بيان احتساب حمدي … مرثيةٌ أم تاريخ؟! .. بقلم: د. محمد عبد الحميد/أستاذ جامعي
18 أبريل, 2021
محمد عبد الحميد
133 زيارة
احتسب وزير المالية الحالي د. جبريل ابراهيم وطاقم قيادة وزارته د.عبد الرحيم حمدي بكلمات كأن الوزير الحالي قد تسلم هذه الوزارة بالأمس من سلفه الراحل عبر عملية تسليم وتسلم في إطار مؤسسي. أو كأن الوزير الحالي يتحسر على فراق سلفه الذي هيأ له الوصول لسدة هذه الوزارة كتعبير عن إمتنان له لا للثورة ولا للثوار الذين صبروا على نظام حمدي ثلاثون عاما.
جاء تأكيد الوزير في بيان إحتسابه أن سلفه تولى دورتين في عمل الوزارة، وأنه من الاقتصاديين الذين وضعوا بصماتهم في مسيرة الإقتصاد السوداني.
ليت بيان الاحتساب اكتفى بالتعبير عما يجيش بدخيلة الوزير الجديد وطاقمه من حزن على فراق رجل عرفوا فيه من الصفات والشمائل ما جعلتهم يشعرون بالمرارة لفقده، فذلك هو بالضبط شأن المرثيات، تمجد الراحلين، وتنسب إليهم فضائل الأعمال، وتريح النفس من عنت الفراق. غير أنهم أكدوا في البيان أن الوزير الراحل قد (شهدت وزارة المالية في عهده بحسن الإدارة في وضع السياسات الرشيدة والقرارات الحكيمة). وهذا ليس من شأنهم، وإنما من شأن التاريخ، الذي يأبى اغداق المدح على الراحلين إلا بما هو جدير بأن تحتفي به السجلات من عظائم الأعمال، ونبل المواقف والمقاصد.
فلو اكتفى وزير المالية الحالي وطاقمه بمدح فقيدهم بأنه كان طيب المعشر، ويحترم قادة الوزارة، لما رأى في ذلك المرء أي نوع من المآخذ، فقد يكون ذلك تبعاً لشعور يجتاح الإنسان في حالة استحضار جلال الموت وهيبته ، واتساقاً مع عرف ديني يحض على ذكر محاسن الموتى. أما وصف سياساته بالرشيدة وأن قراراته اتسمت بالحكمة، فذلك أمر يختلف الناس فيه بحكم اختلاف المدارس في علم الاقتصاد. وقبل ذلك في الأسس الأخلاقية التي يعتلي بها متقلدو المناصب الوزارية مناصبهم، فالدورتين اللتين أقرهما البيان قد اعتلاهما الوزير الراحل كانتا ضمن نظام ديكتاتوري قمعي أذاق الناس المسغبة والهوان. ولعل فيما يبدو أن الوزير الحالي الذي إعتلى سدة الوزارة في أعقاب الثورة المجيدة، لم يكن من عداد أفراد الشعب الذين إضطروا لبيع أثاثات أو ابواب أو شبابيك منازلهم وبعض مقتنياتهم كي يمتصوا ما أصابهم من الصدمة التي جلبتها سياسات الوزير الراحل و قراراته ، بعد أن اسلم البلاد لسياسة تحرير اقتصادي اطلق فيها العنان لميكنزمات السوق. وأخفى الدولة من أي دور حمائي. و عوّم بها العملة، ووعد بعدها أهل السودان بالفرج والرخاء العميم شريطة أن يربطوا على بطونهم أحزمة الصبر. دون أن يُراعي انعكاسات ذلك على فقراء البلاد الذين يشكلون السواد الأعظم من السكان. فقد كان يمنيهم الأماني بإزالة ” تشوهات الإقتصاد وتحريك عجلته ” … فما نالهم من بعد ذلك نائل غير الذل والمسغبة التي عانوا منها وما إنفكوا منذ ذلك الوقت والي حين أدركته الوفاة حتى كادت بطونهم تنطبق على ظهورهم من شدة طول أمد ذلك الربط المقيت.