mustafabatal@msn.com
سرّني أن حبيبنا الهندي عزالدين، صاحب (المجهر السياسي)، اصطف في صف الداعين الى النظر في دعوات تمكين الشباب من الحكم والسلطة نظرة موضوعية. لا رفضاً للمبدأ، ولكن ضماناً لعدم الانزلاق وراء شعار التغيير بدون تبصر. كتب الهندي: (التغيير الايجابي ليس بالضرورة أن يكون مرتبطاً بالسن، كأن يتم اختيار الوزراء بين سن الثلاثين والخمسين. هذا تعسف وتمظهر كذوب. ما المانع أن يكون الوزير عمره خمسة وخمسون عاماً ويكون، في ذات الوقت، وجهاً مشرقاً للتغيير)؟
إذن فقد وصلت (المزايدات) حول سن التوزير الى منطقة الخمسة وخمسين سنة. خير وبركة. ذلك أفضل من سن الخمسين الذي كان قد وقف عندها في آخر مرة تابعت فيها مزاد أعمار الوزراء في التعديلات الوزارية المرتقبة.
في حالتي الشخصية لا جديد. إذ أنه حتي بحسب المعيار الهندي فإن فرصتي الأخيرة لتولي المنصب الوزاري، الذي ظللت أحلم به طيلة حياتي، تكاد تذوي أمام عيني. اللهم الا اذا صدر قرار تعييني بصورة فورية عشية يومي هذا، ثم تضمن المعيار والضوابط المصاحبة انه إذا تم تعيين الوزير في سن الخامسة والخمسين، ثم ارتفع سنه بعد ذلك، بغير ارادته، فإنه لا يكون مسئولاً عن ذلك الارتفاع، بل يستمر في تقلد المنصب حتي ولو بلغ الستين. اللهم الا اذا تم استثناؤه وسمح له بتجاوز الستين، كما استثني حبيبنا الهندي الوزير الدكتور عوض احمد الجاز بسبب (ثراء أجندته وقدرته الخارقة على ادارة ملف النفط بجدارة عالية)، كما جاء في المقال. وكل ذلك ينطبق أيضاً، ولا فخر، على شخصي، إذ أنني بحمد الله مشهود لي ب(ثراء الأجندة) والجدارة و(القدرة الخارقة على ادارة الملفات). فلتجربني العصبة المنقذة، وكما يقول أهل المحروسة: ” الميّة تكذب الغطاس”!
ومع ذلك، فقد قررت من قبيل انكار الذات وتعبيراً عن روح الايثار، والتزاماً مني بمبدأ تمكين الشباب، واستمساكاً بأهداب النهج القرآني (ولا تزكوا انفسكم هو أعلم بمن اتقى)، أن أعلن على الكافة عدم رغبتي في تولي أى منصب وزاري في حكومات الانقاذ (لا يشمل ذلك اى حكومة قد يشكلها الامير عبد الرحمن الصادق المهدي او الأميرة مريم الصادق المهدي).
ولكن الأمانة تقتضي أن أصرح لك بمعلومة أخرى شديدة الاهمية كان لها دور محوري في اتخاذي لهذا القرار. لعلك تعلم – أعزك الله – من مطالعتك لسيرتي الذاتية، أنني عملت لعدة سنوات محاضراً بكلية الاقتصاد والعلوم الاجتماعية بجامعة ام درمان الاسلامية. حسناً. المعلومة التي وددت أن أنقلها اليك هي أنني اكتشفت فجأة، وعلى حين غرة، أن احدى طالباتي بتلك الجامعة قد اصبحت وزيرة. والطالب أوالطالبة يقومان عند الاستاذ بمقام الابن أوالابنة من الأب. فاذا كانت ابنتي قد صارت وزيرة، فما شأني أنا اذن بالوزارة؟
وقفت كثيراً عند مطالعتي احدي الصحف قبل أيام قليلة على خبر وصورة تحمل اسم الدكتورة أمل البيلي وزيرة التوجيه والتنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم. دق الاسم عندي جرساً، كما يقول الفرنجة. ثم اخذت اتفحص الصورة واحاول ان انتزع منها من الشبه والملامح بقدر ما استطعت، فتكونت عندي عقيدة جزئية طلبت لها كمالاً عند صديقي الاستاذ عبد الله الفكي البشير المقيم بدولة قطر. وكنت أظن عبد الله، من كثرة مصاحبته لفتية آل البيلي، واحداً من تلك الاسرة. نفى عبد الله ظني ولكنه تحرى وأتاني بقول قطع شكي بيقين أن الوزيرة هي نفسها طالبتي أمل بكري البيلي التي تخرجت من قسم العلوم السياسية بجامعة ام درمان الاسلامية في العام 1995، وانها ابنة اخ وزير التعليم السابق، العلامة البروفيسور عثمان سيد أحمد اسماعيل البيلي، تغشت قبره الشآبيب الرطاب.
تذكرت أمل، طالبتي في السنتين الثالثة والرابعة بقسم العلوم السياسية. تميزت بذكاء شديد، وقدرة فذة على العطاء الاكاديمي، والتزام عقيدي نادر بمقتضيات العمل الجاد. كان عميد الكلية آنذاك، الدكتور محمود حسن أحمد، والذي سبقني في تدريس احدي المواد التي آلت اليّ بعد ذلك، قد نبهني الى تلك الطالبة، وذكر لي أنه لا يساوره شك في أن سيكون لها شأن في الحياة العامة.
أذكر تماماً أنني منحتها الدرجة الكاملة في امتحان مادة التنظيم الدولي في السنة الرابعة. كنت قد تعجبت من دقة الاجابات وشمولها وكمالها في احدي الأوراق. واستقر في وجداني بأن تلك لا بد ان تكون ورقة أمل البيلي، فأحببت أن اراهن نفسي. لم ابال بالقواعد المتبعة في الجامعة والتي بموجبها تقوم الادارة بإخفاء اسم الممتحن او الممتحنة، وذلك عن طريق طي الجزء المشتمل على الاسم وتصميغه. فقمت بفض وتمزيق الجزء المغلف من الورقة حتي تكشف لي الاسم: أمل بكري البيلي. ولا اظن انني، او اى استاذ آخر، منح الدرجة الكاملة لأى طالب او طالبة، بخلاف أمل، في ذلك العام او في غيره!
الفلاح العلمي والنجاح الاكاديمي والمتانة الاخلاقية صفات عظيمة. ولكن العمل العام السياسي التنفيذي له متطلباته ومقتضياته. غير أنني أمضي قدماً – بغير كثير حذر – فأقول بأن الايام ستثبت أن الدكتورة أمل البيلي تمتلك من خصائص ومهارات القيادة ما يحملني على الاعتقاد بأن تجربتها في العمل العام ستكون مثالاً يحتذى لأجيال الشباب الطالعة.
نقلا عن صحيفة (الخرطوم)
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم