دكتور محمد عبدالله
muhammedbabiker@aol.co.uk
في لحظات الأزمات الوطنية، لا تُقاس الزيارات الرسمية بعدد الاجتماعات ولا بطول البيانات المشتركة، بل بما تتركه من أثر في قلوب المواطنين. ومن هنا أثارت زيارة رئيس وزراء حكومة بورتسودان إلى القاهرة، بحسب ما تداولته منصات إخبارية سودانية، جدلاً واسعاً، لا بسبب ما أُنجز فيها، بل بسبب ما لم يُطرح على الطاولة.
التقارير المتداولة تشير إلى أن رئيس الوزراء رفض التدخل لدى السلطات المصرية من أجل إطلاق سراح عدد من السودانيين المحتجزين في السجون المصرية على خلفية مخالفات متعلقة بأوضاع الإقامة. ووفق تلك الروايات، فقد أبدى تذمراً واضحاً عندما طُلب منه إثارة هذا الملف، مؤكداً أنه جاء إلى القاهرة بأجندة محددة ولن يغيرها.
قد يكون من حق أي مسؤول أن يضع أولويات لزيارته الخارجية، وأن يلتزم بخطة عمل تم إعدادها سلفاً. فالعمل الدبلوماسي لا يقوم على الارتجال، بل على الترتيب المسبق والتفاهمات المعقدة. لكن السياسة، في جوهرها، ليست إدارة ملفات فحسب، بل هي أيضاً استجابة للنبض الشعبي، ووعي بحساسية اللحظة.
السودانيون الذين دفعتهم الحرب إلى النزوح خارج حدود بلادهم يعيشون ظروفاً قاسية، تتقاطع فيها الحاجة بالأمل، واللجوء بالقلق الدائم من الإجراءات القانونية. وأي مواطن محتجز في دولة جاره بسبب أوضاع إقامته – سواء أكان مخطئاً أم ضحية تعقيدات الواقع – يظل في نظر أسرته جزءاً من مسؤولية الدولة التي ينتمي إليها. هنا يصبح السؤال أخلاقياً بقدر ما هو سياسياً: هل يمكن فصل “الأجندة الرسمية” عن معاناة الأفراد؟
قد يرى رئيس الوزراء أن العلاقات الثنائية بين الخرطوم والقاهرة تمر بمرحلة دقيقة، وأن إثارة ملف المحتجزين في توقيت معين قد لا يخدم أهدافاً أكبر تتعلق بالاقتصاد أو الأمن أو التنسيق السياسي. هذا تقدير مشروع في عالم السياسة. غير أن طريقة التعبير – إن صحت روايات الغضب والتذمر – هي ما أزعج كثيرين. فالمواطن الذي يشعر بأنه متروك لمصيره لا يعنيه كثيراً ترتيب الأولويات بقدر ما يعنيه الإحساس بأن حكومته تراه وتسمعه.
الدبلوماسية الناجحة ليست فقط في تثبيت العناوين الكبرى، بل في إدارة التفاصيل الإنسانية الصغيرة. بل إن تلك التفاصيل هي التي تمنح السياسة معناها الأخلاقي. وكان يمكن – حتى مع الالتزام بأجندة محددة – الإشارة إلى الملف في إطار إنساني هادئ، أو الإعلان عن متابعته عبر القنوات القنصلية المختصة، دون أن يتحول الأمر إلى موضع شد وجذب.
الزيارة، في المحصلة، تعكس معضلة أعمق تعيشها الدولة السودانية في ظرفها الراهن: كيف توفق بين إدارة أزمة وطنية شاملة، وبين الاستجابة لمطالب الأفراد الذين تفرقت بهم السبل خارج الحدود؟ وكيف تحافظ على تماسك خطابها السياسي، دون أن يبدو هذا الخطاب بارداً أمام معاناة مواطنيها؟
ليست القضية هنا في انتقاد شخص بعينه، بل في طرح سؤال جوهري حول معنى المسؤولية. فالحكومات تُختبر في لحظات الرخاء بقدرتها على الإنجاز، لكنها تُختبر في لحظات الشدة بقدرتها على التعاطف. وبين الأجندة المكتوبة، والقلوب المعلقة بأمل الإفراج، يبقى الميزان حساساً.
ربما لا تغيّر زيارة واحدة مسار الملفات العالقة، لكن كلمة قيلت في توقيت مناسب قد تُعيد الثقة، وتمنح شعوراً بأن المواطن – مهما ابتعد جغرافياً – لا يزال حاضراً في حسابات دولته. وهذه، في نهاية المطاف، هي السياسة حين تتصالح مع إنسانيتها.
muhammedbabiker@aol.co.uk
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم