الوطن من برّا .. بقلم: الرفيع بشير الشفيع

لا تشعر بقيمة الوطن  الحقيقية ،  الا عندما تفارقه لبلاد اخرى ، تكون فيها غريب الوجه واليد واللسان ، ينظر اليك اصحابها كأنك مخلوق من كوكب اخر ، يلازمك إحساس بآنهم  يجاملونك ظاهريا ، اذا أحسنت ،  فهذا واجب مأجور عليه ، فلا حمد ولا شكر ، وان أسأت ردّ اليك الصاع صاعين ، تتأدب رغم أنفك ، وتجامل بلا رغبة  منك، إحساس تشعر معه بأنهم  يعافون حتى لونك ، وسحنتك ، ونطقك ، ويتهامسون عليك ، وشكلك وخلقك ،  اذا وقفت في صفوفهم تشعر بالأعين تأكلك ، وتسمع حفيف الانفس تتهامس ضدك ، إذا نمت فأنت غير آمن ، واذا قمت  فأنت غير مسرور ، تفتقد الأهل و الجيران والصحاب ، والتفاعل الفطري والتداخل والزيارات البريئة بينهم ، تسمع ضجيج القوم فلا تفقه لغاتهم الخاصة ، هم فرحون وانت صامت مهموم ، وهم يتراقصون وانت منكسر الوجدان ، آطفالهم يلعبون ويبتهجون واطفالك واجمون يخافون ظلما وصدا، إذا أنجزت إنجازا يحسبونه لك من قبيل المال ، بلا اجر ولا ضريبة للوطن تدخرها لجيل قادم ، اذا مرضت ، فخدمتك تصير عليهم عبئا وضيقا ، ينظرون اليك شذرا ، ويُقرّبون منك حذرا ، إذا أشعرت فشعرك لا قيمة له ، وإن غنّيت فغناؤك لا يشجي ولا يطرب ، واذا تناجيت فمناجاتك شتراء ، لا تدخل قلبا ولا تجلب سرورا ، واذا تفاعلت فأنت كنقطة زيت على سطح ماء ، واذا بكيت فبكاءك لا يجلب عطفا ولا تربت عليك الأيادي ، إذا أفتديت ففداؤك جهل لا قيمة له ، وإن نصحت فأنت تنتهك حقوق الإنسان ، لا تزور الأ برتيب مسبق ، واذا جلست ، تجلس مربعا مضموما ملموما الى بعضك ، تقول بحذر ، وتفارق في الوقت المحدد لك .

يلازمك شعورُ اخر بالشوق والتوق للوطن والعودة والبقاء فيه ، فتصدّك مصدات أخرجتك اسبابها ، وتراكم السنين  والروتين والإعتياد ، وإنعدام البرامج ، يحيل حياتك الى ، حياة بلا طعم ولا لون ولا رائحة ، تشعر ان الأيام تنفلت من رصيدك في الحياة ، كلما زاد رأسك شيبا قنطت ويئست وندمت وأسفت ، وتمنيت وحلمت وانت بعيد ، بيوم ما ، يوم ما، في الوطن ، تعْمُر فيه الديار وتصل الرحم وتجالس الأقربين ، وتتعايش معهم ، وتسعد ، وتفرح ، وتشقى وتضنك وتضنى في الوطن، تحلم انك وسط بهارج الأفراح منتشيا ومبتهجا تفرح مع الفرحين وتبتهج مع المبتهجين ، وفي الأتراح ، تقاسم الناس اتراحهم واحزانهم ، وتبكي وتحزن وتفرغ ما في جوفك من شوق للبكاء والتباكي مع الناس .

وشعور آخر بأنك ، يوما ما ، ستبني وتعمّر وتسع الناس عطاءا ترفع المسكين وترقع الضعيف والقريب وذا الحاجة ، والعمر ينفلت منك إنفلات الإبل في فلاة ، بلا آمل في رجعة ، ولا مقدرة على مواكبة الوطن ومعايشة الوطن والقبول بما في الوطن والرضا بالقسمة فيه ، حتى وإن رجعت ، فأنت عصفٌ مأكول وجسم منحول ، وفكر مشلول .

إنه الوطن حاضنة السكينة والطمأنينة والأمان ، والمصالحة  مع النفس والمجتمع ، والقبول وراحة البال  والتآنس مع من يستحق الإنس ، والتفاعل مع من يعرف المفاعلة ، والعيش مع من يشعر بك وتشعر به ، فطوبى للصابرين ، وطوبى للمستأنسين بوطنهم ، وأهلهم ، وطوبى للجوعى والمرضى في الوطن ، وطوبى للمتخذين الوطن شاية والعزة أية ، وطوبى للمتغبرين بغباره ، المنازلين إواره ، وطوبى للكادحين وطوبى لمن لم تطأ قدماه أرض غربة ، وكربة ، إنهم يسعدون فيما اعتبرناه شقاء ، وينعمون فيما اعتبرناه عناء ، طوبى لهم إنهم أعلى منا قدحا ، وأعظم منا شأوا وشأنا وأوسع منا ضميرا ورضا وأقرب منا للناس ولله وللوطن .

أنا ، طائرُ رفّ بجناحيه فأنكسرا ، وفارق الوطن ، بإختياره ، ومرغما ، ومفعما، بالأمل الذي طال  ، وحطّ في ديّار الأخرين يتكفف رحمة الله ورزق الله ، وإتخذ الأرض ذلولا وسعى في مناكبها ، وأتخذها بساطا وسلك فها سبلاً فجاجا ، حتى كلّ العضد وزار المرض ، وأنتفى الغرض .

وآ شوقاه  ، ووآ وطناه .

الرفيع بشير الشفيع

بريتوريا – جنوب افريقيا

٢٠١٤

rafeibashir@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً