الى متى خذلان مصر للسودان!

صبحي محمد علي
sobhi@hotmail.com
ليس أخطر على العلاقات بين الشعوب من أن تتحوّل اللغة الأخوية إلى قناعٍ للهيمنة، ولا أفسد للسياسة من أن تُستدعى «الوحدة» في لحظةٍ لا يراد بها سوى السيطرة على الآخر لا انقاذه. من هذا المعبر يطلّ تصريح وزير الخارجية المصري القائل بإن مصر «لن تسمح بالتفريط في وحدة أراضي السودان»، تصريحٌ طيب العبارة، لكنه خفيف الذاكرة، ومثقل بالأسئلة التي لا يريد أن يسمعها أحد في القاهرة.
فأين كانت مصر حين انقسم السودان فعلياً إلى شمالٍ وجنوب؟ أين كانت حين جرى توقيع اتفاقٍ أنهى وحدة البلاد دون أن نسمع يومها عن «خطوط حمراء» أو «أمن قومي»؟ وأين كانت، قبل ذلك وبعده، حين كان السودانيون يقاتلون في الفشقة ومثلث إيلِيمي، وحدهم تقريباً، رغم وجود اتفاقية دفاعٍ مشترك يُفترض أنها تجعل الخطر على أحد الطرفين خطراً على الآخر؟
الصمت يومها لم يكن حياداً، بل كان اختياراً سياسياً، لأن وحدة السودان، في الحساب المصري الرسمي، لم تكن قيمةً قائمة بذاتها، بل متغيراً يخضع لمعادلة المصالح.
المصريون، أو بالأحرى الدولة المصرية العميقة، ظلوا حريصين على تمرير استراتيجية واحدة في السودان: استراتيجية ترى البلاد من الجنوب كمساحة خلفية، ومن الشمال كخزان موارد، ومن الشرق كمنطقة عازلة، وتضع المصالح الاقتصادية والأمنية المصرية أولاً وأخيراً، ثم لا تتردّد في حمايتها بالتدخل السافر حين يلزم الأمر.
ليس التدخل هنا امر يمكن تجاوزه بذريعة الاخوة، بل سلوكٌ متكرر، لأن السياسة حين تُبنى على تصور أن الجار أضعف، تصبح الوصاية فضيلة، ويصير الاستعلاء «حكمة سياسية».
من هذا المنطق ذاته جاء حديث وزير خارجيتهم عن «وحدة الجيش السوداني». ليست المسألة حباً في جيشٍ وطني أو حرصاً على دولةٍ مستقرة، بل إيماناً راسخاً بسياسة قديمة: أن يحكم السودان عسكريٌ واحد، قوي بما يكفي لقمع شعبه، ومطيع بما يكفي لخدمة الاستراتيجية المصرية.
لهذا لم يكن غريباً أن تدعم القاهرة انقلاب عمر البشير، وأن ترى فيه ضمانة للاستقرار، قبل أن تكتشف – متأخرة – أنها منحت الحركة الإسلامية في مصر دفعةً معنوية وسياسية هائلة، كادت تضع الدولة المصرية نفسها على حافة الهاوية، .
كان ذلك رهاناً قصير النظر: دعم الاستبداد في الخارج بحجة الأمن، ثم الارتداد إلى الداخل حين يتغذى الاستبداد نفسه ويطالب بنصيبه. واسواء ما جاء لهم منها ان الاسلاميين السودانيين الفوا كل مظاهر التاثير المصري الثقافي في الشارع السوداني.
والمفارقة، التي يتجاهلها الخطاب المصري الرسمي عمداً، أن السودان حين قدّم لمصر أكبر دعم معنوي واقتصادي ووجودي في تاريخها الحديث، بعد هزيمة 1967، لم يكن محكوماً بعسكر ولا بقبضةٍ أمنية، بل كان محكوماً ديمقراطياً.
في الخرطوم انعقد مؤتمر اللاءات الثلاث، لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض، وهناك أعيد ترميم الكرامة العربية المكسورة، وتدفّق الدعم العسكري والاقتصادي لمصر من الدول العربية، وكان السودان في القلب من ذلك المشهد، لا بوصفه تابعاً، بل شريكاً كاملاً.
الديمقراطية السودانية يومها لم تكن عبئاً على مصر، بل كانت سنداً لها.
من هنا يجب أن يعي المصريون، إن أرادوا علاقةً سليمة، أن السودان بلد متعدد الثقافات والهويات، وأن هذا التعدد لا يمكن حكمه إلا بالديمقراطية. كل التجارب التي حاولت إخضاعه بقبضة عسكرية انتهت إلى حربٍ أو انفصال أو انفجار مؤجل.
والديمقراطية، خلافاً لما يروّج له خطاب الخوف، لم تأتِ على مصر إلا بالخير حين تعاملت معها بندّية، ولم تكن يوماً تهديداً لأمنها، بل كانت ضمانته الأبعد مدى.
غير أن أخطر ما في الاستراتيجية المصرية الحالية أنها لا تخسر السودان كدولة فحسب، بل تخسر الشعب السوداني تدريجياً. فالكفة الراجحة بوزن اثقل بكثير، خاصة بين السودانيين المتعلمين، لم تعد تميل نحو مصر كما كان الحال تاريخياً.
ليس لأن هؤلاء يكرهون الشعب المصري، بل لأنهم يضيقون بسياسات ترى في السودان مجرد ساحة نفوذ، لا وطناً ذا كرامة، ولا شعباً يستحق الاحترام.
والسياسة التي تخسر الشعوب، مهما ربحت الأنظمة، هي سياسة قصيرة العمر. فالجغرافيا قد تفرض الجوار، لكن التاريخ لا يرحم من يصرّ على إعادة إنتاج الوصاية بلغة الأخوة.

عن صبحي محمد علي

صبحي محمد علي