محمود عثمان رزق
15 مارس 2026
التتبير في اللغة العربية هو التدمير الشامل والكامل الذي يستأصل الحياة وأهلها ويكسر شوكتهم، فإذن هو ليس تدمير جزئي يمكن من بعده إعادة الترميم والرجوع للحالة الأولى. فالتتبير هو تفتيت الشيء بحيث لا يمكن إعادته لسيرته الأولى، ونجد أن القرآن الكريم هذا الكتاب المدهش قد استخدم هذه الكلمة في عدة مواضع يصف بهاء فناء أمم حق عليهم العذاب فتلاشوا من وجه الأرض فقال في سورة الأعراف : ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقوله: ﴿ وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ ۖ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ وكذلك استخدمها كوعيد وتهديد لبني إسرائيل في قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾.
ومن العجيب أنّ هذه الآية التي توعدت بني اسرائيل قد حددت أيضاً نوع السلاح الذي به يتم تتبيرهم وهلاكهم وهو سلاح يأتي من الجو وهذا متضمن في كلمة واحدة هي (ما علوا) كسلاح الطيران الذي يعلو فوق رأس العدو، أو مسيرات أو صواريخ أو مدفعية بعيدة المدى تأتي من الجو، أو قنص من أماكن مرتفعة وكل هذه الاسلحة تدخل في مفهوم كلمة (ما علوا) والبلاغة هي تضمين المعاني الكثيرة في كلمات قليلة فسبحان الله منزل القرآن ومعلم الإنسان.
بهذه الايات يرسي الله تعالى قانونا كونياً يبشر به المستضعفين أن عاقبة الظالمين لهم هي التتبير مهما طغوا وتجبروا وتكبروا وعلو في الأرض علواَ كبيراً. ونفس القانون استخدمه الله تعالى في حق قوم فرعون الذين علوا في الأرض من قبل فقال تعالى: ” إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ* فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ *فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَن ( فإذن عاقبة كل من علا وتجبر هو التتبير والاستئصال من على وجه الأرض وزوال اسمه وملكه ورسمه. والتاريخ الإنساني القديم والحديث الذي كتبه علماؤهم يصدق هذه الآيات بشدة. فقل لي بربك أين ثمود وأين عاد وهود وفرعون وبريطانبا العظمى وفرنسا وألمانيا والإتحاد السوفيتي ودولة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا ….الخ؟ أين هم؟
والتتبير يكون بسبب مكرهم وخططهم وأطماعهم وبطشهم وقوتهم وفي ذلك يقول الله تعالى : (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ* فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) وعليه ندعو العالم أجمع والعالم الإسلامي على وجه الخصوص أن يستعد ويتزين لاستقبال مرحلة عالمية جديدة يكون فيها هو اللاعب الأساسي يبسط فيها سلطانه وينثر فيها وروده وأزهاره وقيمه ومبادئه ونظرياته ليخرج بها الناس من عبادة العباد لعبادة الواحد القهار، ومن تحريف الأديان ودجل الآيدلوجيات الحديثة لعدل الإسلام وحقائق الكون والأنسان، وما ذلك على الله ببعيد والتاريخ يشهد وكفى بالله شهيدا، والمستقبل لهذا الدين وأهله مهما طال الليل وكثر المرجفون في الأرض أصالةً ووكالةً.
mahmoudrizig3@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم