بدرية سليمان: توظيف القانون للاصطفاف والإقصاء واكتساب الشرعية

عبد القادر محمد احمد/ المحامي

في مقالها «المجلس التشريعي الانتقالي.. رؤية قانونية»، تناولت د. بدرية سليمان موضوع إنشاء المجلس بوصفه استحقاقًا دستوريًا وفق الوثيقة الانتقالية وتعديلاتها، وضرورة لاستكمال هياكل الدولة، وترى غموض عبارتي: «أطراف العملية السلمية» و«القوى الوطنية الأخرى» والحاجة إلى تعريف قانوني. وتدعو إلى تشكيل المجلس بالانتخاب، وسنّ قانون خاص ينظم تعريف الأطراف، بما يضمن تمثيلًا شاملًا.

حاولتُ قراءة المقال بمعزلٍ عن تاريخ بدرية التشريعي والسياسي، غير أنّني وجدت فيه محاولةً واضحة لإعادة إنتاج النهج ذاته؛ عبر توظيف القانون كأداة في الصراع السياسي. وسأبيّن ذلك من خلال تفكيك طرحها المقدم بوصفه «رؤية قانونية»، للكشف عن بنيته وتأثيره على المشهد العام:

أولًا: إنشاء مجلس تشريعي انتقالي، ليس استحقاقًا دستوريًا. فقد وُقّعت الوثيقة الدستورية بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير كمرجعية حاكمة للفترة الإنتقالية، والتي تم قطعها بانقلاب أكتوبر الذي عدل هياكل السلطة وأدخل تعديلات جوهرية على الوثيقة، أفضت إلى الغاء الشراكة وهيمنة المكوّن العسكري على السلطات السيادية والتنفيذية والتشريعية.

كما أنّ سلطة الأمر الواقع هي التي أجرت تلك التعديلات، بالمخالفة للوثيقة التي حصرت حق التعديل للمجلس التشريعي. وبذلك تنتفي مشروعية التعديلات، ويصبح الإبقاء على الوثيقة مجرد توظيف سياسي لمنح الانقلاب غطاء شكلي كامتداد للمرحلة الانتقالية الثورية.

ثانيا: تقول د. بدرية، بغموض مصطلحي “أطراف العملية السلمية” و”القوى الوطنية الأخرى” وتضيف: ( إطلاق العبارتين هكذا لا يقودنا للنتيجة الدستورية المرجوة وهي أن يمثل ذلك المجلس فئة معينة لها مشاركة واضحة في العملية السلمية وتكون من القوى الوطنية الأخرى التي لها سهم واضح في المشاركة في استرداد الكرامة بعد الهجمة الشرسة من القوى المتمردة والجهات الداخلية والخارجية الداعمة التي هدمت واغتصبت وسفكت الدماء وهجرت المواطنين وتسببت في نزوحهم وفقدان الأرواح والأموال والكرامة الانسانية.) إنتهى.

يلاحظ أن النص الخاص بتكوين المجلس في الوثيقة قبل الانقلاب، كان يعطي نسب محددة لقوى الحرية والتغيير، ولأطراف العملية السلمية الموقِّعة على اتفاق جوبا. لكن بدرية الان تصف عبارة “أطراف العملية السلمية” بالغموض لكي تقصي الحركات الموقعة على اتفاق جوبا المتحالفة حاليا مع الدعم السريع باعتبارها “القوى المتمردة”. وتصف عبارة “القوى الوطنية الأخرى” بالغموض لكي تقصي كل القوى المدنية الرافضة للحرب باعتبارها “الجهات الداعمة”.

وهكذا تمارس بدرية الإقصاء العلني باسم القانون، في مخالفة لمنهج التفسير الذي يلتزم بعمومية النص ومبدأ الشمول، وذلك عبر إنتاج تعريف يقود إلى نتيجة حدّدتها سلفًا. وهو تفسير لا يعدو أن يكون فعلًا سياسيًا قائمًا على الاصطفاف في الحرب، يجعل «المشاركة في استرداد الكرامة» شرطًا لعضوية المجلس ومكافأةً على الولاء للنظام. وهنا ينزلق الغموض الاصطلاحي إلى إقصاء سياسي صريح، من خلال تعبيرات تعبويّة مشحونة عاطفيًا مثل: «القوى المتمردة» و«الجهات الداعمة» و«الهجمة الشرسة» و«هدمت واغتصبت».

ثالثا: تقول بدرية أنه ليس في القوانين السارية ما يسعف في تحديد من يمثل “السودانيين الوطنيين الحادبين على مصلحة البلاد وشعبها”، وقد عجزت عنه النصوص الدستورية. بالتالي الأمر يحتاج لقانون خاص يوضح المقصود ب (أطراف العملية السلمية والقوى الوطنية الأخرى).

لعمري، هذا القول يقوم على خللٍ بنيويٍّ سياسيٍّ وقانوني؛ فتحديد “من هو الوطني” و“من هو غير الوطني” عمل أخلاقيٌّ موجَّه للكيد السياسي والإقصاء. المشكلة ليست في مبدأ تقييد الحقوق السياسية بحكمٍ قضائي في جرائم محددة، لكن لا يتصوّر دستور أو قانون ينص على إقصاء “غير الوطنيين” أو من لم يشاركوا في “معركة الكرامة” أو “غير الحادبين على المصلحة العامة”، فهذه أوصاف سياسية وقيمية لا معايير قانونية موضوعية.

صحيح، الوثيقة الانتقالية حرمت مشاركة المؤتمر الوطني، لكن كتقييد سياسي وقانوني مؤقت، باعتباره الحزب الذي قامت ضده الثورة، ولوجوب إزالة تمكينه. أما تعريف «من هو الوطني الحادب على مصلحة البلاد» فمسألة أخلاقية مزاجية لا مكان لها في النصوص، وإدراجها في الدستور أو القانون يحوّلهما إلى أدوات تصنيف وإقصاء سياسي مفتوح.

رابعا: أما الدعوة إلى تكوين المجلس عبر الانتخاب، فهي تصب في ذات الاتجاه غير الشفاف الذي يستغل القانون لخدمة السياسة. فواقع الحال يقول بعدم وجود سجل انتخابي حديث، وانه لا يمكن إجراء انتخابات في ظل الحرب وسيطرة الدعم السريع على بعض المناطق وتهديد الأمن في خارجها.

خامسا: انشاء المجلس التشريعي في الواقع الراهن، لن يسبغ اي مشروعية على سلطة الأمر الواقع. لقد كان النظام الانتقالي يستمد مشروعيته من لحظة تأسيس ثورية عبّرت عن إرادة شعبية عامة، ومن وثيقة دستورية توافقية. وحتى وجود نقاشٍ حول مدى اكتمال هذه المشروعية تاريخياً، لا يجعلها محل تجاذب بين الشعب وسلطة الانقلاب، إذ يظلّ الجدل داخل الإطار المدني الانتقالي.

أما الانقلاب العسكري، فهو ينشأ خارج المرجعية الدستورية، ومن ثم فإن أزمته ليست في نقص المشروعية فحسب، بل في انعدام سندها التأسيسي.

أخيرا: لا يهدف هذا المقال إلى الدعوة لإنشاء مجلسٍ بلا إقصاء، بل إلى كشف النهج غير المبدئي في الطرح المسمّى «رؤية قانونية». فحتى لو جاء تشكيل المجلس شفافًا، فلن يضفي شرعية على الانقلاب؛ فالمشروعية تُبنى على الرضا العام والتوافق ومرجعية دستورية سليمة، لا على استكمال مؤسسات في سياق مختلّ الأساس.

إن “الرؤية القانونية” للدكتورة بدرية تعرّض بلادنا لمزيد من الاستقطاب والانقسام، خاصة في ظل الاضطرابات التي يشهدها العالم اليوم، وفي واقع أصبحنا فيه ساحةً مفتوحة لتجاذبات إقليمية ودولية، بما يرسّخ هشاشة الدولة ويشكل وقودًا إضافيًا لأزمة لم تعد تحتمل المزيد. في مثل هذا المشهد، يصبح الانضباط الأخلاقي في الخطاب السياسي والقانوني ضرورة وطنية قصوى.

علينا أن نتقي الله في أنفسنا ووطننا وأهله، وأن ننصح الحاكمين بما يفتح لبلادنا أبواب الخروج من أزمتها. إن تشكيل مجلس تشريعي في ظل الحرب لن يزيد المشهد إلا تعقيدًا وتشظيًا.

إن المخرج الجاد يبدأ بوقف الحرب وفق الترتيبات الضرورية، ثم الانخراط في مسار سياسي يحقق التوافق الوطني العام. ولا يبدو أنجع من السعي إلى عقد اجتماعي تأسيسي جديد، يؤسس لشرعية مستمدة من الإرادة الشعبية، ويعالج في آنٍ واحد جذور أزمتنا التاريخية والراهنة.

aabdoaadvo2019@gmail.com

عن عبد القادر محمد أحمد/المحامي

عبد القادر محمد أحمد/المحامي

شاهد أيضاً

القوى المدنية: غياب سببه الخلط بين الاندماج السياسي ووحدة الصف الوطني والتنسيق

عبد القادر محمد أحمد / المحاميaabdoaadvo2019@gmail.com في تصريح لوسائل إعلام عالمية، قال د. حمدوك إن …