، والمشاركة الفاعلة في صياغة التوجهات والسياسات. ومن خلال هذا المناخ الحواري، تتعزز الثقة المتبادلة بين النخب والمجتمع، ما يسهم في تخفيف الاحتقان، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، والوصول إلى توافقات مجتمعية أكثر واقعية وفعالية.
أما قبول التنوع والاختلاف، فهو من الشروط الجوهرية لنجاح أي مشروع للتغيير، خصوصًا في المجتمعات التي تتسم بتركيبة إثنية وثقافية ودينية معقدة، كما هو الحال في السودان. فرغم مرور أكثر من سبعة عقود على نشوء الدولة الوطنية، لا يزال هذا التعدد يمثل تحديًا لم تتم معالجته بصورة بنيوية، بل غالبًا ما يُستغل كأداة للصراع والإقصاء. وعليه، فإن أي نخبة تطمح إلى قيادة تحول ديمقراطي أو تنموي لا بد أن تنطلق من الاعتراف الحقيقي بهذه التعددية، وتعمل على تحويلها إلى مصدر غنى ووسيلة للتنوع البنّاء، بدلًا من أن تكون مبررًا للهيمنة الطبقية أو الجهوية. إن تحقيق التغيير المستدام لا يمكن أن يستند إلى مركزية فكرية أو احتكار رمزي للهيمنة، بل يتطلب بناء شراكة مجتمعية متكافئة، تعترف بحق جميع المكونات في الوجود والمساهمة في صياغة المستقبل المشترك.
ويُشكّل التفكير النقدي، وحرية التعبير، واحترام التعددية، ركائز أساسية لا تقتصر أهميتها على تعزيز التماسك المجتمعي فحسب، بل تمتد لتكون شروطًا جوهرية لتهيئة بيئة قادرة على مكافحة الفساد وتحقيق التنمية المستدامة. وتزداد أهمية هذه الركائز في الدول النامية، خاصة في القارة الإفريقية، حيث تُظهر مؤشرات منظمة الشفافية الدولية أن معظم دولها تحتل مراتب متأخرة. ولفهم أعمق لجذور هذه الظاهرة وأبعادها، يعرض البروفيسور تشارلز مانجا في كتابه “مكافحة الفساد وعلاقته بالدستور في إفريقيا ” رؤية مفادها أن القضاء على الفساد لا يتحقق بمجرد زوال الأنظمة العسكرية مثلاً أو تغيير الحكومات الاستبدادية، بل يتطلب تحوّلًا عميقًا في البنى الاجتماعية والسياسية والثقافية.
فالفساد، في جوهره، ليس مجرد سلوك فردي منحرف أو انحراف سياسي، بل هو انعكاس لخلل بنيوي في منظومة الحكم والعلاقات الاجتماعية. ويرتبط هذا الخلل ارتباطًا وثيقًا بغياب ثقافة المساءلة والمواطنة الفاعلة، وهما عنصران لا يمكن ترسيخهما إلا بوجود فضاء عام حر، واحترام للتعددية، ومؤسسات تشاركية تُسهم في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. وانطلاقًا من هذه الرؤية، فإن تحقيق التنمية المستدامة في إفريقيا عمومًا، وفي السودان على وجه الخصوص، يتطلب مشروعًا نهضويًا شاملًا، تقوده نخب تمتلك وعيًا وطنيًا خالصاً، وإرادةً معرفية قوية، ورؤيةً استراتيجية عميقة. ويرتكز هذا المشروع على إصلاح دستوري عميق، وتفعيل أجهزة الرقابة والمساءلة، وإعادة صياغة الثقافة السياسية، وبناء علاقة جديدة بين الدولة والمواطن تقوم على الشفافية والمحاسبة. فمكافحة الفساد لا تُختزل في إطار قانوني أو إداري فحسب، بل هي معركة وعي وبناء مجتمعي، تستدعي وجود نخب مؤمنة بأن التغيير الحقيقي يبدأ من القاعدة، ويتغلغل في مختلف مفاصل الدولة والمجتمع. وفي ظل ما تقدم، تظهر خصوصية التجربة السودانية، إذ أتاح الانفتاح النسبي الذي أعقب الثورة عام 2019م للنخبة فرصة تاريخية للقيام بدورها، بعد عقود من القمع الإعلامي والسياسي الذي كبّل الحريات وأقصى المجتمع من المجال العام. لكن ما كشفته الثورة أيضًا كان صادمًا؛ فقد بدا أن جزءًا كبيرًا من النخبة السودانية لم يكن مهيّأً للتفاعل الحقيقي مع المجتمع، إذ سقط في فخ الصراعات الفكرية الضيقة والانقسامات الإيديولوجية الحادة، وعوضاً عن أن يصبح محفّزًا للوحدة والوعي، تحول في بعض الأحيان إلى طرف في الاستقطاب، يمارس الاستبداد بدلًا من الاحتواء. لقد كشفت تلك المرحلة ضعفًا في البنية المعرفية والفكرية للطبقة المثقفة، التي أظهرت ميلًا للهيمنة والوصاية على المجتمع، واستعلاءً معرفيًا لم يُفضِ إلا إلى مزيد من التباعد بينها وبين الناس. فأُنتج بذلك خطاباً نخبوياً مُنفصلاً عن الواقع، عاجز عن فهم احتياجات القواعد الشعبية، وموسوم بعقلية إقصائية تستبدل القمع السياسي بالاستبداد الفكري. وما يزيد هذا الوضع تعقيدًا هو أن كثيرًا من النخب السودانية ظلت أسيرة الأطر الأيديولوجية والجهوية، ولم تطوّر أدوات نقدها الذاتي ولا رؤاها لتتحول إلى جسور حقيقية بين الدولة والمجتمع. على سبيل المثال، كثيرًا ما تُستَخدم مطالب الفئات المهمشة في الخطابات السياسية دون أن تتحول إلى مشاريع حقيقية شاملة للعدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة، مما فاقم مشاعر الإقصاء وقوّض الثقة في قدرة النخبة على تمثيل تطلعات عامة الناس.
وعلى الرغم من الإخفاقات التي صاحبت أداء بعض النخب، فإن دورها يظل محوريًا في عمليات التحول الاجتماعي والتنمية، شريطة أن يُمارس هذا الدور بمسؤولية معرفية وفكرية. فشرعية النخبة لا تُستمد من موقعها الأكاديمي أو قدرتها الخطابية فحسب، بل من مدى تواصلها الفعّال مع المجتمع، واستعدادها للاستماع إليه، والعمل على تمكينه. النخبة المؤثرة ليست تلك التي تنعزل في فضاءات مغلقة ومنفصلة عن الواقع، بل تلك المنخرطة في السياق الاجتماعي، القادرة على بلورة حلول واقعية تستجيب لاحتياجات المجتمع الفعلية، وتناسب تعقيدات الواقع الراهن، دون اللجوء إلى تفكير نظري مجرد أو نماذج غير قابلة للتطبيق في المرحلة الحالية على الأقل، وبذلك تساهم في بناء وعي جماعي متجدد ينهض من الداخل ويستند إلى المشاركة لا إلى الوصاية.
وهنا، يُمكن القول إن التغيير الحقيقي لا يتحقق من خلال الانقلابات السياسية أو إعادة توزيع السلطة بين نخب متنافسة، بل من خلال بناء مسار تشاركي طويل المدى، يتأسس على تفاعل حقيقي بين النخبة والمجتمع. فحين تسهم النخبة في ترسيخ ثقافة الحوار، وتعزيز قيم المواطنة والمساءلة، فإنها تُطلق دينامية اجتماعية قادرة على مراكمة الوعي وتحويله إلى طاقة تغيير فعالة. قيم المواطنة والمساءلة تُرسّخ لمفهوم بأن السلطة ليست أداة قمع، بل تكليف وطني يخضع للمحاسبة. وعندما يتحوّل المواطن من متلقٍ سلبي إلى فاعل في الشأن العام، يصبح أكثر وعيًا بحقوقه وواجباته، وأكثر قدرة على الإسهام في بناء اقتصاد شفاف ومجتمع عادل. هذا النوع من التغيير لا ينتج فقط نموًا اقتصاديًا، بل يخلق بيئة اجتماعية مرنة، قادرة على احتواء التعدد، وتجاوز الأزمات، ومراكمة التقدم بطريقة تراكمية ومتزنة.
إن تطوّر المجتمعات أيضا يتطلب المشاركة العادلة للنوعين، فلا نهضة حقيقية مع تهميش نصف المجتمع. ورغم ما حققته المرأة من تقدم علمي ومهني، ما زالت النخب في كثير من الأحيان تكرّس المفاهيم البالية بدل العمل على تفكيكها، فتُبقي دورها هامشيًا وتفوّت فرص التنمية الشاملة. إن التغيير لا يتحقق بفرض الأفكار من جانب النخب أو السلطات، بل من خلال الأفكار التي تنبثق من تجارب الشعوب ومعاناتها، وتترسخ عبر الحوار والانفتاح وتعدد وجهات النظر. وعلى النخب أن تكون محفزًا للتفكير النقدي وشريكًا في صنع التغيير، لا جهة مهيمنة عليه. فالمجتمعات التي تعزز الحوار والمواطنة والمساءلة تبني أساسًا متينًا للتنمية والعدالة والحرية كما في تجارب جنوب إفريقيا وغانا. ففي جنوب إفريقيا على سبيل المثال، وبعد عقود من نظام الفصل العنصري والقمع السياسي، لعبت النخبة السياسية والفكرية دورًا محوريًا في تحقيق الانتقال السلمي نحو الديمقراطية، من خلال مفاوضات شاملة وحوار وطني واسع، أسّسا لدستور يحترم التنوع وحقوق الإنسان. وقد ساعد هذا المناخ السياسي الجديد في تعزيز الاستقرار وجذب الاستثمارات، مما دعم نمو قطاعات مثل السياحة والخدمات المالية.
أما في غانا، فتبرز التجربة بوصفها مثالًا ملهمًا على نجاح التحول السلمي نحو الديمقراطية بعد سنوات من الحكم العسكري والانقلابات. فقد تبنّت البلاد خلال العقود الأخيرة نموذجًا يقوم على التعددية السياسية، وحرية الإعلام، والمساءلة العامة، الأمر الذي أسهم في خلق بيئة مستقرة جذبت الاستثمارات الأجنبية، ودعمت قطاعات حيوية مثل التعليم والتكنولوجيا والاقتصاد الزراعي. ولعب المجتمع المدني النشط ووسائل الإعلام المستقلة دورًا مهمًا في محاربة الفساد وتعزيز الرقابة على الأداء الحكومي.
هذه الأمثلة وغيرها تؤكد أن تحرير العقول وفتح فضاءات التعبير والمساءلة ليس ترفًا فكريًا، بل هو مدخل ضروري لتحقيق التنمية الشاملة. فالنخبة التي تحفّز المشاركة الشعبية وتعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، تضع الأساس لتحول حقيقي قادر على الصمود أمام الأزمات، والنمو في بيئة عالمية متغيرة.
في الختام، يرتبط نجاح السودان في تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة وعدالة اجتماعية شاملة ارتباطًا وثيقًا بقدرة نخبه المثقفة على تبني قيم التفكير النقدي، وحرية التعبير، واحترام التعددية، إلى جانب امتلاك أدوات الحوار المجتمعي الفعّال. فمسارات التحول الحقيقي لا تُصاغ بمعزل عن المجتمع، ولا تُتخذ قرارات فردية منفصلة عن السياق العام، بل تنشأ في بيئات تشاركية تتسم بالشفافية والانفتاح، وتفسح المجال أمام التنوع الفكري والمشاركة الواسعة. وفي هذا الإطار، يبرز الدور الحيوي للنخب المثقفة، ليس فقط كمنتجي فكر، بل كشركاء في التغيير الميداني. ويُنتظر منهم أن يندمجوا بصورة فاعلة مع المجتمع من خلال مبادرات التطوع، وبرامج التوعية، وجهود التثقيف الشعبي، بما يسهم في رفع وعي الأفراد وتعزيز مشاركتهم في صناعة القرار والتنمية المحلية.
إن دور النخبة، ضمن هذا المنحى، لا يكتمل إلا عندما تصبح حلقة وصل بين المعرفة والواقع، بين النظرية والتطبيق، وبين الحلم الوطني والتنفيذ العملي.
nazikelhashmi@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم