بين الوعود والإنكار: محنة السودان في زمن الحرب

د. محمد عبدالله
muhammedbabiker@aol.co.uk

كلما بدأ خيط رفيع من الامل في افق الحرب السودانية، يهرع السودانيون نحوه، لا كمن يعثر على مرساة ثابتة في بحر هائج، بل كمن يتشبث بورقة في عاصفة، يدرك في قرارة نفسه انها قد لا تنقذه، لكنها تمنحه، ولو للحظة، وهما بان الغرق ليس قدرا محتوما. في هذا المناخ تقرأ اخبار المبادرات الدولية، وتفهم ردود الفعل المتباينة من اطراف الصراع. فالامل هنا ليس حليف الثقة، بل ابن الارهاق، وابن الحاجة الملحة الى تصديق ان الغد قد يكون مختلفا، مهما تشابهت ايام اليوم.

التصريحات الاخيرة التي تحدثت عن توصل “الرباعية” الدولية، المكونة من الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية والامارات، الى صيغة حظيت بموافقة اطراف الحرب، لم تلبث ان اصطدمت بانكار قاطع من قائد الجيش الفريق اول عبد الفتاح البرهان، الذي نفى وجود اي اتفاق من الاساس، بينما اعلن قادة قوات الدعم السريع ترحيبهم بما تطرحه الرباعية واستعدادهم للتعاطي معه. هذا التناقض لا يعكس خلافا حول مبادرة بعينها بقدر ما يكشف عن جوهر الازمة نفسها: حرب تجري في فراغ استراتيجي، حيث لا توجد رؤية مشتركة لمعنى النهاية، ولا تصور متفق عليه لما يمكن ان يشكل بداية للحل.

كل طرف يخوض معركته على مستويين متوازيين: مستوى السلاح في الميدان، ومستوى الخطاب السياسي في الفضاء العام. فالبرهان، عبر تأكيده المتكرر على السيادة ورفض ما يسميه التدخل الخارجي، يخاطب قواعد داخل المؤسسة العسكرية وقطاعات من الشارع تخشى ان تقود اي تسوية سياسية الى تقليص نفوذ الجيش او فتح باب المحاسبة. وفي الوقت نفسه يوجه رسالة للخارج مفادها ان الجيش ما زال الطرف الاكثر تماسكا، والاقدر على فرض شروطه.

في المقابل، تحاول قوات الدعم السريع الظهور بمظهر الطرف المرن والمنفتح على الحلول، في مسعى لكسب شرعية سياسية دولية او على الاقل تخفيف الضغوط المفروضة عليها. هذه المرونة لا تعني بالضرورة استعدادا حقيقيا لتسوية عادلة، بقدر ما تعكس ادراكا لاهمية المعركة الدبلوماسية والاعلامية في زمن الحروب الحديثة.

اما المجتمع الدولي، وعلى راسه دول الرباعية، فينظر الى السودان من زاويتين اساسيتين. الاولى تتعلق بالخشية من تمدد الفوضى الى دول الجوار، وتفاقم موجات النزوح، وتهديد المصالح الاقليمية والدولية. اما الثانية، وهي الاكثر حضورا في الممارسة العملية، فتتمثل في تبني نهج ادارة الازمة بدلا من السعي الجاد لحلها. الهدف الضمني في كثير من الاحوال ليس بناء سلام شامل يعيد تأسيس الدولة السودانية، بل الوصول الى مستوى من التهدئة يمنع الانفجار الكبير، ويجعل الصراع قابلا للاحتواء.

لهذا السبب، تظل ادوات المجتمع الدولي محصورة في ضغوط متقطعة، ومسارات تفاوض متوازية، وعقوبات محدودة الاثر، مع حديث متكرر عن المساءلة دون ترجمة حاسمة. سياسة حذرة، لكنها في جوهرها سياسة تكييف مع الحرب اكثر من كونها سياسة لكسرها.

في وسط هذا المشهد، يقف السودانيون عراة من اي ضمانات. فرحتهم الخجولة بكل خبر ايجابي ليست تعبيرا عن سذاجة، بل عن انهاك بلغ مداه. لقد شاهدوا مبادرات تولد ثم تختفي، وهدنا تعلن ثم تنهار، ووعودا دولية تتبدد مع تغير الاولويات. ومع ذلك لا يملكون ترف اللامبالاة، لان التعلق بالامل، مهما كان هشاشته، صار شكلا من اشكال المقاومة النفسية.

السيناريوهات القادمة لا تبدو مشرقة. فاما تسوية هشة توقف القتال مؤقتا دون معالجة اسبابه، واما استنزاف طويل يعيد انتاج الماساة بصور مختلفة، واما انفجار اوسع بتدويل الصراع ودخول اطراف جديدة بشكل مباشر. وبين هذه الاحتمالات يتحرك السودان اليوم، بلا بوصلة واضحة.

في الخلاصة، ما يجري بين تصريحات المبعوث الامريكي، وانكار القيادة العسكرية، وموافقة قوات الدعم السريع، لا يشير الى اختراق حقيقي. انه صراع روايات بقدر ما هو صراع بنادق. السودان يتآكل في المسافة بين خطابات السيادة وخطابات التدويل، بين وعود الحسم العسكري ووعود التسوية السياسية.

والطريق الى الخلاص لن يبدأ من فنادق العواصم البعيدة، بل من بلورة ارادة سودانية جامعة، تضع مصلحة البلاد فوق مصالح السلاح. ما لم يتشكل هذا المشروع الوطني، ستظل كل ومضة امل قابلة للانطفاء، وسيظل الشعب معلقا في مفترق الاوهام.

عن دكتور محمد عبدالله

دكتور محمد عبدالله

شاهد أيضاً

الخرطوم ؛ المدينة التي لم يطمئن اليها اهلها بعد

دكتور محمد عبداللهثلاثة عشر في المئة فقط. هذا هو عدد الذين عادوا إلى الخرطوم بعد …