عمر الدقير
٩ سبتمبر ٢٠٢٦
مقطع الفيديو – الذي انتشر منذ الأمس – ليس مجرد وداعٍ فردي لشاب أدرك أن الموت يقترب منه في الصحراء “رحمه الله وأحسن عزاء أسرته ومحبيه”؛ إنه صورة موجعة من صور ويلات الحرب وتداعياتها على الناس الأبرياء.
كان بادياً على وجهه أن التعب قد أنهكه، وأن شفتيه قد يَبِسَتا من شدة العطش، وأنه أيقن أن مسيرة حياته توشك أن تنتهي .. لكن اللافت أنه لم يكن وجِلاً أمام الموت؛ فرغم الحسرة التي تقطر من كلماته، كانت على وجهه ابتسامة هادئة، وكأنه آثَر أن يُودِّع أهله وأعزِّاءه لا بالخوف والجزع، وإنما بالرضا والمحبة.
الرسالة التي وجهها لأخيه، قال فيها:
“حالة الدنيا كِده يا أخوي .. مع السلامة .. الموت ده ما كِده يا أخوي .. تسلم يا أخوي ربنا يديك الصحة والعافية وان شاء الله ديمة موفق .. وتحياتي للأهل كلهم”.
كم هو قاسٍ أن تكون هذه آخر كلمات فتىً في نضارة العمر وكان أمامه مستقبلٌ من العطاء لأهله ووطنه، فإذا به – بعد الرضا بقضاء الله – يُودِّعهم ويرسل سلامه الأخير عبر شاشة هاتف، ثم يُغمض عينيه ويرحل وحيداً وعَطِشاً وتائهاً في الصحراء؛ في مشهدٍ يعيد للأذهان كلمات عبد الرحيم أبو ذِكرى: “أيُّها الراحلُ في الليلِ وحيداً، ضائعاً منفردا”.
حين تتسع الحرب ويتطاول أمدها، لا يبقى الموت في ميادين القتال وحدها، بل يمتد إلى طرق النزوح ومعسكراته ومهاجر التيه والصحارى والبحار، وإلى كل مكان دفعت إليه الناسَ ضرورةُ البحث عن ملاذٍ آمِن أو عن بدايةٍ جديدة لأسباب عيشٍ كريم.
لا أعرف تفاصيل قصته، ولا متى وقعت هذه الحادثة الأليمة؛ لكن المؤكد أنها عينة لمصائر فاجعة طالت كثيراً من الشباب السودانيين، مثل أولئك الذين انهارت فوق رؤوسهم آبار التعدين الأهلي البدائية أو الذين ابتلعتهم مياه البحر المتوسط خلال مغامرات لجوئهم المأساوية إلى حيث الأُفق الأوروبي يتراءى أمامهم وهم في ذروة النفي والتشتت والبحث عن نجاة!
كل ذلك يفرض على الجميع واجباً أخلاقياً ووطنياً لا يقبل التأجيل: التوافق الآن على إيقاف هذه الحرب الذميمة؛ ثم المُضي إلى تسوية الخلافات وتباين الرؤى، حول مستقبل الوطن، بالتي هي أحسن.
