النساء الولاة والعقلية المحافظة .. بقلم: د. محمد عبد الحميد

 

العقلية المحافظة أرحم منها عقلية الرجعي…. فالرجعي وبحسب منطقه الأيديولوجي تواق لنموذج ماضوي مجرب يحاول إعادة عضونته في الواقع بغض النظر عما اعترى ذلك الواقع من تغيرات. أما المحافظ فذو عقلية “متوجسة” تحاول أن تصور الراهن على أنه أفضل خيار. وتحجم عن التغيير بإعتبار أنه احد الموبقات التي يجب ألا يتم المجازفة فيها… كما أن العقلية المحافظة تحاول على الدوام أن تصور نفسها كضحية وإن عجزت عن ذلك – ودائما ما تعجز – تنزع نحو عقد مقارنات ميتة لتثبيط الهمم وإبطال مفاعيل التغيير… فالذين يرفضون تعيين امرأة والياً على سبيل المثال هم أكبر دليل على تجلي هذه العقلية المحافظة التي تحاول أن تضع خصومها في موقع المدافع عن ذاته. 

فالمحافظ كثير الحساسية في القضايا المتصلة بحقوق المرأة، ولا يعترف لها بدور خارج الأطر التي أقرها هو كمجتمع محافظ، وينظر الي أي خطوة باتجاه أن تلعب المرأة دورا غير تقليديا على أنه موبقة من الكبائر فينزع لسؤال افتراضي مؤسس على ذات العقلية المحافظة ( هل ترضى ذلك لأختك؟! ) وذلك بإفتراض أن كل ما يمكن ان تقوم به المراة خارج دائرة الحدود المقررة سلفا يعد تجاوزا يجب رده والتبرؤ منه في الحال والتو. وما يمكن ملاحظته هنا أن السؤال مثقل بخلفية ذكورية masculinity تفترض في ذاتها النقاء والطهر والبعد عن المعايب.
إن الذاكرة السودانية تختزن في تاريخها البعيد والحديث أدواراً متعاظمة للمرأة السودانية، فهي وعلى عكس الكثير من رصيفاتها في المجتمعات المحافظة المحيطة قد خبرت دروب العمل العام في شتى مظاهره. وقد ابلت فيه بلاء حسنا. ولعل لقب الكنداكة الذي انبعث مع الحضور الطاغي للمرأة السودانية ودورها الريادي في التصدي للنظام القمعي الديكتاتوري، وتسطير ملاحم الصمود في ميادين التظاهر أو عبر تقديم فلذات أكبادهن كشهداء يُعد استلهاماً مبدعاً غير مبتدع من ذلك الحضور الذي محقته او بالكاد عوامل تأثر الثقافة السودانية بمحيطها المحافظ في العقود الأخيرة.
مهما يكن من امر وبالعودة لسؤال المحافظين الدفاعي فإنه لا يصمد في حالة النساء الولاة ، لأن الإجابة هنا تكون واضحة وبدون تردد لأن منصباً رفيعاً مثل منصب الوالي يعد الارتقاء إليه شرف تتمنى كل أسرة أن تحوذه إحدى بناتها، لأنه ولحسن الحظ لا يختلط بمفهوم العيب وهو ” المجال الآمن” للعقلية المحافظة التي يكون من أكبر شواغلها أن تحافظ عليه حتى تلجأ إليه كلما دعت الضرورة باعتباره حصنها الحصين .
إن الجدل الذي يثيره تعيين نساء ولاة ليس كذلك الجدل الذي أثاره فريق كرة القدم النسائية. فالأمر هنا غير مرتبط بتجاوز عادات وتقاليد اجتماعية مرعية قائمة على ثقافة ثابتة Established culture ، وإنما مرتبط بحالة صراع قوامه أهلية وإنسانية وقانونية ورؤى ومهارات مؤسسة على القدرة على الإدارة والمعرفة والدراية لذلك فإن إعتراض المحافظين لن يعدو أن يكون صرخات متهيجة تغرق في مياه واقع تجاوزها ولا تجد طوق نجاة تتشبث به إلا لغة (حَرّم وعليّ الطلاق وما عندنا نسوان يقودن الرجال) وهي لغة معبأة بحمولات ذكورية لا تعترف للمرأة إلا بدور محدود يضعها دائما تحت الرجل وفي ذلك قمة الإنحطاط الفكري والأخلاقي.
د. محمد عبد الحميد

wadrajab222@gmail.com

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في كتاب “كفاحي” لهتلر.. كيف صعد هذا الجاهل لسدة الحكم في ألمانيا؟

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدwadrajab222@gmail.com نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك منشوراً بيّنتُ فيه أن …

اترك تعليقاً