بين الموت و المنفي: السودان امام اختبار الرباعية

دكتور هشام عثمان
hishamosman315@gmail.com

الرباعية قدمت في هذا التوقيت نافذة إنقاذ نادرة، يمكن وصفها بأنها بارقة أمل شبه نهائية قبل أن يغمرنا الطوفان الذي لا يُبقي ولا يذر. ما طرحته من هدنة إنسانية لثلاثة أشهر ومسار نحو انتقال مدني مؤقت، مقروناً بعقوبات فعلية طالت وزير مالية نظام البرهان وذراعاً مليشياوياً متطرفاً، ليس مجرد كلام دبلوماسي بل خطوة عملية تربط بين الضغط المالي والسياسي والإنساني. أهمية هذه المبادرة تتجاوز الشكل الإجرائي لتلامس جوهر الأزمة، فهي تنبثق من تقاطع مصالح دولية وإقليمية لا تريد رؤية السودان يتحول إلى بؤرة انهيار شامل، وفي الوقت نفسه تفتح ثغرة يمكن للقوى الوطنية أن تنفذ منها لإنقاذ ما تبقى من النسيج الاجتماعي والدولة.

الفرصة هذه المرة شبه نهائية لأن الحرب تسابق الزمن في تدمير المجتمع والاقتصاد والهوية الوطنية. كل يوم إضافي يعني مزيداً من التشريد والجوع، مزيداً من النزف الذي يضع السودان أمام طريقين لا ثالث لهما: طريق الموت الجماعي أو طريق المنفى والتشرد. ما يجعل المبادرة مختلفة هو أن الضغط لم يعد خطابياً فقط، بل صار عملياً عبر العقوبات التي تضرب منابع تمويل الحرب وتُرسل رسالة واضحة بأن استغلال موارد الدولة لصالح آلة الحرب له ثمن شخصي وجماعي. إذا لم تُستثمر هذه اللحظة، فإن الشبكات الملتوية التي يتقن الفلول تأسيسها ستعيد إنتاج نفسها، وسيتبدد أي أثر لهذا الزخم الدولي.

الخاسر الأكبر من أي مسار جاد نحو السلام هم فلول الإسلاميين الذين أشعلوا الحرب أصلاً لأنهم اعتقدوا أنهم فوق إرادة الشعب وأن العودة إلى السلطة ممكنة ولو على جثث السودانيين. هؤلاء يعرفون أن وقف الحرب معناه وقف نزيف الموارد الذي يغذّي شبكاتهم، وأن أي مسار سياسي مدني سيقود في نهاية المطاف إلى مساءلتهم وقطع الطريق أمام مشروعهم. لذلك تراهم يصيحون بأن أي سلام هو إقصاء وأن لا استقرار دون تمكينهم من جديد. هذا المنطق لا يخفي نفسه: إنهم لا يرون في السودان وطناً بل غنيمة، ويعتبرون المجتمع مجرد رهينة لمشروعهم الأيديولوجي. السلام بالنسبة لهم موت سياسي، ولذلك يقاتلون بكل ما يستطيعون لإفشاله.

القوى الوطنية إذاً أمام واجب تاريخي، وعليها أن تتحرك بخطوات سريعة وعملية. المطلوب تشكيل قيادة وطنية موحدة للطوارئ تضم الأحزاب المدنية والمجتمع المدني والنقابات والفاعلين في العمل الإنساني، لتضع خطة واضحة للثلاثة أشهر الأولى. يجب أن تُعد وثيقة مطالب مدنية تفصيلية للرباعية، تشمل وقف استهداف المستشفيات وفتح الممرات وتأمين آليات رقابة مالية مستقلة، مع تقديم ملفات أدلة تكشف شبكات الاختلاس والتحويلات المشبوهة. كذلك من الضروري طلب تراخيص إنسانية عاجلة من الجهات الدولية حتى لا تتحول العقوبات إلى حصار على المدنيين، بل أداة لحماية الشعب. ويمكن الدفع بفكرة إنشاء صندوق ثقة مؤقت تشرف عليه جهات محلية ودولية موثوقة لصرف الموارد والمساعدات بشفافية للأجور المدنية والمشتريات الإنسانية. هذه الإجراءات يجب أن تواكبها حملة إعلامية قوية تكشف للرأي العام المحلي والعالمي من يستغل الحرب لمصالحه الخاصة وتُبرز قدرة المدنيين على إدارة المشهد ببدائل عملية.

أما القوى الجذرية، وعلى رأسها الحزب الشيوعي، فهي مطالبة بترتيب الأولويات بصورة مختلفة. فالمطلوب الآن أن يكون إنقاذ الأرواح ومنع المجاعة والتشرد هو المهمة الأولى، وهذا لا يتناقض مع أجندتها الأيديولوجية بل يحفظ لها أرضية سياسية وشعباً يمكن أن تناضل من أجله مستقبلاً. ما يعنيه هذا عملياً هو الانخراط في خلية الطوارئ الوطنية، وتحويل القدرات التنظيمية إلى أدوات حماية مجتمعية، والمشاركة في وضع ورقة اقتصادية انتقالية واقعية لإدارة موارد الدولة مؤقتاً، والابتعاد عن أي مواقف تزيد الحرب اشتعالاً.

نجاح المبادرة مرهون بقدرة القوى الوطنية على تقديم صورة موثوقة للرباعية تثبت وجود بديل مدني مسؤول، وبإحكام الرقابة الدولية لقطع طرق التحايل والتمويل، وبإيجاد ضمانات إنسانية تبقي الضغط موجهاً على الفلول لا على المواطنين، وبالتزام واضح بمساءلة من استغلوا موارد الدولة لتمويل الحرب. أما الفشل في اغتنام هذه الفرصة، فسيترك السودان نهباً للتشظي والانهيار، وستُطلق يد الاقتصاد الموازي وشبكات النهب، ويتعمق الجوع والتشرد واللجوء، ليختفي أمام أعيننا ما تبقى من حلم دولة موحدة.

إننا أمام لحظة فاصلة، إما أن تُثبت القوى المدنية والشعبية أنها قادرة على ارتقاء إلى مستوى التحدي، وإما أن نترك البلاد فريسة لفلول بلا ضمير. الرباعية وفّرت ظرفاً عملياً، لكن القرار في النهاية بأيدينا نحن. إما أن نختار طريق النجاة بجدية وحزم، أو أن نستسلم للطوفان ونترك للأجيال القادمة أن تعيش في ركام وطن أُجهز عليه مرتين: مرة بالرصاص، ومرة بالإهمال.

عن هشام عثمان

هشام عثمان

شاهد أيضاً

الانتقال المدني بين الثورة والتسوية

د. هشام عثمانhishamosman315@gmail.com حتى لو نجحت المفاوضات التي يتوقع ان تجري تحت مظلة الرباعية الدولية …