بالأمس القريب ارتحل من رسخ التعايش السلمي ليجعل المسلمية كلها تنتخب وتذرف الدمع مدرارا علي أبنها البار مصطفى عثمان التاجر الصدوق والإنسان الاستثنائي!!..
ghamedalneil@gmail.com
كنت أراه يوميا بعد صلاة الصبح مباشرة يترجل من دراجته عند المخبز ليأخذ حصته من الخبز لمتجره في حي ( فلاتة ) حيث يسكن ، وما ادراك ما حي فلاتة أنه موطن لنفر كرام أجدادهم وصلوا إلي أرض النيلين منذ أعوام عديدة مضت يحدوهم الشوق لمبايعة مهدي السودان وقد سمعوا بظهوره فشدوا إليه الرحال ومنهم من استوطن في بقعة قرب سنار سموها ( مايرنو ) وتعني أرض الهجرة ومنهم من سكن في بقاع أخري من ارض بلادنا الحبيبة وهؤلاء المهاجرون انخرطوا في الحياة السودانية بكل تلاحم مع مضيفيهم وجاءت منهم اجيال وأجيال ولدوا علي أرضنا الطيبة ونالوا هويتها عن جدارة واستحقاق وساهموا في الزراعة وقد عرفوا بالعمل الدؤوب والمثابرة والكفاح والتدين وسماحة الاخلاق كما أنهم مارسوا مهن أخري اجادوها بما عندهم من صبر وفهم وقوة تحمل ونجحوا في التجارة وقيادة اللواري السفرية وحافلات النقل العام ووصلت اجيالهم اللاحقة الي الجامعات وتخرجوا فيها موظفين معتبرين في الخدمة العامة ومنهم من نال ارفع الشهادات من ماجستير ودكتوراه إلي درجة الأستاذية ( درجة البروفيسور ) .
السودان القديم كان معبرا للحجيج القادمين من غرب أفريقيا ومن نيجيريا بالذات وعند عودة حجاجهم من الأراضي المقدسة في طريقهم الي أوطانهم يطيب لبعضهم المقام عندنا فيلقون بعصا التيسار هنا وتصبح بلادنا لهم موطن جديد يعيشون فيه معززين مكرمين يساهمون في تنميته ورفاهيته والدفاع عنه بكل نخوة وكرم .
الراحل مصطفى عثمان يترجل من دراجته ليضع عليها كمية تجارية من الخبز وينطلق بها الي ( كنتينه ) في الحي والمسافة التي يقطعها يوميا كل صباح تحتاج الي مجهود عضلي هائل لأن الحي يقع عند أطراف البلدة وياله من حي يذكرني بما يعرف في امريكا ب ال ( County ) بكل مافيه من إدارة من أهل الحي أنفسهم وتتجلى هذه الإدارة في النظافة بهذا الحي المخطط باحسن مايكون التخطيط وسكانه علي قلب رجل واحد لايوجد بينهم من لا يعمل فكلهم يقدسون العمل ولبعضهم أكثر من مهنة لزوم زيادة الدخل وتحسين الوضع والعيش في أمن وأمان.
الراحل مصطفي عثمان كواحد منهم يقضي الفترة الصباحية في كنتينه الصغير يمد مواطنيه باحتياجاتهم اليومية من البقالة ومن ثم يتوجه الي دكان الأقمشة الذي يديره في السوق الكبير ، وياله من دكان فسيح الإرجاء ، نظيف ، مرتب وفي كامل الأناقة مع عرض ممتاز للاقمشة ، كل صنف يخص الفئات العمرية المختلفة للنساء والرجال والأطفال.
وعند باب الدكان يرابط محمد نور الترزي الذي يقوم بمهمة الحياكة والتفصيل علي احدث مايكون ويوجد في ارقي بيوتات الموضة العالمية.
الراحل مصطفى عثمان نشهد له بأنه لم يغادر المسلمية مغتربا بالخارج وظل مرابطا يقدم خدماته للجميع بابتسامة لا تعرف الملل وقد اشتهر بامانته حتي أن الكثيرين صاروا يودعون عنده أموالهم ومقتنياتهم النفيسة فتكون عنده في الحفظ والصون وكان لايرد مشتريا إذا لم يكن ماله كافيا ويتساهل معه الي أقصي درجة ممكنة كما أنه لم يكن يضايق المدينين لديه ويصبر عليهم وربما يعفي لهم دينه إذا راي فيهم شيئا من الإعسار الشديد !!..
رحم الله سبحانه وتعالى أخانا وصديقنا وعمنا مصطفي عثمان هذا الإنسان البشوش الراقي التاجر الصدوق الذي منحه أهل المسلمية لقب ( سر التجار ) عن جدارة واستحقاق !!..
ورحل ابن المسلمية البار مصطفى عثمان بالأمس الخميس الثاني من اكتوبر وتمت مواراة جسده الطاهر بعد صلاة الظهر في مقابر المسلمية وقد خلف وراءه جرحا عميقا واسفا عظيما !!..
اللهم أغفر له و ارحمه واجعل قبره روضة من رياض الجنة . و ( إنا لله و إنا إليه راجعون ) .
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين .
حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي .
المسلمية ( ودنوة ) .
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم