علاء خيراوي
الرجل الذي استطاع أن يصبح ضيفاً دائماً على معظم الفضائيات العربية، مهما حاول اليوم أن يقدّم نفسه في هيئة المعلّق المحايد، لا يمكن فصل سيرته السياسية عن السياق الذي نشأ فيه. فقد كان في وقتٍ سابق جزءاً من البيئة الفكرية والسياسية التي صنعت ذلك المشروع، أو على الأقل تحرّك في فلكها، ثم أمضى سنوات طويلة يحاول الموازنة بين إرثه القديم ومتطلبات الحاضر. وهذه المراوحة بين الماضي والحاضر هي التي ظهرت بوضوح في الفيديو الأخير؛ محاولة متواصلة للجمع بين الاعتراف بخطورة القرار والسعي في الوقت نفسه إلى تخفيف دلالاته السياسية.
لم يكن الفيديو الأخير مجرد تعليق صحفي عابر على القرار الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية بتصنيف الحركةالإسلامية السودانية منظمة إرهابية، بل محاولة لتأويل حدث سياسي بالغ الأهمية بطريقة مسك العصا من منتصفها؛ الاعتراف بخطورة القرار من جهة، والسعي في الوقت نفسه إلى تخفيف دلالاته السياسية من جهة أخرى. وهذه الازدواجية هي ما يستحق الوقوف عنده حقاً، لأن التناقض الكامن في هذا الخطاب يكشف من الحقائق أكثر مما يحاول أن يخفيه. فالرجل بدأ حديثه بتأكيد حقيقة لا يمكن إنكارها؛ أن القرار خطير وله تبعات واسعة، وأنه يستهدف بوضوح الحركة الإسلامية السودانية، وأنه يشمل جناحها العسكري المعروف باسم لواء البراء بن مالك. وهذه نقطة أساسية، لأن كثيراً من محاولات الالتفاف في النقاش العام كانت تحاول الادعاء بأن عبارة “الإخوان المسلمين” قد تشير إلى كيان غير محدد. لكن القرار، كما أشار ميرغني نفسه، حسم هذه المسألة صراحة بذكر الحركة الإسلامية السودانية بالاسم.
غير أن المشكلة تبدأ حين ينتقل الحديث من توصيف القرار إلى محاولة التقليل من دلالاته. فميرغني حاول وضع القرار في إطار “العقوبات الأمريكية التقليدية” التي صدرت كثيراً في السابق، وكأن الأمر لا يتجاوز سلسلة من الإجراءات المالية المعتادة. لكن هذا التبسيط يغفل الفارق الجوهري بين العقوبات الفردية وبين تصنيف تنظيم كمنظمة إرهابية أجنبية. فالأولى قد تكون محدودة الأثر، أما الثانية فتفتح الباب أمام شبكة واسعة من الإجراءات الدولية؛ تجميد الأصول، ملاحقة التمويل، تجريم الدعم، وتضييق الحركة السياسية والدبلوماسية على كل من يرتبط بالتنظيم. بعبارة أخرى، نحن هنا أمام مستوى مختلف من التصعيد القانوني والسياسي، وليس مجرد تكرار لقرارات سابقة.
ثم إن المفارقة الأكبر في حديث ميرغني ظهرت حين تحدث عن تأثير القرار داخل السودان. فقد حاول أن يقدم النقاش الشعبي حول القرار باعتباره مجرد استقطاب سياسي بين مؤيد ومعارض، مقللا بشئ من الخبث من جوهره، بتصويره انه شبيه بمكايدات هلال مريخ. لكن الاستبيان الذي أجراه بنفسه على صفحته في فيسبوك كشف شيئاً مختلفاً تماماً؛ أكثر من ٢٢ ألف مشارك في يوم واحدٍ، وقرابة ٧٣٪ منهم رأوا القرار إيجابياً. وهذه النسبة ليست مجرد رقم عابر، بل مؤشر سياسي مهم على أن قطاعاً واسعاً من السودانيين لا يرى في الحركة الإسلامية ضحية قرار دولي، بل جزءاً من المشكلة التي قادت البلاد إلى هذا المأزق.
غير أن التناقض الأكثر وضوحاً في حديث ميرغني ظهر في النقطة التي حاول من خلالها تفسير القرار نفسه. فهو يقول بوضوح إن الحركة الإسلامية هي الأكثر تأثيراً في الدولة السودانية حالياً، حتى وإن لم يكن ذلك معلناً رسمياً. وهذه الجملة وحدها تكفي لتفسير سبب القرار الدولي. فإذا كان التنظيم الأكثر تأثيراً في الدولة السودانية هو نفسه تنظيماً أيديولوجياً مسلحاً أو مرتبطاً بأذرع مسلحة، فمن الطبيعي أن ينظر المجتمع الدولي إلى الصراع في السودان من زاوية مختلفة؛ ليس مجرد حرب بين جيش وميليشيا، بل صراع تتداخل فيه مؤسسات الدولة مع تنظيمات سياسية عقائدية. وهنا يقع التناقض الجوهري في خطاب ميرغني؛ فهو يريد الدفاع عن الدولة، لكنه يعترف في الوقت نفسه بأن التنظيم الذي صُنِّف إرهابياً هو الأكثر تأثيراً فيها.
أما النقطة الأكثر حساسية في حديثه فكانت ربط القرار الدولي بعملية السلام. فميرغني أشار صراحة إلى أن المجتمع الدولي بات يرى الحركة الإسلامية أحد العوائق الأساسية أمام التسوية السياسية، بسبب موقفها المتشدد تجاه أي حديث عن التفاوض أو العملية السياسية. وهذا تفسير مهم، لأنه يكشف أن القرار ليس مجرد عقوبة سياسية، بل أداة ضغط مرتبطة بمحاولة دفع مسار السلام في السودان. لكن المفارقة أن ميرغني نفسه، بعد هذا التحليل الطويل، يصل إلى نتيجة لافتة؛ أن وجود الحركة الإسلامية كتنظيم أصبح عبئاً على الدولة السودانية، وأن استمرارها بهذه الصيغة قد يضر بمصالح البلاد. وهذا الاعتراف يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه عميق؛ إذا كان وجود التنظيم يهدد الدولة، فلماذا يصبح الحديث عن نفوذه داخل الدولة “تضليلاً” كما يقال أحياناً في النقاش العام؟
الحقيقة أن الأزمة السودانية لم تكن يوماً مجرد خلاف سياسي بين أحزاب، بل نتيجة بنية كاملة من تداخل التنظيم بالدولة. ومنذ انقلاب ١٩٨٩ تشكلت منظومة سياسية وأمنية يصعب الفصل فيها بين الحزب والسلطة، وبين العقيدة السياسية وأجهزة الدولة. وهذه البنية هي التي انفجرت في نهاية المطاف في شكل حرب مدمرة يعيشها السودان اليوم.
ولهذا فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر في الدفاع عن القرار الدولي أو رفضه، بل في السؤال الأهم؛ كيف يمكن إعادة بناء الدولة السودانية بحيث لا تكون رهينة لتنظيم أيديولوجي، ولا ساحة لصراع الميليشيات في الوقت نفسه؟
فالحروب لا تنتهي فقط بتوقيع اتفاقيات السلام، بل بتفكيك البنى السياسية التي أنتجتها. وإذا لم يجرِ التعامل مع هذه الجذور بوضوح وشجاعة، فإن أي تسوية سياسية ستبقى مجرد هدنة مؤقتة في صراع مؤجل.
إن ما كشفه حديث عثمان ميرغني، ربما دون قصد، هو أن السودان يقف اليوم أمام لحظة مراجعة تاريخية. فالدولة التي سمحت لتنظيم سياسي أيديولوجي أن يتحول إلى قوة مؤثرة في مفاصلها الأساسية لا يمكن أن تستعيد استقرارها إلا بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والتنظيمات السياسية من جديد.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ فالقرار الدولي قد يكون مجرد خطوة في سياق طويل، لكن المعركة الحقيقية ستبقى داخل السودان نفسه. لأنها معركة تتعلق بإعادة؛بناء الدولة على أساس بسيط لكنه حاسم؛ دولة لا تدار باسم العقيدة، ولا تُختطف باسم التنظيم، بل تقوم على فكرة المواطنة وحدها. وحين يدرك السودانيون هذه الحقيقة، ربما يكتشفون أن الأزمة التي يعيشونها اليوم ليست نهاية الطريق، بل بداية الطريق نحو دولة مختلفة.
وفي نهاية المطاف، فإن حديث عثمان ميرغني، مهما حاول أن يكسوه بلغة التحليل الهادئ، يكشف مفارقة أعمق من كل ما قيل في الفيديو نفسه. فهو خطاب يقف على تخوم الاعتراف دون أن يعبره كاملاً؛ يعترف بخطورة القرار، ويقرّ بأن الحركة الإسلامية هي الأكثر تأثيراً داخل الدولة، ويقرّ بأن المجتمع الدولي يرى فيها عقبة أمام السلام، ثم يتراجع خطوة إلى الوراء محاولاً تخفيف وقع هذه الحقائق. وهذه المراوحة ليست مجرد أسلوب صحفي، بل تعبير عن أزمة فكرية وسياسية عاشتها طبقة كاملة من الكُتّاب الذين خرجوا من رحم ذلك المشروع ثم أمضوا سنوات طويلة يحاولون التوفيق بين إرثه الثقيل وواقع لم يعد يسمح بإنكاره.
لكن التاريخ لا يحب المناطق الرمادية طويلاً. فالأمم، حين تصل إلى لحظات الانكشاف الكبرى، لا تعود فيها مساحة واسعة للمناورة بين الاعتراف والإنكار. والسودان يعيش اليوم واحدة من تلك اللحظات القاسية التي تُجبر الجميع على تحديد موقعهم بوضوح؛ إما مواجهة الحقيقة كاملة، أو الاستمرار في الدوران حولها. ولهذا فإن القيمة الحقيقية لذلك الحديث لا تكمن في تفسير القرار أو في تخفيف أثره، بل في أنه من حيث لا يريد ربما، قدّم شهادة إضافية على أن المرحلة التي حكمت فيها التنظيمات الأيديولوجية الدولة السودانية وصلت إلى نهايتها التاريخية.
فالمشاريع السياسية قد تبقى سنوات طويلة بفعل القوة أو العادة أو الخوف، لكنها تسقط في اللحظة التي يفقد فيها حتى المدافعون عنها القدرة على الدفاع عنها بثقة كاملة. وعند تلك النقطة يبدأ التاريخ صفحة جديدة، لا لأن قراراً صدر في واشنطن، بل لأن الحقيقة التي حاول البعض تأجيلها طويلاً أصبحت أخيراً واضحة أمام الجميع.
khirawi@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم