بين بغداد وجنوب لبنان… السلاح يرفض أن يترجّل

الطريق من لبنان إلى العراق، تبدو واحدة: كلما اقتربت الدولة من السلاح، تسلل الظل الإيراني وأرسل تحذيراً من بعيد.
لم يكن الانفجار في منشأة تابعة لـ”حزب الله” في جنوب لبنان حادثاً تقنياً عابراً. كان بمثابة الصفارة الأولى لمعركة لم تبدأ بعد، ورسالة دموية تقول إن الطريق إلى نزع السلاح لن تكون مفروشة بالوعود ولا بالمصافحات. خمسة جنود لبنانيين سقطوا في مهمة تفكيك ذخائر الحزب، قبل أن يجفّ حبر قرار الحكومة بتكليف الجيش خطة لنزع سلاحه قبل نهاية العام.
في المشهد، وجوه حزينة تحمل النعوش، وضباط يقرأون مستقبل خطة النزع بعيون قلقة، ومراقبون يحذرون من التسرع، ومن أسلحة مزروعة بالألغام والفخاخ. سؤال يطارد القادة العسكريين: هل يملك الجيش القدرة والخبرة على تفكيك ترسانة بُنيت على مدار عقود، وسط محيط يعج بالألغام السياسية قبل العسكرية؟
الحزب يرى في القرار “خطيئة كبرى” ويعد بتجاهله، فيما حركة “أمل” تلمّح إلى تنازلات مجانية لإسرائيل. أما طهران، فقد خرج صوتها سريعاً على لسان علي أكبر ولايتي: “إيران تعارض نزع سلاح حزب الله”. وكأنها تذكّر الجميع أن المقاومة ليست بنداً لبنانياً فحسب، بل جزء من عقيدتها الأمنية.
لكن في مكان آخر من القوس الإيراني في المنطقة، كانت بغداد تلتقط صدى الانفجار اللبناني. “الحشد الشعبي” هناك يعرف أن الريح التي تقتلع سلاح “حزب الله” قد تعبر الحدود. علي أكبر ولايتي نفسه كشفَ قلق نوري المالكي من السيناريو، وتعهد الرجلان بأن يظل السلاح في يد “المقاومة”، سواء كان في أزقة الضاحية الجنوبية أو على ضفاف دجلة.
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني يرفع راية القانون ويدعو لحصر السلاح بيد الدولة، مؤكداً أن الأمر لا يستهدف جهة بعينها. لكن الأصوات تتباين داخل الحشد: “كتائب سيد الشهداء” و”كتائب حزب الله” تتمسك بسلاحها وتراه جزءاً من الدولة، بينما “أنصار المرجعية” تعلن استعدادها لتكون الأولى في صفّ التقييم والمحاسبة.
الاشتباكات الأخيرة في دائرة الزراعة ببغداد كانت إشارة أخرى: أن السلاح، حين يرفض الانصياع، يختبر هيبة الدولة علناً. السوداني يحمّل “كتائب حزب الله” المسؤولية، ويعفي قيادات، ويحيل المتورطين إلى القضاء. في المقابل، واشنطن تقرأ المشهد من زاوية أخرى، محذّرة من قوانين قد تعزّز نفوذ إيران وتُبقي الجماعات المسلحة أقوى من الدولة نفسها.
بين الجنوب اللبناني وضواحي بغداد، القصة واحدة: قرار الدولة يواجه تاريخاً طويلاً من البنادق التي وُلدت خارج مؤسساتها، وتربّت في حضن معارك إقليمية، وأقسمت أن لا تسلّم إلا إذا تغيّر الشرق الأوسط كله. وكأن السلاح يقول: “لن أترجّل… إلا على جثّة المعادلة التي صنعتني”.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …