النظم الاسلامية (3)

بسم الله الرحمن الرحيم
النظم الاسلامية (3)
الوقف في الحضارة الاسلامية ودوره في بناء المجتمع
ا.د. احمد محمد احمد الجلي
ahmedm.algali@gmail.com
مقدمة: تتناول هذه الدراسة موضوع: الوقف في الحضارة الإسلامية ودوره في بناء المجتمع. ويعد الوقف الاسلامي من أهم النظم الحضارية التي أسهمت في تشكيل البنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في التاريخ الإسلامي.ويبدا البحث بتعريف الوقف ،ومشروعيته، وخصائص نظام الوقف ،ونشأة الوقف وتطوره التاريخي، ومبدأه من عهد النبي محمد ﷺ، ومن الأدلة العملية على ذلك ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام في أموال اليهودي مخيريق،والذي هو عبارة عن سبعة حوائط بالمدينة ،وأوصى إن هو قتل يوم أحد فهي لمحمد  يضعها حيث أراه الله تعالى، وقد قتل مخيريق يوم أحد وهو على يهوديته، فقال النبي عليه الصلاة والسلام (مخيريق خير يهود) وقبض النبي ،تلك الحوائط السبعة وجعلها أوقافاً بالمدينة.وكانت أول وقف بالمدينة )السيرة النبوية (ابن هشام ،غبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري) ج1 ص:518 (،وتوسّع الوقف في عهد الخلفاء الراشدين وازدهر في عصور التاريخ الاسلامي:العصر الأموي ،والدولة العباسية ،والامبراطورية العثمانية ،حتى أصبح مؤسسة ضخمة تدير الجوانب العلمية والتعليمية كالمدارس ،والجامعات،وتؤسس المرافق الصحية: كالمستشفيات والمراكز الطبية, وتلعب دورا في النشاط الحضاري والعمراني: كالطرق والجسور،وتوفير المياه (من الآبار، والسقايات) ،والمساجد ،ودور الأيتام ، حتى عمت مختلف المناشط الاجتماعية.
تعريف الوقف: عرف الوقف في اللغة بأنه: الحبس والمنع، ويقال: وقفت الدابة إذا حبستها على مكانها ، وفي تعريف الفقهاء الوقف هو: تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة. ولم يكن الوقف معروفاً لدى العرب قبل الإسلام، قال الامام الشافعي: “لم يحبس أهل الجاهليةـ،فيما علمته داراً ولا أرضاً”. (مواهب الجليل في شرح مختصر خليل ( محمد بن محمد بن عبد الرحمن( خطاب) دار الفكر ط 3..:1412-1992م كتاب الوقف باب وقف مملوك.).
ويُعدّ الوقف الإسلامي من أبرز المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية في الحضارة الإسلامية، إذ يجمع بين البعد التعبدي والبعد التنموي، ويُجسّد مفهوم “الصدقة الجارية” التي يستمر أثرها عبر الزمن. وقد أسهم الوقف تاريخيًا في بناء منظومات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، مما جعله أحد الأعمدة الرئيسة في تحقيق التكافل الاجتماعي والاستقرار المجتمعي. وفي ظل التحديات المعاصرة المرتبطة بالفقر والبطالة وضعف الخدمات الاجتماعية، يتجدد الاهتمام بالوقف بوصفه آلية تنموية مستدامة يمكن أن تسهم في تحقيق التنمية الشاملة.
مشروعية الوقف الإسلامي وتطوره تاريخيًا: لماجاء الإسلام شرع الوقف ووسع دائرته، اذ حث القرآن الكريم على فعل الخير والبر والاحسان وهو ما يرمي إليه الوقف، ومن ذلك قوله تعالى: (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ) البقرة:177، وقوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ۗ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) البقرة/254،وقوله سبحانه: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِي (البقرة: 267، وقوله تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ)، آل عمران آية: 92 ، وقوله تعالى: (وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) ،البقرة آية: 272. كما حث الرسول  على الوقف، ووجه الى الصدقة الجارية ورغب فيها، واشار على عمر بتحبيس أرضه بخيبر، كما ورد في حديث ابن عمر- رضي الله عنهما- الذي يقول فيه: (أصاب عمر بخيبر أرضا فأتى النبي ، فقال: أصبت أرضا، لم أصب مالأ قط أنفس منه، فكيف تأمرني به؟ قال: “إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها”، فتصدق عمر: أنه لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث في الفقراء والقربى، والرقاب ،وفي سبيل الله والضيف، وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم صديقا غبر متمول فيه”(صحيح البخاري،كتاب الوصايا،باب الوقف)، وحض على تحبيس بئر رومة، فاشتراها عثمان وحبَّسها ، وقد روي انه حينما قدم النبي ﷺ المدينة المنورة وجد أن الماء العذب قليل، وليس بالمدينة ما يستعذب غير بئر رومة،و كانت بئر رومة لا يشرب منه أحد إلا بثمن، وكانت لرجل من بني غفار وقيل أنها كانت ليهودي وكان يبيع منها القربة بِمُدّ، فاشتراها عثمان بن عفان رضي الله عنه بعشرين ألف درهم، وقيل بخمسة وثلاثون ألف درهم، فجعلها للغني والفقير وابن السبيل.، فقال رسول الله ﷺ : ( من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة. (صحيح البخاري: 2778)، ونبه على مجموعة من أبواب الخير، وأرشد إلى العناية بها وتحبيس الأموال فيها، كما في قوله،  : إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته : علما علَّمه ونشره، وولداً صالحاً تركه، ومُصحفاً ورَّثَهُ، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، يلحقه من بعد موته”. وقوله عليه الصلاة والسلام ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث:من صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)، (رواه مسلم كتاب الوصية) .وعَنْ أبي هُريْرَةَ، رضي الله عنه، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ احتَبَس فَرسًا فِي سبيلِ اللَّهِ، إيمَانًا بِاللَّهِ، وتَصدِيقًا بِوعْدِهِ، فإنَّ شِبَعهُ ورَيْهُ وروْثَهُ وبولَهُ في مِيزَانِهِ يومَ القِيامَةِ (فتح الباريء:ج: 6 / 57)
وقد انطلق الصحابة يحبسون من أفضل أموالهم، في نوع من التنافس في الخير.كما فعل أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والزبير بن العوام ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وعائشة وأم سلمة وصفية زوجات الرسول وأسماء بنت أبي بكر وسعد بن أبي وقاص وخالد بن الوليد وجابر بن عبدالله وغيرهم،”الأوقاف وأثرها في دعم الأعمال الخيرية في المجتمع(،ويروى أن جابراً رضي الله كان يقول: (لم يكن أحد من أصحاب النبي  ذو مقدرة إلا وقف (المغني لا بن قدامة /8م،)85 )
وأكثر ما ركزت عليه أوقاف الصحابة مجالان متمايزان، ولكنهما متكاملان: مجال الاحتياجات الضرورية للفئات المحتاجة في المجتمع، كإطعام الفقراء والمساكين ،واليتيم ،وابن السبيل، وعتق الرقاب…إلخ، والمجال الثاني هو حاجات الذرية والأقارب. وكل هذه الفئات حض القرآن الكريم على رعايتها في نصوص كثيرة، منها قوله تعالى : ( واعبدوا اللَّه ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي الْقُرْبَى والْيَتَامَى والْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذي الْقُرْبَى والْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيِلِ وَمَا مَلَكتْ أَيْمَانُكُمْ) سورة النساء، الآية: 36.
ثم تتابع التنافس في عمل الخير حتى اصبح الوقف مؤسسة لعبت دوراً فاعلاً في تاريخ الحضارة الإسلامية، حيث كان الوقف هو الممول الرئيسي لكثير من المرافق :كالتعليم، والرعاية الصحية والاجتماعية ،ومنشآت الدفاع والأمن، ومؤسسات الفكر والثقافة . فقد شمل الوقف كفالة الفقراء والمساكين والأرامل والأيتام والضعفاء والمعوقين والغارمين وأبناء السبيل ، كما شمل الوقف المساجد وما يتعلق بصيانتها ووظائفها، ونشر الدعوة إلى الله ، ودور العلم من المدارس والجامعات وأساتذتها وطلابها ، والمكتبات والمستشفيات ودور الضيافة والاستراحة، ودور الرعاية الاجتماعية، وتزويج المحتاجين من الفتيان والفتيات، وإقامة أسبلة المياه الصالحة للشرب، وتوفير البذور الزراعية، وإجراء الأنهار وحفر الآبار، وإقامة الأربطة والحصون، وإيجاد السلاح والعتاد للجهاد في سبيل الله، وحماية دار الإسلام والدفاع عن مواطنيها، وتقديم الأموال للقرض الحسن ، وافتداء الأسرى وتحرير العبيد .واتسع الأمر ليمتد الوقف إلى إمداد الأمهات المرضعات بالحليب والسكر، وتوفير الحلي للبس والاستعارة، وإقامة دور خاصة تقام بها أفراح الفقراء، وتقديم أواني بديلة للأواني التي تنكسر بأيدي الخادمات حتى لا تعاقبن، ورعاية الحيوانات التي لم تعد صالحة للاستخدام الى غير ذلك من المناشط الاجتماعية،
أنواع الوقف: هناك ثلاث انواع من الوقف:1- الوقف الخيري،وهو الذي يُصرف ريعه في أوجه الخير العامة الفقراء، التعليم، الصحة).2-والوقف الذري (الأهلي):،وهوالذي يخصص لذرية الواقف .3-،والوقف المشترك،وهو الذي يجمع بين الخيري والذري. وفيما يلي نذكر اهم الأنواع، التي شملها الوقف وتنافس المسلمون فيها:
الوقف على دور العبادة( المساجد) : كان المسجد أهم الأوقاف التي عني بها المسلمون، بل هو أول وقف في الإسلام، كما هو معلوم في قصة بناء مسجد قباء أول مقدم رسول الله  إلى المدينة المنورة، ولعل من أبرز شواهد اهتمام المسلمين بذلك الجانب في الوقف: الحرمين الشريفين بمكة المكرمة والمدينة المنورة، والجامع الأزهر بالقاهرة، والمسجد الأموي بدمشق والقرويين بالمغرب، والزيتونة بتونس وغيرها كثير .
الوقف على المدارس والمراكز العلمية والمكتبات: كان للوقف فضل كبير في انشاء المدارس والمراكز العلمية والمكتبات في سائر بلاد الإسلام، وفي بقائها واستمرارها على مَرّ العصور، فلا تكاد تجد مدرسة ولامكتبة إلا ولها أوقاف خاصة يصرف ريعها في الإنفاق عليها. فقد اعتمدت دور التعليم على الوقف اعتماداً كلياً في نفقاتها وحاجاتها،إذ لم يكن في الدولة الإسلامية في الماضي ديوان أو وزارة للتعليم ، فقد كان للمحسنين اليد الطولى في إنشاء مدارس علمية كبرى في سائر الأمصار. روى الرحالة الشهير أبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير المعروف بابن جبير الأندلسي (540هـ-614هـ/1145-1217م)، أنه شاهد في بغداد نحو ثلاثين مدرسة، كل واحدة منها في قصر وبناية كبيرة، أشهرها وأكبرها المدرسة النظامية، ولهذه المدارس أوقاف وعقارات للإنفاق عليها وعلى العلماء والدارسين فيها، وكان وقف نظامية بغداد خمسة عشر ألف دينار شهرياً، وتخرج منها أكابر العلماء. (نظام الوقف http://ar.wikipedia.org/wiki/%: )
ويعطي المؤرخ االمشهور بابن خلدون(عبد الرحمن بن محمد بن محمد ابن خلدون (٧٣٢ – ٨٠٨ هـ=١٣٣٢-١٤٠٦م) ،أمثلة على ما كان في بغداد وقرطبة والكوفة والبصرة والقيروان وفاس من مراكز علمية، ويتحدث عما شاهده في القاهرة من التطور العلمي وازدهار المدارس، ويؤكد أن الذي ساعد على ذلك هو ما حدث في القرنين اللذين سبقا زمانه، وبخاصة زمن صلاح الدين الأيوبي الذي وقف أراضٍ زراعية وبيوتاً وحوانيت على المدارس، ثم ما وقفه من بعده أمراء المماليك من أموال على المدارس العلمية، فازدهرت واجتذبت العلماء وطلاب العلم من البلاد الإسلامية شرقاً وغرباً.( المقدمة”: “فصل في أن العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة)
وبمطالعة تاريخ المدارس العلمية في العالم الإسلامي يتأكد فضل الأوقاف في ازدهار الحياة العلمية، ويظهر أنه ماكان للمدرسة أن تقوم بدورها في البلاد الإسلامية لولا الأوقاف. ويشهد على ذلك أن عدداً من المدارس التي لم تكن لها أوقاف كافية لم تستطع أن تستمر في مزاولة نشاطها، ولم تلبث أن تعطلت وتهدمت. ومن هذه الشهادة يتضح جلياً أن الحركة العلمية الواسعة التي شهدتها الأمصار الإسلامية إنما هي ثمرة من ثمرات ازدهار الأوقاف وكثرتها.
وتطورت الأوقاف التعليمية على مر الزمن وساهمت في دفع عجلة التقدم العلمي في عصر النهضة العلمية في العالم العربي في ذلك الوقت، حتى صار عدد المدارس الوقفية في بغداد في القرن السادس الهجري 300 مدرسة، وفي دمشق 20 مدرسة، وفي القرن التاسع الهجري بلغ عدد المدارس في القاهرة 63 مدرسة. أما في صقلية الإسلامية (آنذاك)، فبلغ عدد المدارس الوقفية 300 مدرسة تتكفل بنفقات الإعاشة للطلاب المحليين والأجانب وتطوير البحث العلمي، حتى صارت جامعات العالم الإسلامي، وبخاصة الأندلس قبلة لطالبي العلم في العالم حينئذ
. وازدهرت أيضا الجامعات الوقفية في العالم العربي، كجامعة القرويين في المغرب التي تعتبر من أوائل الجامعات الوقفية في العالم وتأسست بالكامل من التبرعات. وجامعة الأزهر في مصر التي يقدر حجم أوقافها حاليًا بملايين الدولارات ولكنها ليست موجهة بشكل كامل لخدمة التعليم والبحث العلمي، وكذلك جامعة الزيتونة في تونس.
وروى الرحالة الشهير ابن جبير أنه شاهد في بغداد نحو ثلاثين مدرسة كل واحدة منها في قصر وبناية كبيرة، أشهرها وأكبرها المدرسة النظامية، ولهذه المدارس أوقاف وعقارات للإنفاق عليها وعلى العلماء والدارسين فيها، وكان وقف نظامية بغداد خمسة عشر ألف دينار شهريا، وتخرج منها أكابر العلماء.( الحياة العلمية في الدولة الإسلامية، ص:58 -61.)
وفي القرن السادس ايضاً نجد المدارس الموقوفة الخاصة بأبناء الفقراء والأيتام واللقطاء قد انتشرت في بلاد الإسلام، وقد تحدث ابن جبير عما شاهده من هذه المدارس في القاهرة ودمشق وغيرها، ويذكر التاريخ فضل صلاح الدين الأيوبي في إنشاء المدارس العلمية في جميع المدن التي كانت تحت سلطانه في مصر ودمشق والموصل وبيت المقدس، وفضل نور الدين محمود الشهيد الذي أنشأ في سوريا وحدها أربعة عشر معهدا، منها ستة في دمشق وحدها (المقريزي: الخطط، جـ5، عند كلامه عن المدارس. مصطفى السباعي: من روائع حضارتنا، ص:136)
ويعطي ابن خلدون أمثلة على ما كان في بغداد وقرطبة والكوفة والبصرة والقيروان وفاس من مراكز علمية، ويتحدث عما شاهده في القاهرة من التطور العلمي وازدهار المدارس، ويؤكد أن الذي ساعد على ذلك هو ما حدث في القرنين اللذين سبقا زمانه، وبخاصة زمن صلاح الدين الأيوبي الذي وقف أراضي زراعية وبيوتا وحوانيت على المدارس، ثم ما وقفه من بعده أمراء المماليك من أموال على المدارس العلمية، فازدهرت واجتذبت العلماء وطلاب العلم من البلاد الإسلامية شرقا وغربا ( ابن خلدون: المقدمة، فصل في أن العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة.)
الوقف على المكتبات:
من أهم المظاهر التي يتجلى فيها البعد العلمي للوقف إنشاء المكتبات ورعايتها وتزويدها بالكتب. وفتح أبوابها في وجه طلاب العلم، الأمر الذي يعكس حب المسلمين للعلم، وحرصهم على نشره بين الناس، وتقديرهم البالغ لأهله وطلابه. وبفضل هذا الحب، الذي غرسه الإسلام في أهله، أقبل الناس على وقف الكتب وإنشاء المكتبات العامة والخاصة،الذي يعد من مفاخر الحضارة الإسلامية ومآثرها التي فاقت بها سائر الحضارات.
ويذكر لنا ابن جبير في رحلته إلى مصر ما يدل على مبلغ إعجابه بمكتباتها فيقول: ” ومن مناقب هذا البلد (أي مصر)، ومفاخره، أن الأماكن في هذه المكتبات قد خصصت لأ
هل العلم فيهم، فهم يفدون من أقطار نائية فيلقى كل واحد منهم مأوى يأوي إليه ومالاً يصلح به أحواله. وبلغ من عناية السلطان بهؤلاء الذين يفدون للاستفادة العلمية، أن أمر بتعيين حمامات يستحمون فيها، وخصص لهم مستشفى لعلاج من يمرض منهم، وخصص لهم أطباء يزورونهم وهم في مجالسهم العلمية، وخصص لهم الخدم لقضاء حاجاتهم.( رحلة ابن جبير، ص272 )
وحوت المكتبة التي أوقفها ابن مليس الوزير الفاطمي على غرف عديدة للمطالعة، وقاعات خاصة للمحاضرات والمناظرات، وقاعة خاصة لتوجيه الباحثين والناشئين. وأعطيت من ريع وقفها مرتبات لطلبة العلم والعلماء والقائمين عليها.
ومن المكتبات الوقفية المشهورة في تاريخ المسلمين، المكتبة التي بناها ووقفها بنو عََمَّار في طرابلس الشام، كانت آية في السعة والضخامة، ويقال إنها اشتملت على مليون كتاب. وانتشرت مكتبات الوقف في الأندلس والمغرب على مَرِّ التاريخ.
وبفضل وقف الكتب والمكتبات انتشرت الثقافة في العالم الإسلامي وشملت جميع طبقات الناس، فقد كان نظام المكتبات يشجع الناس على الإقبال عليها لما يجدونه من العناية والنفقة السخية والإقامة المريحة، فينكبون على القراءة والنسخ والمطالعة، لايزعجهم هَمٌّ، ولايشغلهم خوف، كل هذا بفضل الخير العميم الذي فاض على المجتمع الإسلامي من مؤسسة الوقف العامرة.( انظر: الوقف على المكتبات http://www.isesco.org.ma/arabe/publications/Wakf/page24.php)
ولقد اتخذت هذه المكتبات أسماء متعددة، مثل: خزانة الكتب، وبيت الكتب، ودار الكتب، ودار العلم، وبيت الحكمة، ولم يقتصر أمر إنشاء المكتبات ووقفها في سبيل الله على الخلفاء والأمراء والوزراء، بل تعداهم إلى العلماء والموسرين.نجد مثلا علي بن يحيى بن المنجم ينشئ مكتبة ويجعلها وقفا في سبيل الله، ويخصص لها وقفا ينفق منه على من يفد عليها، ونصت في وثيقة وقفها على أن من يفد إليها يحق له الإقامة وأخذ نفقته من الوقف المرصود لها.واقترح علي بن يحيى بن المنجم ،على ابن خاقان وزير المتوكل العباسي، أن يقف قسما من ثروته لإنشاء مكتبة في سامراء يوقفها على طلبة العلم، فعمل بنصيحته، وجلب لها الكثير من الكتب التي نسخت من مكتبات بغداد.( الأوقاف وازدهار الحركة العلمية في الحضارة الإسلامية(احمد ابو زيد) https://www.islamstory.com/ar/artical/2392 )
الرعاية الصحية والخدمة الاجتماعية:
من المؤسسات التي رعتها الاوقاف: المستشفيات الكبيرة. والمراكز الصحية الصغيرة، و المستوصفات المتنقلة. ومستشفيات السجون. والصيدليات ومخازن الأدوية.و المدارس الطبية التعليمية.
أ-المستشفيات:وكان أول مستشفى كبير في تاريخ الحضارة الإسلامية هو “البيمارستان”، الذي أمر ببنائه هارون الرشيد ببغداد، ومن المستشفيات التي أقيمت أيضاً ببغداد مستشفى السيدة أم الخليفة المقتدر بالله، ويسمى مستشفى “السيدة” ، كما أقام المقتدر مستشفى آخر ببغداد، وسمي المستشفى “المقتدري”، وتعددت المستشفيات الكبيرة وانتشرت حتى كان ببغداد وحدها في مطلع القرن الرابع خمسة مستشفيات.
وبلغ من عناية المسلمين بالرعاية الصحية وتطوير خدماتها، أن خصصت أوقاف لبناء أحياء طبية متكاملة. فقد حدث ابن جبير في رحلته أنه وجد ببغداد حياً كاملاًً من أحيائها يشبه المدينة الصغيرة، كان يسمى بسوق المارستان، يتوسطه قصر فخم جميل وتحيط به الغياض والرياض والمقاصير والبيوت المتعددة، وكلها أوقاف وقفت على المرضى، وكان يؤمه الأطباء والصيادلة وطلبة الطب، إذ كانت النفقات جارية عليهم من الأموال الوقفية المنتشرة ببغداد. ولم يفته أن يتطرق إلى المارستان أو المستشفى الشهير ببغداد، “وهو على دجلة، وتتفقده الأطباء كل يوم اثنين وخميس، ويطالعون أحوال المرضى به، ويرتبون لهم أخذ ما يحتاجون إليه، وبين أيديهم قوَمة يتناولون طبخ الأدوية والأغذية، وهو قصر كبير فيه المقاصير والبيوت وجميع مرافق المساكن الملوكية، والماء يدخل إليه من دجلة”.
وتحدثت كتب التاريخ عن المستشفيات التي أنشئت في مصر بفضل أموال الوقف، فذكروا منها مستشفى أنشأه الفتح بن خافان، وزير المتوكل على الله العباسي. ومستشفى آخر أسسه أمير مصر أحمد بن طولون، سمي باسمه، وحبس له من الأوقاف مايلزم للإنفاق عليه، وبنى فيه الحمامات للرجال والنساء. وكان من أشهر المستشفيات في العصر الأيوبي والمملوكي تلك التي أنشأها صلاح الدين الأيوبي. وتحدث المؤرخون والرحالة عن المستشفى الذي أنشأه الملك قلاوون بمصر، وجعله وقفاً لعلاج مرضى المسلمين، قال عنه ابن بطوطة: ” إنه يعجز الوصف عن محاسنه، وقد أعد فيه من الأدوية والمرافق الخدمية ما لايحصى،(نظام الوقف الاسلاميhttp://ar.wikipedia.org/wiki)
وكثرت المستشفيات والمنشآت الصحية بمدن الأندلس، فكان بمدينة قرطبة خمسون مستشفى، وقفاً وأنفق عليها الخلفاء والأمراء والموسرون،ونهضت الأوقاف بالرعاية الصحية في المغرب الأقصى كذلك، وأقيمت مستشفيات كبيرة في أهم المدن،ومن أهمها مستشفى سيدي فرج بفاس، أسسه السلطان يوسف بن يعقوب المريني، ووقف عليه عقارات كثيرة برسم النفقة عليه والعناية بالمرضى. ومن طريف ما ذكره المؤرخون أن جزءاً من أوقافه كان مخصصاً لعلاج طير اللقلاق، وجزءاً للموسيقيين الذين يزورونه مرة كل أسبوع للترفيه عن المرضى.
ب-:كما انشيئت المراكز الصحية وهي مراكز طبية تعنى بتقديم الخدمات الصحية لأهل حي واحد، وكانت تقام بجوار المساجد، أو قرب الجامع الكبير.
ج-: والمستوصفات المتنقلة،وهي نوعان: الأول: عبارة عن فرق طبية متنقلة ترسل إلى الأماكن النائية في القرى والأرياف لتفقد الأحوال الصحية للسكان وعلاج المرضى، ويكثر هذا النوع في أوقات انتشار الأوبئة. الثاني: عبارة عن مستشفيات عسكرية تنتقل مع الجيش الإسلامي وقت الحروب.
د-:ومستشفيات السجون وهي مستوصفات ملحقة بإدارة السجون لتقديم الخدمات الصحية للمساجين والعناية بهم.
هـ-: المستشفيات المتخصصة: إلى جانب الأنواع المتقدمة، أنشأ المسلمون مستشفيات خاصة ببعض الأمراض، منها: مستشفى الجذام، الذي كان يُجْمَعُ فيه المجذومون ويعزلون عن المجتمع، كي لاينتشر داؤهم إلى الغير،ومستشفيات المجانين وقد خُصِّصَتْ لعلاج هذا الصنف من المرضى.
وتجدر الاشارة إلى أن الخدمات الصحية التي تقدمها هذه المراكز الطبية، من علاج وعمليات وأدوية وطعام، كانت تقدم مجاناً بفضل الأوقاف التي كان المسلمون يرصدونها لهذه الأغراض الإنسانية، لذا كانت الرعاية الصحية في سائر البلاد الإسلامية إلى وقت قريب من أعمال البر والخير، ولم تكن هناك وزارات للصحة العمومية كما في العصر الحاضر.
وكان للأوقاف أثر حميد في النهوض بعلوم الطب، لأن دور المستشفيات التي ينفق عليها من الأوقاف لم يقتصر على تقديم العلاج، وإنما تعدى ذلك إلى تدريس علم الطب، فكانت تخصص قاعات داخل المستشفيات الكبيرة للدروس والمحاضرات. ( البعد الصحي والاجتماعي للوقف: www.isesco.org.ma/arabe/publications/Wakf/page25.php‏)
الرعاية الاجتماعية : قامت الأوقاف بدور كبير في مجال التضامن الاجتماعي ، ووجدت فيئات الفقراء والمساكين والأيتام والأرامل والغرباء والمنقطعون والضعفاء وذوو العاهات، وأصحاب الحاجات، والأطفال المحرومون… الرعاية التامة في ظل المجتمع الإسلامي، بفضل المؤسسات الخيرية وأعمال البِرِّ الدائمة التي تدرها الأوقاف.
ونشأت في المجتمع الإسلامي بفضل الوقف،كثير من وجوه البر وأبواب الإحسان والرعاية ، فهناك أوقاف للّلقطاء واليتامى لإيوائهم ورعايتهم وختانهم، وكانت هناك أوقاف مخصصة لرعاية المقعدين والعميان والشيوخ والعجزة، وأوقاف لإمدادهم بمن يقودهم ويخدمهم،وأوقاف لتزويج الشباب والفتيات ممن تضيق أيديهم وأيدي أوليائهم عن نفقاتهم، وفي بعض المدن دور خاصة حبست على الفقراء لإقامة أعراسهم.
كما وجدت أوقاف خاصة لتخليص السجناء ووفاء ديونهم، وفكاك أسرى المسلمين، كما وجدت أوقاف خيرية تنفق على أسر السجناء وأولادهم، حيث يقدم لهم الغذاء والكساء وما يحتاجونه من أمور أخرى. وعلاوة على الصرف على المساجين وعوائلهم من أموال الوقف.
ومن أشهر الأوقاف لرعاية الأيتام ما نقل في مآثر صلاح الدين الأيوبي أنه أمر بعمارة مكاتب ألزمها معلمين لكتاب الله عز وجل يعلمون أبناء الفقراء والأيتام خاصة، ويجري عليهم ما يلبي حاجات مأكلهم وكسوتهم وأدوات دراستهم .ومن صورة رعاية الأيتام مكتب السبيل الذي أنشأه السلطان الظاهر بيبرس بجوار مدرسته وقرر لمن فيه من أيتام المسلمين الخبز في كل يوم، بالإضافة إلى الكسوة في الشتاء والصيف. كذلك أنشأ سيف الدين قلاوون أحد سلاطين المماليك البحرية (684هـ /1285 – 741 ـ1341. م)،مكتباً لتعليم الأيتام، ورتب لكل طفل كسوة في الشتاء وأخرى في الصيف. ولقد استرعت ظاهرة كثرة المدارس التي تعنى بالأيتام الرحالة ابن جبير، وعدها من أغرب ما يحدث به من مفاخر البلاد الشرقية من العالم الإسلامي. (الأوقاف وأثرها في دعم الأعمال الخيرية في المجتمع (عبد الله بن ناصر السدحان) http://www.saaid.net/Anshatah/dole/3.htm)
وكانت هناك أوقاف لإنشاء دور للضيافة والاستراحة (الخانات)، وأوقاف لقضاء الديون عن المعسرين، وأوقاف للقرض الحسن، وأوقاف لتوفير البذور الزراعية، ولشق الأنهار وحفر الآبار.
ومن أهم المنشآت الاجتماعية التي نشأت في المجتمعات الإسلامية، بفضل الاهتمام بالوقف، أسبلة المياه الصالحة للشرب(السقايات)، وكان من تقاليد الوقف أن تلحق الأسبلة بالمساجد، وغالباً ما تكون وسط المدينة أو على طرق القوافل، لتكون في متناول الجميع. وشاع الوقف لهذا الوجه من البِرِّ في سائر أنحاء العالم الإسلامي، لعظيم فضلها وثوابها. وهناك أوقاف مشهورة في التاريخ لتزويد مكة المكرمة بالماء الطاهر الطيب، أشهرها وقف السيدة زبيدة زوج هارون الرشيد، ومازال يعرف بعين زبيدة.
اوقاف النساء ،ومن أجل النساء:كان للمرأة المسلمة دور في بناء المجتمع ،ومشاركة في تأسيس مؤسسة الأوقاف وإدارتها، مما يعكس مكانتها الفاعلة في المجتمع الإسلامي. وكان لعدد من أمهات المؤمنين والصحابيات أوقاف (حبوسات) مشهورة، وهي من الشواهد المبكرة على دور المرأة في بناء مؤسسة الوقف في الإسلام. ومن أمهات المؤمنين عائشة بنت أبي بكر التي كانت من أكثر الصحابيات إنفاقًا وصدقة. وورد أنها حبست (وقفت) دارًا لها في المدينة، وجعلت ريعها في سبيل الله، وحفصة بنت عمر كان لها نصيب من الأراضي والعقار،وذكرت بعض المصادر أنها أوقفت جزءًا من أملاكها،وتُعد السيدة حفصة مثالًا مبكرًا، حيث تولّت إدارة وقف الخليفة عمر بن الخطاب. وأم سلمة،التي ورد أنها تصدقت ببعض أملاكها وجعلتها صدقة جارية، وهو ما يدخل في معنى الوقف،وزينب بنت جحش: كانت تلقب بـ “أم المساكين” لكثرة إنفاقها،وكانت تخصص دخلها للفقراء والمحتاجين، ويُفهم من بعض الروايات أنها حبست أموالًا لهذا الغرض،وأم حبيبة(رملة بنت أبي سفيان)،و قيل إنها جعلت بعض أملاكها صدقة موقوفة.
ومن الصحابيات البارزات اللائي كان لهن أوقاف: أسماء بنت أبي بكر،وكانت معروفة بالكرم والإنفاق،وورد أنها أوقفت دارًا لها وجعلت ريعها للفقراء ،و فاطمة بنت رسول الله:ورد في بعض الروايات أنها تصدقت بأراضٍ أو جعلتها في سبيل الله ،والشفاء بنت عبد الله،من النساء المتعلمات في صدر الإسلام ،ويُذكر أنها شاركت في أعمال خيرية، ويقال أنه كان لها صدقات جارية ذات طابع وقفي. وتبعتهن نساء عبر مختلف العصور، مما أسهم في دعم مجالات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية ،فهناك بعض النساء اللائي كانت لهن اوقاف،ومنهن : فاطمة الفهريةـ، التي أسست جامع وجامعة القرويين في فاس سنة 859م، وزبيدة بنت جعفر،التي تعد من أشهر النساء الواقفات في العصر العباسي،فأنشأت “عين زبيدة” لخدمة الحجاج في طريق مكة، ،و شجرة الدر( 1228-1257م)،التي تولت حكم مصر بنهاية الدولة الايوبية، وهُرَّة بنت أحمد الصليحية:من أبرز نساء اليمن في القرن الخامس الهجري، وخاصكي سلطان التي أنشأت مجمعًاً وقفيًا كبيرًا في القدس،و يعد من أعظم الأوقاف العثمانية في فلسطين. ونور بانو سلطان،التي أنشأت مجمعات وقفية في إسطنبول.
والأوقاف عموماً، لم تقتصر على المساجد والمدارس، بل شملت-كما راينا- مرافق اجتماعية ومن بينها مرافق خاصة لخدمة النساء في أوضاع هشّة مثل المطلقات والأرامل ومن لا مأوى لهن.ومن بين تلك المرافق:
1) الرُّبُط (بيوت إيواء النساء):. وهي مؤسسات وقفية مخصصة للنساء،و ظهرت بقوة منذ العصر الفاطمي ثم الأيوبي والمملوكي. وكانت أشبه بدور إيواء ورعاية اجتماعية و روحية ،وتقوم بتوفير السكن المجاني وتقديم الطعام والنفقة أحيانًا ،وتعليم ديني أو مهني ،وإعادة دمج النساء في المجتمع وتذكر بعض المصادر إلى أن هذه الأربطة “كانت تؤوي الأرامل والمطلقات والنساء المهجورات” والعجائز من النساء.
2) الخوانق والزوايا النسائية: وهي مؤسسات صوفية لكنها كانت تؤدي وظيفة اجتماعية مهمة، وتقوم بإيواء النساء المنقطعات أو الفقيرات، اللاتي بلا عائل أو مال، فتقدم للنساء الطعام والرعاية،و كانت أحيانًا بديلًا عن الأسرة وملجأ للنساء.
3) التكايا (المطابخ الوقفية):لتكايا بتوزيع الطعام المجاني خدمة الفقراء عمومًا ومنهم النساء أهميتها للنساء،كانت شبكة أمان يومية خاصة للمطلقات أو العاملات الفقيرات.
4) دور الضيافة الوقفية (بيوت السبيل والإيواء المؤقت):كانت تستقبل: المسافرات النساء بلا مأوى مؤقت،و توفر لهن المبيت والطعام، وأحيانًا الحماية القانونية.
5) أوقاف خاصة بالزواج والإعانة :وهذا نوع مهم لكنه أقل شهرة ،ومن وظائفه:مساعدة النساء الفقيرات على الزواج وتوفير المهر أو الجهازل لهن ،ودعم المطلقات للزواج مرة أخرى.
6) وكانت هناك أوقاف لإمداد الأمهات المرضعات بالحليب والسكر، ويذكر المؤرخون بإعجاب شديد أن من محاسن صلاح الدين الأيوبي أنه جعل في أحد أبواب القلعة بدمشق ميزاباً يسيل منه الحليب، وميزابا يسيل منه الماء المحلى بالسكر، تأتي إليهما الأمهات في كل أسبوع ليأخذن لأطفالهن ما يحتاجون إليه من الحليب والسكر.
7)-كما كانت توجد العديد من الأوقاف لرعاية النساء اللاتي طلقن أو هجرهن أزواجهن حتى يتزوجن أو يرجعن إلى أزواجهن صيانة لهم وللمجتمع ويكون ذلك بإبداعهن الرباط، حيث ينقطعن عن الناس، وفيها من شدة الضبط وغاية الاحتراز، وتؤدب من خرجت عن الطريق بما تراه، وتجرى عليهن من الأوقاف. فتنقطع حاجتهن التي قد تلجئهن إلى سلوك دروب الانحراف بسبب الحاجة. وقد كان بمدينة مَرَّاكش بالمغرب، مؤسسة وقفية تُسمى “دار الدُّقة”( الدقة: التوابل المخلوطة بالملح، والمقصود هنا: الدار التي تَدُقُّ على يد الزوج الظالم المسيء في معاملته إلى زوجه، حتى توقفه عند حدِّه).، وهي ملجأ تذهب إليه النساء اللاتي يقع بينهن وبين أزواجهن نفور وبغضاء، فلهن أن يقمن آكلات شاربات إلى أن يزول ما بينهن وبين أزواجهن من نفور(شوقي أبو خليل: الحضارة العربية الإسلامية ص:336- 337).
رعاية الغرباء والعجزة:
لقد أدت الأوقاف دوراً مهماً في تحقيق الرعاية الاجتماعية الشاملة للغرباء والعجزة بشكل عام، فما من مدرسة ينشئها الواقفون إلا ويوضع بجوارها بيت خاص للطلاب المغتربين ويجري عليهم فيها ما يحتاجونه من غذاء. لذا لا عجب أن نجد تلك الحركة البشرية المتواصلة بين المدن والقرى في العالم الإسلامي، طلباً للعلم في المدارس الوقفية، فلا يوجد ما يعوق طلب العلم فالطرق قد أمنت بالأسكنة الوقفية، والمدارس قد تم تجهيزها بالغرف الخاصة بالغرباء، وقد تزايدت تلك الظاهرة بشكل ملفت للنظر، وقد أبدى ابن جبير إعجابه الشديد لما لمسه في بلاد المشرق الإسلامي من عناية بالغرباء، فقال: (إن الوافد من الأقطار النائية يجد مسكناً يأوي إليه ومدرساً يعلمه الفن الذي يريد تعلمه، واتسع عناية السلطان بالغرباء حتى أمر بتعيين حمامات يستحمون فيها ونصب لهم مارستاناً لعلاج من مرض منهم، ولقد عين لهم السطان خبزتين لكل إنسان في كل يوم وزكاة العيد لهم) وحسبك من هذا أن صلاح الدين قد خصص للغرباء من المغاربة جامع ابن طولون في مصر يسكنونه وأجرى عليهم الأرزاق في كل شهر. ( رحلة ابن جبير( ابن جبير )، دار صادر، بيروت، بدون تاريخ )
ومن أرقِّ ما وُجِدَ في الإسلام وألطفه ما تحدث عنه ابن بطوطة في رحلته بإعجاب وانبهار، فقال عن أوقاف دمشق: “والأوقاف بدمشق لا تحصر أنواعها ومصارفها؛ لكثرتها، فمنها أوقاف على العاجزين عن الحج، يُعطى لمن يحج عن الرجل منهم كفايته، ومنها أوقاف على تجهيز البنات إلى أزواجهن، وهن اللواتي لا قدرة لأهلهن على تجهيزهن، ومنها أوقاف لفكاك الأسارى، ومنها أوقاف لأبناء السبيل، يعطون منها ما يأكلون ويلبسون ويتزودون لبلادهم، ومنها أوقاف على تعديل الطرق ورصفها؛ لأن أزقة دمشق لكل واحد منها رصيفان في جنبيه يمر عليهما المترجلون، ويمر الركبان بين ذلك، ومنها أوقاف لسوى ذلك من أفعال الخير
ومن أعجب ما ذكره ابن بطوطة “أوقاف الأواني”، إذ قال عن تجربة شخصية له: “مررت يومًا ببعض أزقة دمشق فرأيت به مملوكًا صغيرًا قد سقطت من يده صحفة من الفخار الصيني، وهم يسمونها الصَّحن، فتكسرت واجتمع عليه الناس فقال له بعضهم: اجمع شقفها، واحملها معك لصاحب أوقاف الأواني. فجمعها، وذهب الرجل معه إليه، فأراه إياها، فدفع له ما اشترى به مثل ذلك الصحن، وهذا من أحسن الأعمال؛ فإن سيد الغلام لا بُدَّ له أن يضربه على كسر الصحن، أو ينهره، وهو -أيضًا- ينكسر قلبه، ويتغير لأجل ذلك فكان هذا الوقف جبرًا للقلوب، جزى الله خيرًا من تسامت همته في الخير إلى مثل هذا”!(” تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار( ابن بطوطة،) ، دار إحياء العلوم، 1417 هـ. ص:99)
وفي أكثر من بلد إسلامي كان هناك وقف لإعارة الحلي والزينة في الأعراس والأفراح، فيستفيد من هذا الوقف الفقراء والعامة بما يلزمهم من الحلي لأجل التزيُّن به في الحفلات، ويُعيدونه إلى مكانه بعد انتهائها، فيتيسَّرُ للفقير أن يبرز يوم عرسه بحلَّة لائقة، ولعروسه أن تُحلَّى بحلية رائعة مما يُجبر خاطرهما. (شكيب أرسلان: حاضر العالم الإسلامي 3/8.)
وفي تونس وقف لختان أولاد الفقراء، يختن الولد، ويُعطى كسوة ودراهم، وهناك وقف تُوَزَّع منه الحلواء في شهر رمضان مجانًا، ويأتي إلى تونس في بعض أيام السنة نوع من السمك، تفيض به شواطئها، ومن ثم كان هناك وقف يُشترى من ريعه جانب كبير من هذا السمك، ويوزّع على الفقراء مجانًا، وكان فيها وقف لمن وقع عليه زيت مصباح، أو تلوث ثوبه بشيء آخر، يذهب إلى هذا الوقف، ويأخذ منه ما يشتري به ثوبًا آخر (شوقي أبو خليل: الحضارة العربية الإسلامية ص336، 337.)
إن كل هذه الأوقاف والمؤسسات الخيرية الاجتماعية الناشئة عنها، تدل على الدور الحيوي الكبير الذي قام به الوقف في مجالات الرعاية الاجتماعية وتوفير الأمن الغذائي وعلاج مشاكل الفقر، وتوفير الماء الصالح للشرب، وإطعام الفقراء والمساكين، وأداء الدين عن الغارمين وإنشاء صناديق القرض الحسن…إلى ما لايعد ولايحصى من وجوه البِرِّ والعمل الاجتماعي النافع الذي ينسج روابط المحبة وعلاقات التضامن والتكافل بين أفراد المجتمع وطبقاته.
وهكذا نرى ان الوقف الإسلامي يُعد أحد أعمدة الحضارة الإسلامية، إذ جمع بين البعد الروحي (الصدقة) والبعد التنموي (بناء المجتمع). وقد أثبت تاريخيًا قدرته على تحقيق العدالة الاجتماعية والاستقلال الاقتصادي، مما يجعله نموذجًا قابلًا للإحياء في العصر الحديث إذا أُحسن تنظيمه وإدارته.ومواجهة التحديات التي تواجه الوقف، كتدخل السلطة السياسية أحيانًا ،وسوء الإدارة والفساد،وجمود بعض الصيغ الفقهية ،وإلغاء أو تقييد الأوقاف في العصر الحديث في بعض الدول،ولمواجهة هذه التحديات لابد من إعادة تفعيل الوقف عبر:تطوير إدارته بأساليب حديثة، وربطه بالتنمية المستدامة، وإنشاء أوقاف تعليمية وصحية معاصرة ،إدخال أدوات استثمار حديثة (ضمن الضوابط الشرعية) .
تراجع مؤسسة الوقف في العالم الإسلامي: تضافرت عدة عوامل ادت الى تراجع مد الحضارة الاسلامية،وتبع ذلك تراجع مؤسسة الوقف،وقد تضافرت عدة عوامل لاحداث هذا التراجع بعضها داخلي وبعضها عوامل خارجية ، منها: الاستعمار، وسوء الإدارة،و ضعف التشريعات .ويمكن تفصيل أثر تلك العوامل على النحو التالي:
أولًا: أثر الاستعمار،قد شكّل الاستعمار نقطة تحول حاسمة في مسار الوقف،فقد عملت القوى الاستعمارية (مثل فرنسا وبريطانيا) ،على تفكيك البنية المؤسسية،فقد قامت بإلغاء أو تهميش النظم الوقفية، واستبدلتها بأنظمة قانونية وإدارية حديثة مما ادى الى تقلّص دور الوقف.،فقدقامت فرنسا مثلاً بمصادرة الأوقاف في بلدان عديدة وقعت تحت سلطتها مثل الجزائر،حيث تمت مصادرة مساحات شاسعة من الأراضي الوقفية وتحويلها إلى ملكية الدولة أو المستوطنين. كما قامت السلطات الاستعمارية بعلمنة الوظائف فنقلت التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية من القطاع الوقفي إلى سلطة الدولة، مما أفقد الوقف وظيفته الحيوية. وقامت بفرض قوانين وضعية لا تعترف بخصوصية الوقف، مما أدى إلى تقليص دوره أو إدماجه قسرًا ضمن ملكية الدولة.
ثانيًا: أثر سوء الإدارة: وبعد زوال الاستعمار، بقيت مشكلات الإدارة الوقفية عائقًا كبيرًا لتطور مؤسسة الوقف ،فادى غياب الحوكمة والشفافية، وضعف الرقابة إلى الفساد أو سوء استخدام موارد الوقف، كما ادى الاعتماد على أساليب تقليدية في إدارة الأوقاف دون تطوير أو استثمار ادى الى جمود ادارة الوقف. كما ادى تقسيم الوقف عبر الأجيال الى تجزئة الأوقاف، مما نتج عنه ضعف العائد الاقتصادي من الاوقاف، وبالمثل فعل تعيين غير الاكفاء في كثير من الأحيان، وتعيين نُظّار (مديرين) بناءً على الولاء لا الكفاءة.
ثالثًا: أثر ضعف التشريعات: قد كان لضعف الإطار القانوني ، وغياب قوانين حديثة محفّزة دور محوري في تراجع مؤسسة الوقف،فكثير من الدول لم تطور تشريعات تسمح بتنمية الوقف واستثماره بمرونة. كما ان بعض القوانين قيدت الاستثمار،وعاقت استثمار الأصول الوقفية بطرق حديثة، مما أدى إلى تجميدها اقتصاديًا،فضلاعن تضارب القوانين،ووجود تعارض بين القوانين الشرعية والقوانين المدنية الحديثةواخيرا فإن إدخال الأوقاف ضمن سيطرة الدولة نزع الاستقلالية عن الوقف،وأضعف روح المبادرة المجتمعية.
وهكذا، فإن تراجع الوقف ليس مجرد تدهور إداري، بل هو نتيجة تحول تاريخي في العلاقة بين المجتمع والدولة؛ حيث انتقلت وظائف الرعاية من المجتمع (عبر الوقف) إلى الدولة المركزية، دون أن تنجح الأخيرة دائمًا في تعويض هذا الدور بالكفاءة نفسها.
نماذج معاصرة ناجحة للوقف الاسلامي : رغم التدهور الذي اصاب مؤسسة الوقف مما ادى الى تدهورهاـ ،فقد بدأ الاهتمام في العصور المتاخرة بالوقف ،وظهرت نماذج معاصرة ناجحة ومؤثرة لإحياء نظام الوقف في عدد من الدول الإسلامية، واظهرت تلك التجارب كيف يمكن تحويل الوقف من نظام تقليدي إلى أداة تنموية حديثة. وفيما يلي نشير الى ابرز تلك النماذج وعوامل نجاحها:
أولًا: نماذج مؤسسية حكومية ناجحة:.
1- التجربة الكويتية ،الأمانة العامة للأوقاف: قد تأسست الأمانة العامة للأوقاف الكويتية،عام 1993 م،كنموذج مؤسسي حديث لإدارة الوقف ويعتمد على:التخطيط الاستراتيجي للأوقاف،وإنشاء صناديق وقفية متخصصة (تعليم، صحة، قرآن، أسرة…)،ومن أبرز إنجازات التجربة :تمويل مشاريع تعليمية واجتماعية مستدامة،وتطوير مفهوم “الوقف التنموي” بدل الوقف التقليدي ،وقد تمت تلك الانجازات،بسبب تحول الأمانة العامة للأوقاف من إدارة تقليدية إلى مؤسسة احترافية ذات شفافية وحوكمة واضحة.
2- التجربة المغربية (إصلاح تشريعي واستثماري)،فقد صدرت مدونة الأوقاف المغربية عام 2014 م ،وكانت بداية لتحديث النظام القانوني وإدخال آليات استثمار حديثة،ورقابة مالية قوية،وتدبير استراتيجي للأصول الوقفية،وهكذا ادى الجمع بين الأصالة الشرعية والتحديث القانوني والمالي،الى نجاح التجربة المغربية، مما احيا المؤسسة الوقفية ،وأعاد للوقف دوره التنموي.
3-. التجربة التركية: شهدت الدولة العثمانية ازدهارًا كبيرًا في نظام الوقف، ولم يكن الوقف مجرد نشاط خيري، و لم تكن المجمعات الوقفية العثمانية التي اسسها بعض سلاطين الدولة العثمانية، مجرد منشآت دينية ، بل كانت “دولة اجتماعية موازية” تقوم بوظائف:الرعاية الاجتماعية ،وتدير جوانب واسعة من الحياة: كالتعليم العام والصحة العامة ، والإغاثة، والعمران، وحتى الاقتصاد. ويمكن القول إن الدولة العثمانية اعتمدت على الوقف كأداة لتخفيف العبء عن الخزينة، وتحقيق الاستقرار الاجتماعي. وكانت “المجمعات الوقفية”، تمثل نموذجًا متقدمًا لهذه المنظومة.
اما الأوقاف في تركيا اليوم، فهناك عدة مؤسسات وقفية يشرف بعضها على الأوقاف في تركيا العثمانية، وتدير آلاف العقارات الوقفية (مساجد، مدارس، مستشفيات، أسواق). وتعمل على إحياء الأوقاف التاريخية وصيانتها. وهناك هيئات وقفية مؤسسة ومنظمة قانونيًا، وتعقد شراكة واضحة بين الدولة والقطاع الخاص في إدارة الوقف.فكثير من الأوقاف الحديثة التركية تحولت إلى أدوات تنمية مستدامة، تقدم المنح الدراسية داخل تركيا وخارجها ، وتقوم بمشاريع إغاثية عالمية في آسيا وأفريقيا ،وتقدم مساعدات في مناطق النزاعات والكوارث.وتنشط في قضايا مثل قضية فلسطين ،وقضايا عديدة في كثير من الدول العربية والاسلامية،وتدير مشاريع تنموية :آبار، ومدارس، ومستشفيات ،كما تدير مؤسسات تعليمية ومراكز إسلامية دولية ، وتُعد تركيا الحديثة نموذجًا ناجحًا في إعادة إحياء الوقف، مقارنة بكثير من الدول الإسلامية، وإعادة تفعيل الأوقاف عبر الدولة الحديثة.فقد اصبح للوقف ادارة مركزية قوية (مديرية الأوقاف)،واستثمار عقاري وتجاري للأصول الوقفية،ودمج الوقف في الاقتصاد الوطني الحديث بدل عزله كمجال خيري فقط.
ثانيًا: نماذج وقفية تعليمية وتنموية مبتكرة:
4-. صندوق الوقف في الجامعة الإسلامية العالمية – ماليزيا،وقد تأسس هذا الصندوق عام: 1999م،ويعتمد على:تمويل التعليم الجامعي عبر الوقف،وإشراك المجتمع في دعم الطلاب، وربط الوقف مباشرة بـرأس المال البشري (التعليم).
5-. الهيئة العالمية للوقف (البنك الإسلامي للتنمية)،وهي مبادرة دولية لتطوير العمل الوقفي،و تهدف الهيئة إلى:تمويل مشاريع تنموية في الدول الإسلامية،وتوحيد الجهود الوقفية عالميًا،مما ادى الى نقل الوقف من الإطار المحلي إلى الإطار العالمي المؤسسي.
ثالثًا: نماذج وقفية خيرية مرنة (الخليج خصوصًا):
6-. المؤسسات الوقفية في الإمارات:مثل:هيئة الأعمال الخيرية،ومؤسسة حميد بن راشد النعيمي، وتعتمد هذه المؤسسات على:مشاريع إنسانية وتنموية،واستثمار الأوقاف لدعم العمل الخيري المستدام .ومما كان سببا في نجاحها ،المرونة وسرعة التنفيذ مع ربط الوقف بالعمل الإنساني المعاصر.
رابعًا: نماذج وقفية فكرية وتنموية حديثة:
7-. نموذج “الوقف التنموي،وقد ظهر هذا النموذج في عدة دول (الأردن، الجزائر وغيرها)،وامكن عن طريقه تحويل الوقف إلى:أداة تمويل مشاريع اقتصادية،واصبح الوقف شريكاً في التنمية وليس مجرد صدقة،ويخفف العبء عن الدولة ويشرك المجتمع في نشاطه، وبذلك اعيد تعريف الوقف كـمؤسسة اقتصادية اجتماعية مستدامة.
و إذا تأملنا هذه النماذج، سنجد أن نجاحها لم يكن عشوائيًا، بل قام على اربع عناصر مشتركة: التحديث القانوني،بوضع قوانين واضحة تحمي الوقف وتسمح بتطويره ،والاحتراف الإداري:إدارة مؤسسية بدل الفردية التقليدية،و الاستثمار الاقتصادي:وتحويل الأوقاف إلى أصول منتجة (عقار، مشاريع، صناديق) ،و ربط الوقف بالتنمية:التعليم، الصحة، مكافحة الفقر، وليس فقط المساجد.وهكذا فإن النموذج المعاصر الناجح للوقف لم يعد:حبس أصل وتوزيع ريعه فقط”،بل أصبح:مؤسسة تنموية استثمارية ذات أثر اجتماعي مستدام.
خاتمة البحث : رغم التطور في مؤسسات الوقف في العالم العربي ،فعلى القائمين على الوقف الإسلامي أن يستفيدوا كثيرًا من التجارب الغربية، استفادة انتقائية واعية تميز بين ما هو إداري وتقني قابل للنقل، وما هو قيمي أو فلسفي يحتاج إلى مواءمة مع المرجعية الإسلامية، فلا بد من التاكيد على الشفافية والحوكمة ،وتكوين مجالس إدارة مستقلة،واصدار تقارير مالية سنوية منشورة للعموم,وانشاء جهاز رقابة قانونية صارمة. فكثير من أزمات الوقف في العالم الإسلامي ناتجة عن ضعف الشفافية، لا عن نقص الموارد،اضافة الى توظيف خبراء في الاستثمار، والقانون، والتخطيط، والفصل بين “النية الخيرية” و”الإدارة الاقتصادية”.. فالوقف ليس مجرد عبادة،بل مؤسسة اقتصادية تحتاج إلى كفاءة عالية،تعمل على تنويع الاستثمار،فاستثمار الأصول في الأسهم، والعقارات، والصناديق،واعتماد استراتيجيات طويلة الأجل ،فكثير من الأوقاف الإسلامية مجمدة في أصول غير منتجة (أراضٍ مهملة مثلًا).. اضافة الى تفعيل ثقافة التبرع المؤسسي،ونشر ثقافة “العطاء المستدام”.فمؤسسة الوقف تحتاج إلى إحياء ثقافي وليس فقط الى إصلاح إداري ،وفوق هذا كله ـلابد من حماية قانونية قوية للأصول،والاهتمام بالتشريعات ففي بعض الدول الإسلامية يلاحظ ان التشريعات تعيق الوقف بدل أن تحميه.
والله تعالى هو الهادي الى سواء السبيل.

أ.د. احمد محمد احمد الجلي
ahmedm.algali@gmail.com
الاحد:09/ ذو القِعدة/ 1447 هـ
الموافق:26/ابريل/2026م

عن أ.د. احمد محمد احمد الجلي

شاهد أيضاً

تأملات رمضانية

بسم الله الرحمن الرحيم. تأملات رمضانية. هذه الحلقة الثانية من سلسلة من التاملات خلال هذا …