من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
منبر بنيان ،. مقالات من بطون كتب ونبض الميدان
مقدمه
اليابان والسودان… اقتصادان على حافة المجهول لأسباب مختلفة ومسار واحد اسمه “فقدان الثقة”
أعجبتني هذه الجدليه الاقتصاديه الافتراضيه بين اليابان والسودان وكلاهما يمر بازمة ثقه في الاقتصاد تتباين الأسباب وتختلف الحلول ومع الفارق والبون الشاسع نستحضر بيت الشعر لابي تمام،،، وقد يتشابه الوصفان جدا،، وموصوفاهما متباعدان ،،،،، اللهم اجعل للسودان تقارب، ،، ونسوح في هذه الجدليه الافتراضيه المستقاه من بعض صحف مع بعض من اجتهاد بتدخل في فقراته الخاصه بالسودان
عندما تتشابه نتيجةُ الخلل رغم اختلاف أسبابه
قد يبدو الجمع بين اليابان — ثالث أكبر اقتصاد في العالم — وبين السودان — دولة غنية بالموارد لكنها منهكة بالحرب — أمراً غير منطقي للوهلة الأولى. فالسنغال وماليزيا أقرب للسودان نمطاً، وكوريا وألمانيا أقرب لليابان اقتصاداً. لكن ما يربط طوكيو والخرطوم اليوم ليس مستوى الدخل ولا هيكل الاقتصاد… بل منحنى الخطر.
في اليابان، مصدر الخطر هو الاهتزاز في ثقة الأسواق نتيجة سياسات مالية توسعية قد ترفع تكلفة الدَّين.
وفي السودان، مصدر الخطر هو الانهيار المؤسسي الذي يحوّل الموارد الطبيعية الهائلة إلى وقود حرب لا إلى قوة تنمية.
النتيجة في الحالتين واحدة:
كلما ضعفت الثقة — سواء ثقة المستثمر أو المواطن — تعطلت قدرة الدولة على تمويل مستقبلها.
الفصل الأول: اليابان – حين يصبح الإنفاق الشعبي خطراً على السوق
تشهد اليابان منذ أسابيع ارتفاعاً غير مسبوق في عوائد السندات الحكومية، بينما واصل الين هبوطه الحاد. ويأتي ذلك في ظل سياسة مالية توسعية تتبناها حكومة سناء تاكايتشي التي طرحت واحدة من أكبر حزم الدعم منذ أزمتي 2008 و2020.
- لماذا تقفز عوائد السندات؟
لأن الأسواق تتخوّف من زيادة العجز دون تمويل واضح.
ولأن بنك اليابان يستعد لإنهاء عقد من الفائدة الصفرية، ما يرفع تكلفة الاقتراض.
ولأن المستثمرين بدأوا يتساءلون: هل يمكن لليابان — صاحبة أعلى دين سيادي في العالم المتقدم — أن تستمر في سياسات توسعية غير منضبطة؟
- لماذا ينهار الين؟
تراجع الين أمام الدولار يعكس ثلاثة عوامل:
ارتفاع الفائدة الأمريكية مقارنة باليابانية
توقعات تشديد نقدي ياباني متأخر
مخاوف من أن الحزمة الحكومية قد تؤدي إلى تضخم مستورد
- لماذا تشبه اليابان تجربة بريطانيا 2022؟
حين طرحت رئيسة الوزراء ليز تراس ميزانية توسعية دون تمويل، انهارت السندات وقفزت العوائد وعُزلت الحكومة بمفعول “صدمة الثقة”.
اليابان لا تزال بعيدة عن هذا السيناريو، لكنها تمسك الآن أطراف خيط مشابه.
الفصل الثاني: السودان – موارد ضخمة… ولكن دولة تُستنزف بالحرب
بينما تواجه اليابان خطراً مالياً مصدره السياسات، يواجه السودان مأزقاً اقتصادياً مصدره الحرب. دولة تملك واحداً من أغنى الأحواض الزراعية في إفريقيا، واحتياطات ذهب تُصنَّف ضمن العشرة الأوائل عالمياً، وثروات حيوانية ومياه ونفط — لكنها اليوم على حافة الانهيار.
- الحرب كسكين يقطع شرايين الاقتصاد
منذ أبريل 2023:
توقفت الدورة الزراعية في مناطق استراتيجية
دُمّرت سلاسل التوريد
انهارت الخدمات
هاجر رأس المال
وظهرت شبكات موازية تُصدّر الذهب بطرق غير رسمية لتمويل الحرب
- موارد بلا مؤسسات… كيف يحدث ذلك؟
المشكلة ليست في غياب الموارد، بل في ضعف المؤسسة القادرة على تحويل الذهب والقمح والماشية إلى تنمية.
فحين تصبح موارد الدولة وسيلة تمويل للمجموعات المسلحة، يسقط الاقتصاد تحت قاعدة خطيرة:
“كلما زادت الموارد، زاد الصراع عليها.”
- لماذا يسمى السودان “الغني المفقر”؟
لأن:
الدولة لا تسيطر على ثروتها
الإيرادات تهرب خارج النظام الرسمي
الاقتصاد يعمل في ظل “هيمنة السلاح” وليس “هيمنة القانون”
الفصل الثالث: كيف تتشابه اليابان والسودان رغم التباعد الجغرافي والاقتصادي؟
رغم الفارق الهائل بين طوكيو والخرطوم، إلا أن هناك قاسماً اقتصادياً مشتركاً:
- القاسم الأول: الثقة
في اليابان: السوق يفقد يقينه حيال قدرة الحكومة على ضبط العجز.
في السودان: المواطن والمستثمر والمؤسسات الدولية يفقدون الثقة في قدرة الدولة على حماية الموارد وإدارتها.
- القاسم الثاني: تكلفة التمويل
اليابان تخشى من ارتفاع تكلفة اقتراضها من السوق.
السودان يعجز عن الاقتراض أصلاً، لأن الحروب تقطع صلته بالمؤسسات المالية الدولية.
- القاسم الثالث: الضغط على العملة
الين يتراجع بسبب سياسة مالية توسعية.
الجنيه يتراجع بسبب الحرب وفقدان الإنتاج والصادرات.
- القاسم الرابع: النزيف الهيكلي
اليابان تنزف من “تكلفة الدَّين”.
السودان ينزف من “تكلفة الحرب”.
الفصل الرابع: الفرق الجوهري — طبيعة الخطر تحدد طبيعة الحل
أولاً: اليابان — الخطر مالي ويمكن احتواؤه
اليابان لديها:
مؤسسات قوية
قاعدة صناعية متقدمة
قدرة على التدخل في السوق
احتياطات ضخمة لدى البنك المركزي
واستقرار سياسي يسمح بتعديل المسار
سلاحها الأساسي هو السياسة المالية والنقدية الدقيقة.
ثانياً: السودان — الخطر وجودي وليس مالياً فقط
السودان يحتاج إلى:
وقف الحرب أو وقف إطلاق النار في مناطق الإنتاج
إعادة بناء المؤسسات
استعادة السيطرة على سلسلة الذهب
إعادة إدماج الاقتصاد مع العالم
خطة استثمارية لإحياء الزراعة والحيوان والنفط
الحل يبدأ سياسياً قبل أن يكون مالياً.
الفصل الخامس: ماذا نتعلم من الربط بين النموذجين؟
هذه المقارنة تكشف درساً مركزياً:
الاقتصاد لا ينهار فقط بالسياسات الخاطئة بل ينهار أيضاً عندما تتغيب الدولة ويترك المورد للسلاح بدل المؤسسة.
اليابان تثبت أن المؤسسات يمكن أن تخطئ لكن تصحّح نفسها.
السودان يثبت أن المورد وحده لا يصنع ثروة بلا دولة.
خاتمه
: هل يملك السودان قوة كامنة تتجاوز اليابان؟
عند النظر بعمق إلى النموذجين — اليابان المتقدمة التي تبني اقتصادها على التكنولوجيا، والسودان الغني المفقر الذي تستنزفه الحرب — تظهر مفارقة اقتصادية لافتة: إن القوة الكامنة لاقتصاد السودان تُعد في أصلها أقوى من القوة الكامنة للاقتصاد الياباني، لو توفر الاستقرار وحسن الإدارة.
فالاقتصاد الياباني يعتمد جذرياً على استيراد الموارد الأولية: الطاقة، الغذاء، المعادن، وحتى مدخلات الصناعة.
بينما السودان يمتلك موارد داخلية خام تفوق ما لدى اليابان عشرات المرات:
ذهب — معادن — أراضٍ — مياه — ثروة حيوانية — محاصيل — موقع.
اليابان تبني اقتصادها على “الموارد المستوردة + التقنية”.
السودان يمتلك “الموارد المحلية + التقنية المفقودة”.
وهنا جوهر الفارق الذي يمنح السودان قوة كامنة أكبر:
موارد اليابان ليست في أرضها… أما موارد السودان فهي في عمق تربته.
وإذا أعيد بناء الدولة، ووُضعت إدارة حديثة، وربط السودان موارده بتقنيات العالم، فسيكون أمام قفزة اقتصادية غير مسبوقة — قفزة قد تجعله في مصاف الدول الصناعية خلال عقود قليلة، وربما يتجاوز دولاً مثل اليابان من حيث أمن الموارد وقوة الأساس الاقتصادي.
المراجع الصحفية
- Nikkei Asia – تقارير حول ارتفاع عوائد السندات اليابانية وسياسة الحكومة (2025).
- Financial Times – تحليلات حول هبوط الين وأزمات الثقة في الأسواق.
- Bloomberg Economics – بيانات حول توقعات الفائدة وسياسة تاكايتشي.
- Reuters Africa – تقارير ميدانية عن الذهب والحرب في السودان.
- BBC Africa – تحليل أثر الحرب على الاقتصاد السوداني.
- UNDP Sudan Economic Outlook – تقديرات عن سلاسل الإنتاج والاقتصاد السياسي.
- World Bank Sudan Update – بيانات حول موارد السودان وتعطل المؤسسات.
وبما ان الازمات لا تحل الا بالعمل العزيمه وحسن الاداره اختم المقال يقول الشاعر أحمد شوقي،،، ومانيل المطالب بالتمني،،،، ولكن تدرك الدنيا غلابا
عبد العظيم الريح مدثر
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم