lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لـوال كوال لـوال
لكي تسيطر على شعبٍ ما، لا تحتاج في الحقيقة إلى جيوشٍ جرّارة أو جهاز بطشٍ ظاهر للعيان. فالتجارب السياسية الحديثة، كما القديمة، تثبت أن أكثر أدوات القمع فاعلية ليست تلك التي تُسمع هديرها في الشوارع، بل تلك التي تتسلل بهدوء إلى حياة الجماهير، فتشكّل أذهانهم وتعيد ترتيب علاقتهم بالواقع من غير أن يشعروا. وهنا يبدأ البناء الحقيقي للهيمنة؛ هيمنة لا تُرى ولكن آثارها تتجذّر في كل تفصيلة من تفاصيل الوعي. وفي هذا السياق، تظهر أربعة محاور أساسية يعتمد عليها كل نظام يسعى إلى إخضاع شعبه من دون أن يثير مقاومة مباشرة. المحور الأول هو الحاضر، وهو أكثر نقاط الوعي قابلية للضبط والتحكم. فحين تُحاصر حياة الناس بالقوانين، يتغيّر شكل اليوم العادي، ويتحوّل من مساحةٍ واسعة للحركة والاختيار إلى ممرات ضيقة لا يمكن السير فيها إلا بترخيص. القانون، في الأصل، وُضع لتنظيم حياة المجتمعات، لكنه يصبح سلاحاً حين يُستخدم لتجفيف فضاءات الحرية، وتحديد ما يُقال وما يُفعل وما يجوز وما لا يجوز. وفي اللحظة التي يتحول فيها الخوف من العقوبة إلى جزء من روتين الحياة اليومية، يصبح المجتمع قابلاً للهزيمة من الداخل، لأن المواطن ينشغل بتجنب الاصطدام أكثر من انشغاله بطرح الأسئلة أو المطالبة بالحقوق. ومع الوقت، يتشرّب الناس هذا الخضوع في سلوكهم وسكوتهم، ويصبح الالتزام بصمتٍ بطقوس السلطة عادةً لا يناقشها أحد. أما المحور الثاني فهو الوعي، أو بالأحرى الوعي الذي يُعاد تشكيله عبر إعلامٍ موجّه. فالخطاب الإعلامي المصنوع بعناية يستطيع أن يحوّل الخطأ إلى صواب، والظلم إلى ضرورة، والفشل إلى إنجاز. الإعلام لا يكتفي بنقل الأحداث؛ بل يُعيد إنتاجها وفق زاويةٍ محددة، ويصنع أبطالاً وأعداء ومعارك وهمية، ويمنح السلطة القدرة على التغلغل في أكثر مناطق العقل البشري هشاشة: منطقة التصوّرات. وبمجرد أن يعتاد الجمهور على مصدرٍ واحد للرواية، يصبح من السهل قيادته نحو القبول بما يُراد له أن يقبل، ورفض ما يُراد له أن يرفض، حتى وإن تعارض ذلك مع مصالحه المباشرة. وهكذا، يتحول الإعلام من وسيط للمعرفة إلى سلاحٍ لتوجيه العقول، وحين تخوض الشعوب معاركها برؤوسٍ لا ترى الواقع كما هو، تكون الهزيمة قد وُقّعت من قبل أن تبدأ. ويأتي المحور الثالث، وهو الماضي، ليشكّل الركيزة الأخطر في صناعة السيطرة. فالتاريخ ليس مجرد أحداثٍ مضت، بل هو هوية، وإطار ذهني، ومخزنٌ للقيم التي تُبنى عليها التصورات الجماعية. ولهذا فإن العبث بالتاريخ ليس خطيئة معرفية فحسب، بل هو وسيلة فعّالة لإعادة تشكيل ذاكرة الشعوب. فعندما تُزوّر السجلات، وتُصنع بطولات، وتُخفى جرائم، وتُمنح أمجاد لغير أصحابها، يتحول التاريخ من مرآة إلى ستار. وبمجرد أن يصبح الماضي مُعاد الكتابة، يفقد المجتمع القدرة على فهم نفسه، ويضيع عليه الطريق الذي يوصله إلى الحاضر بوعي وإدراك. بل إن بعض الأنظمة لا تكتفي بتزوير الماضي، بل تغرس في الأجيال الجديدة شعوراً بالانتماء لنسخة مختلقة من البلاد، تجعل الولاء شخصياً أكثر مما هو وطنياً، وتجعل الحقيقة نسبية ومطاطة. وهكذا، يصبح المجتمع واقفاً على أرضٍ هشة، لا يعرف من أين جاء ولا إلى أي اتجاه يسير. أما المحور الرابع فهو المستقبل، وتحديداً المستقبل المصنوع بالخوف. فالخوف هو أسرع الطرق لتركيع المجتمعات، وأكثرها قدرة على تعطيل العقل. حين تُقنع الشعوب بأن هناك عدواً خارجياً يترصد بهم، وأن بقاء البلاد مرهون بالتضحية بالحريات، تصبح الجماهير أكثر استعداداً لتبرير القمع، وغضّ الطرف عن التجاوزات، والقبول بالقائد الذي يَعِد بالحماية. الخوف لا يمنع الناس من التفكير فقط، بل يجعلهم يطلبون بأنفسهم استمرار القبضة الأمنية، لأن البديل ـ كما يُقال لهم ـ هو الفوضى أو الاحتلال أو الزوال. وهكذا، يصبح الخوف من عدوٍ مختلَق أو مُضخَّم جزءاً من هندسة المستقبل التي تبنيها السلطة، ويصبح الناس أسرى تهديدات لا يملكون التحقق من حقيقتها، لكنهم يعيشون تحت ظلها كل يوم. هذه الأدوات الأربع، حين تجتمع، لا تخلق مجرد نظام قمعي، بل تبني واقعاً كاملاً يعيش فيه الشعب خارج ذاته، محاصراً بحاضره، وموجّهاً في وعيه، ومغشوشاً في ماضيه، ومرتهناً بخوفه من الغد. وما يسهّل هذه السيطرة أن الشعوب، في كثير من الأحيان، لا تدرك أنها داخل دائرة مغلقة، لأن القمع غير المباشر لا يترك آثاراً فجّة على الجسد، بل يترك جروحاً عميقة في الروح الجماعية. وفي هذا المناخ، تتراجع قيم النقاش الحر وتتسع دائرة الممنوع، وتصبح المعرفة انتقائية، وتتحول المشاركة السياسية إلى مسرحية، والانتخابات إلى طقوس شكلية، والحقوق إلى هبات تُمنح وتُسحب. وهنا يكمن الخطر الأكبر: أن يتعايش الناس مع هذا الواقع حتى يصبح طبيعياً في نظرهم، لأن أخطر أشكال الاستبداد ليست تلك التي تُواجه بثورة، بل تلك التي تُقبل بصمت. إن تفكيك هذه السيطرة يبدأ أولاً بإدراك وجودها. فالشعب الذي يعرف كيف يُصنع وعيه هو شعب يصعب خداعه، والمجتمع الذي يقرأ تاريخه بعين الناقد لا يخضع بسهولة لأساطير القوة، والناس الذين يواجهون مخاوفهم يدركون أن العدو الحقيقي ليس دائماً في الخارج، بل قد يكون في الداخل، في مؤسساتٍ تدّعي الحماية بينما تبني لنفسها عالماً أكبر من الوطن. ولذلك، فإن الوعي هو المعركة الأولى والأخيرة. الوعي الذي يرفض القوانين الظالمة، ويفكك خطاب الإعلام الموجَّه، ويبحث عن الحقيقة في بطون التاريخ، ويرفض أن يُساق بالخوف نحو مستقبلٍ مُختلق. الوعي الذي يحرر الإنسان من القيود غير المرئية، ويعيد إليه القدرة على التفكير والسؤال والرفض والتغيير. وفي نهاية المطاف، فإن الشعوب التي تنجح في حماية حاضرها، وتدقيق تاريخها، وتنوير وعيها، وتبديد مخاوفها، هي الشعوب التي تعيش بكرامة، وتكتب مستقبلها بيدها، بعيداً عن قبضة أي سلطة تحاول أن تجعل من الحكم قدراً، ومن القمع ضرورة، ومن الطاعة فضيلة. تلك هي المعركة التي يخوضها كل مجتمع يريد لنفسه الحرية، وهي معركة لا تنتهي إلا بوعيٍ كامل يضع الإنسان فوق كل أدوات السيطرة، ويعيد للناس حقهم الطبيعي في أن يروا حاضرهم بعيونهم، ويفكروا بعقولهم، ويصنعوا الغد بإرادتهم.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم