بقلم: السر جميل
في غمار الحياة المتسارعة وطاحونة الأيام المجهدة، يجد الإنسان نفسه أحيانًا في مواجهة أزمات تفوق طاقة احتماله، وهنا تبدأ رحلة البحث عن ملاذ. يميل الكثيرون منا إلى اختلاق عالمٍ من الوهم المريح، خيارٍ يراوده الذهن للهروب من قسوة الواقع. يصور هذا الوهم الحياة كأنها لوحة وردية زاهية، حلم خيالي يسعى للالتفاف على مرارة الحقيقة وتجميل وجهها الكالح، متغافلاً عن أن الهروب لم يكن يومًا طريقًا للنهايات السعيدة.
تتعدد أشكال هذا المضجع المريح الذي نلجأ إليه، لكن أخطره هو ذلك النفسي والبدني الذي يستصغر كبريات الأزمات. تتراكم على الإنسان مشاكل جليلة، تبدأ من التوتر واهتزاز الثقة بالنفس، ولا تنتهي عند حدود الفقر والفقد أو الخوف القاتل. في عالم الوهم، تُقنع الذات صاحبها بأن هذه المعاناة مجرد عقبات هينة يمكن تجاوزها بلحظة غياب؛ بمجرد كأس من الخمر أو نَفَسٍ من المخدرات. ينغمس المرء في تخدير عقله، يشتري لحظات زائفة من السكينة، ظانًا أنه هزم مشاكله، بينما هو في الحقيقة يطمس وعيه ويترك النيران تأكل أركان حياته في الخفاء.
وعلى جانب آخر من المشهد، يتجلى شكل آخر للوهم لا يقل خطورة، يتجسد في أولئك الذين يخوضون الأزمات بأسلوب الكبر والإنكار. يسعى هذا الفريق لتجاوز عثراته عبر إقناع ذاته بالصواب المطلق، مرددًا لنفسه دومًا أنه على حق ولا يخطئ أبداً. يرون في التنازل مرادفات للهزيمة، وفي الاعتراف بالذنب انكساراً لا يليق بهم. يسيرون في درب الزيف، مغلقين آذانهم عن صوت الحقيقة، وممتنعين عن أي مراجعة للذات.
إن هذا الإصرار على العناد يثمر نتيجة حتمية، فالمشاكل التي كانت في الماضي مجرد خطايا يسيرة وعثرات بسيطة على جوانب الطريق، تتفاقم بالإنكار وتتغذى على الصمت، حتى تتضخم وتتحول إلى جبال من الأزمات التعجيزية العصية على أي حل. وما كان يمكن معالجته بكلمة طيبة أو اعتذار صادق أو خطوة تصحيحية جريئة، يصير سدًا منيعًا يعزل الإنسان عن محيطه وعن نفسه.
إن الصراع الداخلي للإنسان صراع مرير، وخوض معركة الإصلاح يتطلب مجهودًا جبارًا وإرادة صلبة. هذا الإصلاح لا يمكن أن يبدأ بالهروب إلى السكر ولا بالاستغراق في مكابرة الذات، بل يرتكز على خطوة واحدة، شجاعة ومحورية: الاعتراف بوجود المشكلة ابتداءً. إن كسر زجاج الوهم المريح ووضع القدم على أرض الواقع الصلبة، رغم تشققها وقسوتها، هو أول طريق الشفاء. فالشجاعة الحقيقية ليست في اختلاق عالم وردي وهمي، بل في النظر إلى أخطائنا وأزماتنا بوضوح، وقبول ضعفنا البشري، ثم البدء بالسعي الصادق نحو الترميم والصواب.
elsir90@hotmail.com
