الوعي بالتناقض في السودان: بين أخلاق الاعتراف ووهم البراءة المتخيلة

د. صلاح أحمد الحبو

في سياق الحرب السودانية الراهنة، لا يمكن اختزال الأزمة في كونها مجرد صراع على السلطة أو تنازع عسكري بين أطراف متقابلة، بل هي في عمقها أزمة وعي مركبة بالتناقض؛ تناقض يتجلى بين ما يُعلن وما يُمارس، بين الخطابات المرفوعة والنتائج المتحققة، بين ادعاء البراءة والانخراط الفعلي—بدرجات متفاوتة—في إنتاج الكارثة. وفي قلب هذا المشهد المضطرب، يبرز ما يمكن تسميته بـ”البراءة المتخيلة”[1] بوصفها إحدى أبرز الآليات الذهنية التي تسهم، بوعي أو بدونه، في إطالة أمد الأزمة وتعقيد مسارات الخروج منها.

إن الوعي بالتناقض[2]، في هذا السياق، لا يُفهم بوصفه مجرد إدراك نظري لوجود خلل، بل باعتباره قدرة نقدية عميقة على مساءلة الذات قبل الآخر، وعلى الاعتراف بأن الفاعل—أيّاً كان موقعه أو موقعه الخطابي—قد يكون جزءاً من المشكلة بقدر ما يدّعي أنه جزء من الحل. غير أن ما يميز الحالة السودانية هو هذا العجز المزمن عن تفعيل هذا النمط من الوعي، حيث يميل كثير من الفاعلين، سواء كانوا في مواقع السلطة أو المعارضة، إلى إنتاج خطاب تبريري يعيد تشكيل الواقع بما يخفف وطأة المسؤولية، لا بما يكشف حقيقتها. ولا ينبع هذا العجز من اعتبارات المصلحة السياسية فحسب، بل من بنية ذهنية ترى العالم في ثنائيات مبسطة: خير مطلق في مقابل شر مطلق، وهو تصور يُقصي التعقيد ويُعطل إمكانات المراجعة الحقيقية[3].

في هذا الإطار، تتخذ “البراءة المتخيلة” موقعها بوصفها آلية دفاعية ذات طابع أخلاقي زائف، يُعيد من خلالها الفاعل تشكيل صورته الذاتية باعتباره ضحية خالصة أو فاعلاً نبيلاً، حتى في سياق انخراطه المباشر أو غير المباشر في إنتاج الأزمة. وهي ليست مجرد خطاب موجّه للآخرين، بل غالباً ما تكون خطاباً موجهاً إلى الذات، يمنحها شعوراً مريحاً بالتطهر الأخلاقي ويجنبها مواجهة مسؤولياتها الفعلية. تكمن خطورة هذه البراءة في أنها لا تكتفي بحجب الحقيقة، بل تُعيد تعريفها، فتتحول المراجعة إلى خيانة، والنقد إلى عداء، والاعتراف إلى ضعف، وهو ما يفضي إلى انسداد أفق أي نقاش جاد حول جذور الأزمة ومسارات معالجتها[4].

وعند النظر إلى ثنائية معسكر الحرب ومعسكر السلام، لا بوصفها ثنائية صلبة بل كفضاءين متداخلين، تتجلى ملامح هذا التناقض بشكل أكثر وضوحاً. فمعسكر الحرب، الذي غالباً ما يستند في خطابه إلى منطق “الضرورة”[5]، يُقدّم العنف بوصفه خياراً لا بديل عنه، ويُعيد تأطير أفعاله ضمن سرديات حماية الدولة أو استعادة الاستقرار. غير أن هذا الخطاب، في كثير من الأحيان، يتغافل عن أن هذه “الضرورة” ليست قدراً مفروضاً، بل نتاج تراكمات من القرارات السياسية الفاشلة، أو تعبير عن إرادات هيمنة لم تُحسن إدارة التعدد والتعقيد. وهنا تتجلى البراءة المتخيلة في تصوير الحرب كفعل دفاعي خالص، مع تجاهل كلفتها الإنسانية والاجتماعية، وتغييب السؤال الجوهري حول المسؤولية التاريخية عن الوصول إلى هذه اللحظة.

في المقابل، يظهر معسكر السلام بوصفه حاملاً لقيم أخلاقية سامية، رافضاً للعنف، داعياً إلى الحوار والتسوية، غير أن هذا التموضع، على وجاهته المبدئية، لا يخلو بدوره من تناقضات. فبعض مكوناته تمارس شكلاً آخر من البراءة المتخيلة، حين تُقصي من ذاكرتها أدوارها السابقة في تمهيد الطريق للأزمة، أو حين تُقدّم رؤى مثالية لا تأخذ في الاعتبار تعقيدات الواقع وموازين القوى. كما أن الخطاب الأخلاقي، إذا لم يتأسس على إدراك سياسي واقعي، قد ينزلق إلى مستوى التعبير الرمزي الذي يعجز عن إنتاج أثر فعلي، فيتحول إلى نوع من التعويض الخطابي أكثر منه مشروعاً للتحول.

وعليه، فإن الفارق الحقيقي بين الفاعلين لا يُقاس بانتمائهم الظاهري إلى معسكر الحرب أو السلام، بقدر ما يُقاس بمدى قدرتهم على الاعتراف بالتناقض الكامن في مواقفهم وسلوكهم. فثمة من ينخرط في معسكر الحرب وهو واعٍ بخطورة المسار، وثمة من يتموضع في معسكر السلام وهو عاجز عن مساءلة ذاته. الاعتراف هنا لا يُفهم بوصفه فضيلة أخلاقية مجردة، بل كشرط تأسيسي لأي تحول حقيقي، إذ لا يمكن بناء سلام مستدام على إنكار جماعي أو على روايات أحادية تُقصي الآخرين وتُبرئ الذات[6].

إن تجاوز الأزمة السودانية، في هذا الأفق، لا يمكن أن يتحقق عبر تسويات سياسية سطحية أو ترتيبات أمنية مؤقتة، بل يتطلب تحولاً عميقاً في بنية الوعي، يبدأ بتفكيك وهم البراءة المتخيلة، ويمر عبر استعادة القدرة على الاعتراف بالتناقض، وينتهي بإعادة تعريف المسؤولية بوصفها مسؤولية مشتركة، لا عبئاً يُلقى على طرف دون آخر. هذا التحول لا يعني توزيع اللوم بقدر ما يعني إعادة توزيع الوعي، بحيث يدرك كل فاعل أنه جزء من معادلة معقدة لا يمكن الخروج منها إلا عبر شجاعة أخلاقية تقابلها بصيرة سياسية.

وفي المحصلة، لا يبدو أن السودان في حاجة إلى انتصار طرف على آخر بقدر حاجته إلى انتصار الوعي على الوهم؛ ووعي التناقض، بما يحمله من قلق معرفي وألم أخلاقي، يظل الخطوة الأولى في هذا المسار. أما البراءة المتخيلة، فمهما بدت مريحة ومغرية، ليست سوى قناع هش يتهاوى أمام اختبار الواقع. وحده الاعتراف، بما يتيحه من إمكان للفهم وإعادة البناء، يمكن أن يؤسس لسلام لا يقوم على محو الذاكرة، بل على استيعابها، ولا على إنكار المسؤولية، بل على تحملها.

الهوامش والمراجع

[1] البراءة المتخيلة: مفهوم تحليلي يُستخدم لوصف الحالة التي يتبنى فيها الفاعل تصوراً ذاتياً عن النقاء الأخلاقي رغم تورطه في الفعل الإشكالي؛ يمكن مقاربته مع مفهوم “الوعي الزائف” في الأدبيات النقدية. انظر: رأس المال، وكذلك الأيديولوجيا الألمانية.

[2] الوعي بالتناقض: مفهوم يرتبط بالفكر الجدلي، حيث يُفهم الواقع بوصفه مركباً من تناقضات داخلية؛ الوعي بها شرط للتغيير. يُنسب هذا الطرح إلى Georg Wilhelm Friedrich Hegel، وتطور لاحقاً في المادية الجدلية عند Karl Marx.

[3] الثنائيات التبسيطية: نمط تفكير يقوم على تقسيم العالم إلى أضداد حادة (خير/شر)، دون الاعتراف بالمناطق الرمادية؛ وهو ما يُنتقد في الفلسفة المعاصرة، خاصة في أعمال Edgar Morin حول الفكر المركب.

[4] إعادة تعريف الحقيقة: إشارة إلى دور السلطة والخطاب في تشكيل ما يُعتبر “حقيقة”، وهو طرح مركزي في أعمال Michel Foucault.

[5] منطق الضرورة: يُستخدم لتبرير أفعال استثنائية (كالعنف) باعتبارها حتمية؛ يُناقش ضمن نظريات “حالة الاستثناء” عند Giorgio Agamben.

[6] السلام المستدام: مفهوم في دراسات السلام يشير إلى بناء سلام قائم على العدالة والاعتراف المتبادل، لا مجرد وقف العنف؛ انظر أدبيات Peace and Conflict Studies، وأعمال Johan Galtung

habobsalah@gmail.com

عن صلاح الحبو

صلاح الحبو

شاهد أيضاً

أيُّ قميصٍ نُلقيه على وجهِ أبينا السودان ليرتدَّ بصيرًا؟

د. صلاح أحمد الحبوكأنّ السودان يقف على عتبة الغياب، وأيامه تتقلب بين ليلٍ أثقلته الجراح …