“بل بس” ليست طريقاً إلى الجنة

يواجه السودان أشباحَ ماضيه بوجوهٍ جديدة.
الحركة الإسلامية (الكيزان) تعود بخطابٍ فقد زمنه؛ تُخرج من رماد الهزيمة كلماتٍ صدئة تشبه أصواتاً سمعناها من قبل: من بن لادن إلى حسن نصرالله إلى إسماعيل هنية، وإلى البشير ذاته. لغة متورّمة تخلط بين الدين والسياسة، بين الله والسلطة، وتلبس القتل ثوب الرسالة.
يرفضون وقف الحرب لا لأنهم شجعان، بل لأن السلام يُقصيهم. يخافون أن يولد السودان الجديد من دونهم، وأن تنكشف هشاشتهم أمام جيلٍ ما عادت تُشتّت ذهنه روايات «التمكين». العالم تغيّر، والمشروع الذي رفعوا “جلالاته” واعتاشوا منه صار تهمة.
في هذا الشرق الذي يُعاد ترتيبه بأيدٍ عربية ودولية لتجفيف منابع التطرّف، سقطت رايات داعش، وتآكلت عنترية إيران، وتصدّعت أوهام حزب الله، وها هي حماس تُفكّك في العلن. لم يعد في هذه الأرض مكانٌ لمليشيا تحتكر اسم الله وتذبح باسمه. مع ذلك، لا يزال كيزان السودان يظنون أن الخراب طريقٌ إلى الجنة، وأن صليل الرصاص صلاةٌ يقبلهت ربّ الناس.
في خضم هذا الهوس، خرج البرهان من أم درمان بخطابٍ يعيدنا إلى الظلال القديمة القاتمة. يتحدث عن «دول البغي والاستكبار» ويَعِدُ بانتصارٍ إلهيّ على «أعداء الأمة»، فيما مساعده ياسر العطا يسخر من مبادرة الرباعية بعبارةٍ متعجرفة: «بل بس».
حتى وزير الخارجية الذي يُفترض أن يكون وجه السودان ولسانه الحكيم للعالم، خرج بخطابٍ عدائيٍ ضد المجتمع الدولي، كأنما يختار العزلة عن قصد، في لحظةٍ يحتاج فيها البلد إلى ذراع العالم لا إلى عزلته. أما رئيس الوزراء كامل إدريس فغائب كالعادة «في خدرو ودلالو».
يعيدون خطاب الاستعلاء واستعداء الخارج قناعاً للعجز ومهرباً من الحقيقة. فكلما ضاق عليهم الداخل اخترعوا عدوّاً خارجيّاً، وكلما اقتربت ساعة حسابهم أشعلوا حرباًجديدة. الحرب ليست خياراً استراتيجياً لهم بقدر ما هي مشروع بقاء. أما السلام فانتحار سياسي في قاموسهم، لأنه يفتح ملفات المحاسبة عن عقودٍ من القمع والنهب والدم.
مع ذلك؛ ورغم كل الأهوال، تغيّر السودان. تغيّرت المدن التي احترقت ولم تمت، وتغيّر الناس الذين يخرجون من تحت الركام أكثر وعياً. الدم الذي سال في الشوارع صار بياناً حكيماً وشديد الوضوح ضد الكراهية، وصوت الشعب بات أبلغ من خطب المساجد.
لن يقبل السودانيون بعد اليوم أن يحكمهم من يظن نفسه صورة الله وظلّه على الأرض. سيتم جرّهم إلى ساحات العدالة عاجلًا لا آجلًا. لكن العدالة لا تعني الانتقام؛ إنها وعدُ الدولة الحديثة التي في ضمير الثوار… تبني ولا تهدم.
الخراب ليس طريقاً إلى الجنة ولن يكون. من أرادها بالسلاح فقد ضلّ الطريق مرتين؛ حين أساء فهم الدين، وحين ظنّ أن الشعب سيغفر له. السودان سيخرج من النار ولن يعود إليها، ما دام صوت شعبه يقظاً وضميره حيّاً، والجنة التي نطلبها في كلّ صلاة ليست في السماء وحدها، بل في وطنٍ يعيد للسودانيين كرامتهم، وللدم قيمته، وللوطن اسمه.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …