الي وزير الري … قبل أن يبلنا السد الإثيوبي .. بقلم: د. محمد عبد الحميد

 

الخلاف الواضح بين من يؤيدون قيام السد الإثيوبي ، وبين من يعارضونه من نوع الخلافات التي لا يذهب فيها الفرقاء مذاهب الشطط الذي يسم المشهد السياسي عادة. فهو في الأصل خلاف لا تتغشاه السياسة إلا من أدق وارهف مسامها ذلك لأنه في الأصل غير مؤسس علي رؤي سياسية… وقد تلاحظ انكم في وزارتكم ظللتم ترددون علي مسامع المواطنين بالداخل والخارج أن موقفكم الراهن المساند لقيام السد هو موقف ( فني). مما يوحي بأن الأمر غير خاضع لاعتبارات السياسة ومقتضياتها في تحقيق مكاسب من خلال ممارسة النفوذ. وهذا أمر مطلوب لذاته في سياق عملية التنوير بهذا الموقف لكن بالمقابل هذا لم ينف الجدل المثار وعلي ذات المستوي الفني بأن هنالك فريق من المختصين بشؤون المياه مازالوا يخالفونكم الرأي وهم ممن يشهد لهم بالعلم والكفاءة. إذن فإن موضوع الرؤية الفنية نفسها هي مثار جدل بين المختصين داخل الدوائر الفنية الأمر الذي يستوجب فتح الباب واسعا حول حوار معمق بين الفنيين المناصرين والمعارضين وسط اختصاصيو المياه وهيدرولوجيتها. 

إن إطلاق حوار حر وعلي المستوي الفني من شأنه أن يفتح الباب أمام منفعة حقيقية تتمثل في ابعاد الجدل حول السد من الدوائر المختصة المغرقة في المصطلحات التي لا يفهمها عامة الناس ويحملهم علي الانخراط في الحوار كل حسب سعة فهمه ليتبلور رأي عام مستنير حول السد ما له وما عليه.

لا شك في أنكم جزء من حكومة ثورتنا المباركة وهي حكومة تولت السلطة بناء على ثقة الثوار في قدراتكم التكنوقراطية بشرط اتخاذ قرارات تصب في مصلحة المواطنين. وبشرط آخر أن تنتهجوا سبيلا مغايرا لحكومة الإنقاذ التي كانت تتبني القرارات من منظور فرض الرؤية الرسمية بمنهج من القمة الي القاعدة Top down بعيدا عن أصحاب المصلحة وهم بالضرورة جموع الجماهير التي استردت ذلك الحق السليب وجاءوا بكم من منطلق تلك الثقة… ولكن للأسف مازلتم تنتهجوا ذات منهج سلفكم المباد وتستاثرون بملف السد الإثيوبي في ذات الدائرة الضيقة بدعوي أن الأمر( فني) وهذا إتجاه من شأنه أن يفرط في أهم مكسب من مكاسب الثورة وهو التشاركية في تبني القرار. مما يستوجب إعادة التوازن بقلب المعادلة المختلة لإشراك المواطنين في واحدة من أهم القضايا التي سيترتب عليها مصير السودان النيلي برمته.
قد لا يفوت علي فطنتكم وفطنة الكثير من أهل السودان أن موضوع السد لا يتوقف فقط في البعد (الفني) المتمركز علي المياه وتدفقها وحصص كل المتشاركين في مجري النيل الأزرق ، فالأمر أيضا يمتد ليشمل ابعاد أخري أهمها المخاطر المرتبطة ببناء السد. وهنا ينفتح الباب أمام فنيين من تخصصات أخري لاسيما اؤلئك المختصين بقضايا الموارد الطبيعية من البيئيين ، و المهندسين الزراعيين والجيولوجيين ، وعلماء الإقتصاد والانثروبولوجيين ، واختصاصيي الصحة العامة ، والقانونيين وخبراء الأمن القومي والمخططين الاستراتيجيين وعلماء المخاطر ولكل من هؤلاء منظور فني يدلي به ، ذلك أن مشروع بضخامة السد الإثيوبي سيؤثر ولابد علي حيوات الناس من حيث وسائل سبل كسب المعيشة ، ودرجات تكيفهم مع ما سيطرأ من تغيرات علي مستوي المناخ والأمراض ووسائل الإنتاج وعلاقاتها ومستويات الإستقرار الإجتماعي. وهنا يأتي دور أهل السياسة وبكامل عتادهم فهم متخذوا القرار الذي يؤثر في مصير الأمة والذين لابد أن يكون قرارهم مبني علي الرؤي الفنية لكل صاحب تخصص ممن تم ذكرهم من التخصصات المتباينة ليتم تبني موقف مؤسس علي Cost- benefit لتفادي المواقف المسبقة المبنية علي التحبيذ وعدم التحبيذ Likes & dislikes
إن استئثار لجنتكم ( الفنية ) بالتفاوض حول ملف السد يثير الريب حول منهجكم خاصة وأنكم تتبنون ذات الموقف الذي كان يتبناه نظام الإنقاذ من السد ، في الوقت الذي تغيرت فيه الكثير من المعطيات الواقعية بفعل الثورة وبالتالي السياسات الكلية التي تأخذ في الحسبان المصلحة الوطنية التي لطالما تم تغييبها إبان عهد الرئيس المخلوع.
إن ذاكرة الشعب السوداني مازالت تختزن في تلافيفها كيف كان رأس النظام المخلوع يقف مزهوا بمشروعه الذي نفذه في مروي ، بسدٍ سدّ به أفق النقد عما كان يكتنف نظامه من عورات . وكيف وظّف ذلك السد في تحد لإرادة الغرب حتي ظن أهل السودان أن شمس الغرب ستغرق في عين السد الحمئة ، كما رددت الآفاق ذلك الهتاف المخاتل ( الرد بالسد ) والذي وعد فيه ” فنيو ” النظام وقتذاك بأن السودان سوف يمد دول الجوار بالكهرباء ، حتي أثبتت التجارب العملية هراء انتفاخ القط بوزن ريش لاقيمة له في معادلة لعبة الأمم. وصار الرأس المفزوع يهرع لإثيوبيا كلما عقد أوكامبو مدعي محكمة الجنايات الدولية حينها مؤتمرا صحفيا ، أو وقف أمام مجلس الأمن الدولي مقدما تقريراً. صحيح أن ذلك العهد قد ولي الي غير رجعة ، غير أن منهجه مازال قائما كما هو. وأن عواقب مخاطر هذا المسخ الإثيوبي ينتصب أمام حدودنا كمقصلة تتوعدنا بمصير فرعون علي يد من هو غير مسؤول عما سنلاقي من مصير لا أخلاقيا ولا قانونيا بحسب ما ينص عليه إتفاق مبادئكم الاطاري الذي وقع عليه المخلوع في مارس 2015 م في غيبة من إرادة الشعب.
علي عموم الأمر ، إن كنتم تعدون الشعب بما ترونه منافع وإيجابيات للسد منها شراء الكهرباء الرخيصة من إثيوبيا ، فإن سد مروي لم ينشأ لتشريد المناصير من مناطقهم ، وإنما لتوفير تلك الكهرباء الرخيصة. ثم لماذا لا يتم تحريك بدائل مبدعة من الطاقة الشمسية والرياح وهي بدائل متوفرة في السودان بكثرة يحسد عليها. وإذا كنتم تتوقعون انخفاض الطمي فذلك ادعي للتفكير مرتين لأن الطمي يحمل من الفوائد الجمة للتربة والأسماك وعمليات البستنة والفلاحة وحماية المجري من النحر ما يجعل تدفقه من النعم البازخة. خلاصة القول إن الفوائد المرجوة – إن وُجدت – من سد لا سيادة لنا عليه وتكتنفه مخاطر مفزعة تستوجب إعادة النظر في الموقف منه في ضوء تغير معطيات الواقع وأهمها أن الثورة المجيدة قد أعادت السودان لأهله ولا وصاية عليهم من أحد مهما سمت معارفه الفنية.

*د. محمد عبد الحميد استاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانية*

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في كتاب “كفاحي” لهتلر.. كيف صعد هذا الجاهل لسدة الحكم في ألمانيا؟

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدwadrajab222@gmail.com نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك منشوراً بيّنتُ فيه أن …

اترك تعليقاً