النص الابداعي وجنس الكاتب

خيط النور
النص الابداعي وجنس الكاتب
نُشر هذا المقال لأول مرة في مجلة “الجديد” اللندنية عام 2019، ويُعاد تقديمه هنا في نسخة مُحدّثة، بعد أن نضجت الرؤية واتسعت زاوية التأمل في المشهد الثقافي والكتابة النسوية.
في ركنٍ قصيّ من ذاكرة الورق، خطّت امرأة سودانية أول شهقة حبر على جسد الصمت.
لم تكن الكتابة آنذاك ترفًا، بل مغامرة محفوفة بالخوف، وصرخةً مبكرة في وجه مجتمعٍ يتحسّس من صوتٍ أنثويّ يُدوّي على الصفحات. ومع الوقت، بدأت ملامح الكتابة النسوية تتجسّد ببطء؛ تنبض بالترقّب، وتترجم شغفًا صامتًا إلى نبضٍ على السطور، حتى انبثقت أولى البدايات في أربعينيات القرن الماضي على يد الرائدة ملكة الدار محمد، التي ابتدأت بالقصة القصيرة، ثم خطّت روايتها الشهيرة الفراغ العريض، وهي رواية كُتبت في مطالع الخمسينيات، لكنها لم ترَ النور إلا بعد وفاتها.
ومن بعدها، تتابعت المحاولات النسوية، تتسلل بين الظلال والصمت. بعضها طُمِس، وبعضها نجا وتسرّب عبر الذاكرة الشفاهية، كحكاية فاطمة السمحة، فيما طمست الذاكرة الجمعية أصواتًا أخرى، وأقصاها نقدٌ لم يُنصف أنثى تكتب من داخل المعاناة. ثم جاءت موجات لاحقة من الكتابة النسوية، متواترة في حضورها، متفاوتة في حظّها؛ بعضها وجد سبيله إلى النشر، وبعضها ضاع تحت ركام النسيان. لكن تبقى الذات الكاتبة لدى المرأة ذاتًا قلقة، تنوء بهمّ التعبير تحت وطأة رقيب داخلي يسكنها، يُملي عليها حدود البوح، ويقيس كلماتها بميزان الخوف. فهي تتحمّل مسؤولية الكتابة بمنحًى جماليّ يفوق سقف حريتها المسموح به، فكأنّ “الضلع الأعوج” ينهض من مجازه مرةً أخرى، لا ليثبت نقصانها، بل ليذود عنها في وجه مجتمع يُقيمها ويُدينها في آنٍ واحد. الاختلاف يغوص بها عميقًا، فتتعثر كتاباتها في لحظة، وتندفع في لحظة أخرى، بين تلكؤ وهرولة، وصوت داخلي يترجّى قبول النص لذاته، لا لاسم كاتبته. شهقات خافتة تتخلل السطور، كأنها تتوسل ألا تُدان الكاتبة بما تكتبه، وألا تُربط نصوصها تلقائيًا بسيرتها الخاصة.
فكم من كاتبة لم تُقرأ نصوصها إلا عبر مرآة حياتها، وكم من موهبة لم يُلتفت إليها إلا إذا زكّاها الجمال، أو الصلات، أو محض صدفة أخرجتها من عزلتها. ومحظوظةٌ تلك التي نالت القبول دون معايير مسبقة، لا تُقاس بجمالها، ولا بمعارفها أو علاقاتها، بل بما تكتب. ولربما، فقط صدفة، هي التي تصنع مبدعة خارج حدود التمييز.
ولكن، هل تكمن القيمة الحقيقية للنص في نوع كاتبه؟ أم يعلو القارئ برهافة ذائقته ليتلقّى النص كما هو: روحًا تتجلّى على الورق، لا سيرةً تتخفّى خلفه؟ وهل تُصغي آذان النقد لما كُتب، أم لمن كتبه، ولمن ينتمي، ولأية دائرة اجتماعية أو عرقية تحيط بصوته؟
وهل يعلو النص بموقف كاتبه السياسي، أم يُقصى بسببه؟ ثم، هل تُقاس جدارة الكتاب بما يحققه من أرقام على رفوف البيع؟ أم أن للانتشار سُبُلاً أخرى، لا تعرف الإنصاف، ولا تعترف بالموهبة إلا إذا صادفها ضوءُ الصدفة؟ وهل يخلو المشهد الثقافي من أولئك الذين يتباهون بنصوص لم تنضج، يحتضنها كتاب، ويتقبلها كاتبها، فتمتلئ بها الأرفف، وتلهج بها الألسن لحظة، ثم يخفت الهتاف، وتذبل الفرحة، ويغيب الاسم كما لو لم يكن؟ ليصير استسهال الكتابة مهنة من لا حرفة له، ويغدو الحبر طريقًا مختصرًا إلى وهم الضوء.
وقد تكون همزة الوصل بين كل تلك الأسئلة، تلك المسافة التي تتحاشاها المرأة في الكتابة، وتخشاها الأسرة حين تمدّ يد الدعم، ويتردد المجتمع في قبولها حين تخلع قيدًا، وترتقي بأرجلٍ مرتجفة، تبحث عمّن يشدّ عضدها. فتصبح كاتبة تعبّر بنصوصها عن الإنسان في هشاشته وقوته، لا تكتب لتُثبت شيئًا، بل لتكون. تمضي خلف هُداها، لا خلف ما يُنتظر منها، وتصل بقلبها إلى قارئ لا يعنيه الغلاف، بل ما وراء الكلمات.
وفي وطني الجميل “السودان”، حيث الثقافات المتباينة، والسحنات المختلفة، والأمزجة المولعة بالجديد، تتردد نصوص المرأة بين المسموح والجرأة، تبعًا لحضور الكاتبات، قلَّ أو كثر، في ضروب الأدب المختلفة؛ من الشعر إلى النثر، ومن القصة إلى الرواية والصحافة. ولا يخلو المشهد من تغوّل بعض الأصوات، كما لا يخلو من نصوص متقنة تتقد وسط الضجيج.
لكن السؤال يظلّ معلّقًا في فضاء الكتابة: هل من تكتب القصة تُجيد الشعر؟ وهل من تكتب المقال تُتقن فن الرواية؟ وهل يكفي أن نكتب لنُجيد؟ ربما لا يُطلب من الكاتبة أن تُجيد كل الأجناس، فلكل جنس أدبي منطقه وخصوصيته. الشاعرة تُنصت لإيقاعها الداخلي، تضبط الوزن، وتشذب القافية، وتُحمّل اللفظة بإيقاع المعنى. وكاتبة المقال تُحسن عرض الإشكال، وطرح الرأي، وتلفت نظر القارئ إلى ما بين السطور. أما القاصة، فتكتب بدهاء؛ تمسك بخيط الحكي، وتبلغ به مركز التأثير. والروائية تبني عوالم متداخلة، تحيك الحكاية بما قبلها وما بعدها، ترسم الشخصيات، وتخلق المسارات، وتدع الباب مواربًا لقراءات متعددة. فليس السؤال: هل نكتب؟ بل: هل نُحسن التعامل مع جنس الكتابة الذي اخترناه؟ ومن هنا تتبدّى الحاجة إلى نقد متخصص، لا يرفض التجريب، بل يُضيء مكامنه، ويرشد الأصوات الناشئة نحو مزيد من التمكّن. ويبقى التساؤل حاضرًا: هل ثمّة نصّ أنثوي وآخر ذكوري؟ أم أن النصّ الجيّد لا يعترف بتصنيفات الهوية؟
“يبقى النص أصدق من اسمه، وأبقى من صاحبه، إن وُلد من قلب التجربة، لا من صدى التصنيف”
د. إيمان المازري
sukraelmazri@yahoo.com

عن إيمان المازري

إيمان المازري

شاهد أيضاً

أمام المرآة شخص آخر

كثيرًا ما أختلي بنفسي في مساءٍ فائض بالمحبّة لأعيد ترميم مرآتي الفكرية، أجلس هكذا وأسرد …