بواخر السودان؟ (1) أين في الليل مقعدي؟ .. بقلم: د. مرتضى الغالي
5 مايو, 2018
د. مرتضى الغالي, منبر الرأي
30 زيارة
طوال السنوات الماضية نسمع ونقرأ بين يوم وآخر عبر المواقع الإسفيرية ووسائط الإتصال العديد من الملاحم الطويلة والموالات الحزينة عن المآلات المفجعة التي إنتهت اليها العديد من مؤسسات الوطن وهيئاته وموارده في مختلف المجالات والحقول والمناطق! تلك الذخائر والمعالم التي ضربتها رياح صرصر عاتية وطاف عليها طائف من الجن فأصبحت كالصريم! ومن هذه المعالم (الخطوط البحرية السودانية) التي ذابت وضاعت معها بواخر السودان التي تحمل أسماء حواضره وبواديه وإرثه وأنفاس حضارته بين العالمين! وميزة هذه الملاحم الحزينة والنعي الصادق لهذه الموارد أنها ليست بكائيات ومناحات وعواطف هوائية ساذجة، وإنما هي ملاحم تحتشد بالأرقام والمعلومات والبيانات والرصد الأمين الذي يقوم به عارفون من أهل الغيرة الوطنية والعلم والمعرفة، من الذين كانوا يعملون في هذه الهيئات والمؤسسات أو كان مجالها يقع ضمن تخصصهم العلمي، أو كانوا ممن يعرفون أوضاعها وتاريخها من موقع المتابعة اللصيقة؛ فنحن إذن نتحدث عن (رصد مسؤول) ولا نتحدث عن شائعات و ترّهات أو (استقصادات ذاتية) وخطرفات يطلقها باحثون عن الشهرة أو هواة يترصّدون المثالب!
ومن بين هذا المفقودات خطوطنا البحرية وبواخرنا التي كانت تمخر أعالي البحار وأدناها، وهي تزرع العباب جيئة وذهاباً وعلى هاماتها علم السودان، تجوب الموانئ القصيّة وهي تحمل المنتجات الوطنية والصادر والوارد والسمعة الحسنة! وحتى الآن لا يعلم أحد ماهي الحكمة في بيع البواخر وتدمير الناقل البحري الوطني؟! هذا هو السؤال المحيّر الذي لن تجد له جواباً.. لماذا جرى ما جرى ياترى! هل يمكن أن يكون بيع البواخر من أجل الاستفادة بثمنها في ما هو أهم منها؟ أيكون من أجل مصلحة خاصة تعود لفرد أو أفراد؟ هل يكون مجرد نزوة ولهو، أم هو أمر متعمد من أجل تخريب هذا المرفق الهام من باب المكايدة لشخص أو جهة أو وطن؟ هل يمكن أن يكون البيع قد تمّ في غيبة عن عيون الدولة؟ أم يكون قد تمّ بالتواطوء مع جهات خارجية ولمصلحة خطوط وشركات أخرى؟ قل ما شئت ولن تجد جواباً يريح البال عن هذا الذي جرى وضاع معه تراكم خبرات وتجارب، وعلوم ومعارف وأكاديميات، واقتصاد ومال، وآفاق تطور وعلاقات، ومصالح وطنية، وسمعة عالمية، وصداقات شعوب وموانئ، وعوائد وعملات صعبة، وصادر ووارد، واستثمارات وسياحة ..الخ
لقد روى كثيرون فصولاً شجية تفيض بالمحبة للخطوط البحرية وهي تنعي تراكم خبرات إنقطع، ومورد خير جفّت منابعه، ومسيرة نجاح لم يُرد لها أن تتواصل.. وتدفقت الحكايات التي تقطر بالأسى وتستنطق الصخر على فقدان السودان لبواخره (واحدة تلو الأخرى) وما تبع بيعها من إنهيار للخطوط البحرية، وانسحاب ذلك على الموانئ وعلى تكلفة صادرات البلاد ووارداتها، وعلى فقدان العملات الصعبة، وعلى الكلفة العالية التي يتكبدّها الوطن مقابل تأجير بواخرالآخرين! والمحزن أن الخطوط البحرية لم تكن (بائرة خاسرة) بل كانت (رائدة ناجحة) ملء أسماع الدنيا، ثم إذا بها الآن تعرض عقاراتها ومقار إدارتها للإيجار.. ولا عزاء لإدارييها ومحاسبيها وكباتنها وقباطنها رواد المجاهل.. ولله ما أعطى ولله ما أخذ!
murtadamore@yahoo.com