الوزير يبحث عن عمل إضافي… فماذا يفعل الخفير؟

لبنى احمد حسين

أبقار تُحلب أوتوماتيكيًا، ودواجن تتزود بالطعام رقميًا، وأسماك تُراقَب عبر الإنترنت. خطط طموحة لقطاع الثروة الحيوانية والسمكية في السودان، بل إستراتيجية شاملة لخمس سنوات قادمات لتحقيق نقلة نوعية في الإنتاج. وكل ذلك ليس تخطيطًا لهولندا، بل لسودان الحرب؛ فك الله كربته.

حين استلم وزير الثروة الحيوانية والسمكية، أحمد التيجاني المنصوري، منصبه، بدا واضحًا أن خططه الطموحة تستند إلى خبرة و كفاءة عملية ومعرفة علمية. لكنها، و للأسى، ظلت تحلّق في السماء بجناحي الخيال دون قدمين على أرض الواقع! واقع الحرب الذي لم يدرسه الوزير في كتب و لم يجربه في عمل.

فسيادة الوزير كان يحدثنا عن مدن للإنتاج الحيواني، والتحول الرقمي، ومشاريع كبرى… و”كلام كبار كبار”. وفي فبراير الماضي، خرج المنصوري ليبشرنا بأن الفترة المقبلة ستشهد تدفق 121 مليار دولار لتمويل مشاريع الثروة الحيوانية والاستزراع السمكي والدواجن، من أجل 37 مشروعًا ومدن متكاملة للإنتاج الحيواني في كل ولاية.

لكن منتصف مارس الجاري، هبط الوزير إلى كوكب الأرض، ليحدثنا عن معاناة القطاع الحيواني، والتراجع الحاد في كل من الإنتاج والصادرات بسبب دمار البنية التحتية وغياب الأمن والاستقرار، وفق ما نقلت وكالة السودان للأنباء.
هبط الوزير إلى كوكب الأرض، فلم ير فقط الأسماك و الفيران التي تموت بلا سبب معلوم. و ليرى ضعف البنى التحتية في المحاجر والمسالخ والمعامل البيطرية التي تحدّ من قدرة السودان على تلبية معايير التصدير العالمية… بل ليرى أيضًا نفسه… وراتبه الضئيل. وبالطبع لن نسأل متى تأتي الفترة القادمة وتأتي معها الـ121 مليار دولار… ولربما تحتاج أيضًا الى ” ازبوع أو ازبوعين”!.

في هذا السياق، جاء إعلان وزير الثروة الحيوانية والسمكية، الدكتور أحمد التيجاني المنصوري، عبر منصة لينكد إن، أنه يبحث عن عمل إضافي بدوام جزئي بسبب ضعف راتبه الوزاري.

ولم يكن الأمر مجرد دعوة للاستثمار في القطاع، بل جاء بصيغة واضحة للبحث عن وظيفة إضافية، مدعومة بوسم #OpenToWork، وهو ما يُستخدم عادة من الباحثين عن فرص عمل.

فهل أراد الوزير أن يقول إن تدني المرتبات وضع عام يمتد من الوزير إلى الخفير؟ ليغلق الباب استباقاً أمام أي مطالبات يرفعها العاملون بوزارته لتحسين اجورهم؟ أم أنه بعد عام في المنصب أدرك أن الخطط الطموحة تحتاج إلى مناخ غير أجواء الحرب؟ ام انه فعلا يبحث عن دوام جزئي لتحسين دخله؟..

على أية حال، فإن منشور الوزير يدفعنا لطرح سؤال مهني مشروع: هل يجوز لوزير يشغل منصبًا تنفيذيًا أن يبحث عن وظيفة أخرى مدفوعة الأجر؟ وهل يجوز أن يكون للمسؤول مدير أو رئيس آخر خارج عمله الرسمي؟

من الناحية المهنية، يثير ذلك تساؤلات جدية حول تضارب المصالح. فالوزير الذي يشرف على وزارة كاملة ويمتلك معلومات ونفوذًا بحكم موقعه، قد يجد نفسه حتى دون قصد، في وضع يمنحه ميزة غير عادلة عند تقديم استشارات لجهات تعمل في نفس القطاع. ثم هل يمكن لوزير الثروة الحيوانية ان ينشيء مزرعة ابقار مثلا خاصة به؟ و هل يمكن لوزير التعليم ان يؤسس مدرسته الخاصة اثناء توليه الوزارة؟..
لكن في المقابل، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: كيف نحافظ على النزاهة إذا لم نوفر الكفاية؟ فمنع المسؤول من العمل خارج منصبه قد يكون ضروريًا، لكن ضعف الراتب قد يفتح أبوابًا أخرى اذا لم تتوفر الكفاية.
والمقصود بالكفاية هنا ليس الرفاه، بل الراتب المجزي الذي يحفظ استقلال القرار، ويكفي احتياجات الوزير بما يتناسب مع مركزه المهني، دون أن يضطر إلى العمل الإضافي أو الاستعانة بدعم الأصدقاء أو الأقارب. فاستقلال القرار المالي جزء أساسي من استقلال القرار الإداري، وشرط ضروري لنزاهة المنصب العام.

وهنا يتجاوز السؤال شخص الوزير إلى سؤال أوسع:

إذا كان الوزير يبحث عن عمل إضافي… فماذا يفعل الخفير؟

ماذا يفعل المواطن البسيط؟
ماذا يفعل المعلم الذي انقطعت مرتباته؟
ماذا يفعل العامل باليومية الذي فقد مصدر رزقه بسبب الحرب؟

ماذا بشان الخفير، والمعلم، والعامل؟ إذا كانت الوظائف العليا لا توفر الكفاية، فكيف بمن هم في أسفل السلم الوظيفي؟

ففي مشهد يعكس اقتصاد الحرب وتعقيدات المرحلة التي تمر بها البلاد، ناشد وزير التعليم العالي الداعين للإضراب بتحكيم صوت العقل، مطمئنا أن الهيكل الراتبي سيُطبَّق تدريجيًا مراعاةً للظروف الاستثنائية. وفي المقابل، أعلن وزير الطاقة زيادة المرتبات للعاملين بالكهرباء بنسبة مئة بالمئة، وبدأ صرف متأخرات أربعة أشهر للمعلمين في ولاية الخرطوم، مع مطالب برفع الحد الأدنى للأجور إلى ما يعادل 62 دولارًا تقريبًا.

ويزداد هذا السؤال تعقيدًا في ظل اقتصاد الحرب، حيث تتآكل الرواتب، وترتفع تكاليف المعيشة، وتضعف مؤسسات الدولة، بينما تتسع الأنشطة غير الرسمية والفرص المرتبطة بالأزمات، بما في ذلك الأنشطة الإجرامية وترويج المخدرات. ففي مثل هذه البيئات الهشة، لا يصبح ضعف الدخل مجرد تحدٍ معيشي، بل خطرًا مؤسسيًا يهدد تماسك الدولة نفسها.

وفي النهاية، يظل السؤال أكبر من شخص الوزير:

كيف تُدار دولة، بينما موظفوها من الوزير إلى الخفير رواتبهم لا تفي احتياجاتهم و يبحثون عن مصادر دخل إضافية للبقاء؟

إنها ليست قصة الراتب… بل قصة اقتصاد الحرب!..

lubbona@gmail.com

عن لبنى أحمد حسين

شاهد أيضاً

حين يطالب موسى هلال بتصنيف الجنجاويد إرهابيين!

لبنى احمد حسين كدتُ أُغرّد فرحًا حين رأيت صورة موسى هلال في هذا الخبر مقرونة …