عندما أخلو الي نفسي في بعض الأحيان ، وكم في الخلوة من فوائد من سحر الأسفار في تخوم الغيب أو تصفح ملفات الماضي أو دراسة مسائل ظروف الحاضر المتشابكة . وحتى أثناء النوم واليقظة هناك من المواقف والأحداث التي تظل تزور صاحبها صغرت سنه أو كبرت، قاطنا مسقط راسه، أو حتي جوالاً في أرض الله الواسعة. من المحطات الكبيرة في حياة كل إنسان “المدرسة” بداية من الابتدائية وحتي الجامعة. هكذا دوما ً لا أنسي مراحل تسلقي عتبات سلالم مراحل التعليم المختلفة، وهنا أخص بالقول تذكري وجوه معلمين كانوا أنجما أضاءت سماء وجودي وغيري بل تعمقت تضيء ظلمات أحاسيسي كلها ومشاعري وظلمات كل المساحات التي كانت وراء دهاليز الجهل والخرافة. هنا قدمت الغيب لأن كلنا ينتظره ربما في حيرة أو غفلة عن موعده ” الحقيقة الغائبة”، أما عند العقلاء فله رهبة لما فيه من صراع بين التمني والرجاء وأكوام من تراكم الآمال العريضة وضدها فى نفس الوقت الخوف من الموت ومجهول ذلك الغيب (فالله فقط بسره أعلم). ثم اتبعته بالماضي لأنه مرحلة وإن انقضت بخيرها وشرها ففيها من المحطات الهامة التي تستوجب دائماً الرجوع للوقوف عندها ومراجعة حساباتها. التاجر الذي لا يراجع حسابات دكانه السنوية لا أعده تاجراً جاداً ومحترفاً. أما الحاضر فللأسف هو معضلة العصر لأن الظاهر منه والمحسوس يبعثان الخوف من كل ما يتعلق بما سيأتي به الغيب فيظل هكذا المرء يعاني من استدامة العذاب النفسي والجسدي من جروح ماض عصيب من السنين المدلهمة وحاضر معقدة مشاكله غلب علاجها الطب والطبيب
رغم هذه المقدمة القاتمة فقد سرني خبر العودة إلي تطبيق المرحلة المتوسطة في نظام التعليم السوداني. هاجت شجوني واستيقظت من سباتها ذاكرة السنين الغابرة ومن ثناياها جالت بذهني كيف بدأت رحلتي في بداية السابعة من عمري بمدرسة بربر الشمالية الأولية، أول مدرسة أسسها البريطانيون بعد هزيمتهم لجيش الخليفة عبدالله. تخرج فيها الرعيل الأول من مشاهير بربر وابناء أريافها على سبيل المثال البروفيسور أحمد محمد الحسن ساكتابي ، حفظه الله وأبقاه، أستاذ كرسي علم الأمراض بجامعة الخرطوم ومن السفراء أحمد مختار أحمد التاي وبشير الأحمدي وحافظ عبدالرحمن أبوعاشة البروفيسور احمد شبرين والبروفيسور مجذوب رباح والأستاذ خالد علي شبرين وشقيقنا شيخ مجذوب والأستاذ أحمد صالح ثابت , عليهم جميعا رحمة الله.بعدها تذكرت المراحل المتوسطة والثانوية ولحسن الحظ كلها كانت موجودة بالمدينة نفسها فكانت سعادتنا في العيش مع والدينا رحمهما الله والأقارب الكثيرين ببربر العامرة وقتها بالاستقرار المجتمعي والاقتصادي وذروة النشاط السياسي و الرياضي والثقافي.
الحديث قد يطول إذا أريد أن أعدد مزايا كل من تلك المراحل أو المعلمين وكيف كان لكل منهم من المزايا والكاريزما ما جعلتنا أبدا ًلا ننساهم. بل كنا نحظى ونحن بالمرحلة المتوسطة بمعلمين جاؤونا في شبابهم الباكر وكانوا كالجواهر المضيئة يتدفق الشعر وبلاغة الأدب من أفواههم والبهجة والسعادة كنا نراها على وجوههم . كنا ننتشي خلال حصص تدريسهم (كمثل نشوة المرحوم الأستاذ محمد وردي عندما كان يغني لنا على خشبة سينما حسن موسى ببربر “صدفة والحِبّيب قلبو طيب والليلة يا سمرا والقمربوبا” والنشوة هكذا كانت تستمر معه حتى ساعات الصباح). لكن للأسف سرعان ما يغادرون وكنا نحزن ولا ندري لماذا، لكن علمنا لاحقاً أن هذا المستوى المميز الشاب يجد فرصة للمزيد من الدراسات العلمية فيسافرون إلي أروبا. أذكر من الذين درسونا لفترة قصيرة بالمتوسطة الأستاذ عثمان الحوري (وهو من حلة جادالله ببربر غربي النيل)، كان ساخرا وقلقاً ، درسنا لفترة قصيرة لغة انجليزية بالصف الثالث. أما ناظر المتوسطة إن ذكر فهو كان بنفسه ومكانته المرموقة يمثل سلطة اقليميه، له وزنه في المجتمع مشاركا القضاة والأطباء والمسؤلين الإداريين وطباط البوليس وزعماء العشائر والمدينة في كل الأنشطة الرسيمة والإجتماعية.
هكذا تذكرت على عجل قدماء معلمينا وأنا أشاهد مقابلة تلفزيونية مع الأستاذ المعلم والشاعر القامة محمد الفاتح فهو يمثل لي حضورا من هم مثله من المعلمين المحترمين ، بل آباء ومربيين كانوا وجوها نيرة وأسماءا لها سمعة طيبة وتقدير. يدرسون المادة يجيدون مخلصين لوجه الله ، وكذلك يبذلون كل الجهد في تربية وترقية تلاميذهم هدفهم ليس فقط النجاح بإحراز أعلى الدرجات بل أيضا النجاح في مستقبل الحياة بمفهومها الشامل الصحيح وتربية النشء ليكون هو المواطن الانسان القدوة المستقيم في سلوكه وادائه. كان معلمونا هكذا ولا غرابة عزيزي القارئ لو قلت لك كنا نسمع عن معلمين فاقت سمعتهم آفاق مراكز تدريسهم وتصلنا شهرتهم ٬حتى شمالنا القصي. كنا نسمع عن الأساتذة طلسم وملاسي بعطبرة الثانوية وعبدالباقي محمد ومحجوب عمر باشري بالخرطوم الثانوية والأستاذ الهادي آدم بحنتوب والأستاذ عمر مدثر الحجاز )المشهور بعمر ماثماتيك( في كل العاصمة والأستاذ عبدالقادر كرف ولا أنسي الدكتور البروفسور عبدالله الطيب والدكتور أحمد الطيب عليهم جميعا رحمة الله وبركاته.
اليوم الحالة صارت غير وقد تحولت كل عجلات امور ومتطلبات الحياة عندنا بل كل العالم فى اتجاه معاكس متسارعة قفزات عالمه فصارت “كودات”، معادلات رقمية وشفرات معقدة يحتاج حلها إلي عقول تواكب متطلبات العصر. صار التلميذ فى المدرسة الابتدائية يعتمد على الآيباد في مراجعة واستذكار دروس يومه بل بعض الأحيان مواصلة التعليم من على البعد. وهكذا رغم التطور التقني الهائل سيفتقد جيل اليوم تلك العلاقة الحميمية الأبوية إضافة إلي غزارة الإنتاج العلمي والتربوي الذي كان جيلنا زمان قد حظي به وبالمجان. مع عودة المرحلة المتوسطة لتصحيح مسار السلم التعليمي في السودان أرجو كذلك عودة نوعية وكفاءة الأستاذ الأب المعلم المربي المناسب لهذه المرحلة العمرية المهمة لتنمية شباب يستفيد الوطن من طاقاتهم وايضا ليساهمون بابتكاراتهم ومفاهيم جديدة يأتون بها تدعم نهضة الوطن . ليت زمن اساتذتي الجميل والتعليم للجميع بالمجان يعود باسرع وقت. وبعد ما فات الأوان أحلم بمعلم تجتمع فيه المعرفة بحداثة العلوم وطرق التعليم المتطورة المعاصرة والقادمة وكل ما يناسب عاداتنا وتقاليدنا وان تجتمع فيه عراقة وهمة وصدق وإخلاص معلمينا القدماء. يا رب تقبل الدعاء
drabdelmoneim@gmail.com
////////////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم