زهير عثمان
zuhair.osman@aol.com
ونحن في قلب العاصفة التي تجتاح السودان، حيث تحفر الحرب أخاديدها في جسد الأرض وبالنفس معاً، تطل كتابات الدكتورة ناهد محمد الحسن كمن يضيء مصباحاً في قبو مظلم
ليست كتاباتها تحليلاً سياسياً تقليدياً، بل هي غوصٌ جراحيٌّ في طبقات الوعي الجمعي، تبحث عن جذور الداء في مكانٍ أبعد من ساحات القتال- في كهوف الذهنيات المغلقة، حيث تتحول القيم الكبرى إلى أصنام فكرية
د. ناهد، الطبيبة والكاتبة، تركز في مقالاتها على تفكيك الخطابات الأيديولوجية التي تحولت إلى أدوات إقصاء، كما في سلسلتها حول اليسار السوداني والعدالة الانتقالية
هذه الورقة الفكرية تجمع بين النصين المقترحين، محافظة على جوهر التشريح العميق لد. ناهد مع إضافة استدعاء حوار مع بصائر سودانية كبرى، لتعزيز البناء نحو “بصيرة سودانية مفتوحة” قابلة للنقاش والتطوير اغتيال المعنى- عندما تصبح الكلمات متاريس تشخص د. ناهد حالة “اغتيال الفكر” تحت وطأة الاصطفاف السياسي، حيث تتحول الوطنية من حلم جامع إلى سيف يُسلَّط على رقاب المختلفين
في مقالها “جميع الوجه المضيء للبشاعة”، تؤكد أن الأزمات الشديدة توفر فرصة للتغيير من خلال زعزعة الاستقرار الشبيه بالاستسلام، مما يجبر الأفراد على مواجهة أنفسهم ومسؤولياتهم تجاه الوطن
هنا، يتحول الخطاب السياسي – حتى ذلك الذي يرفع شعارات التحرر – إلى خطاب وصائي[za1] ، يتحدث باسم “الشعب” ككيان مجرد، بينما يتعثر في سماع أنين الإنسان الحقيقي في أزقته اليومية
النخب الفكرية، بما فيها اليسارية، تورطت في إعادة إنتاج منطق الإقصاء، حيث تحولت الماركسية من منهج نقدي إلى أرثوذكسية جافة
هذا التحول يعكس مشكلة أعمق- تحويل المرجعيات الفكرية إلى هويات متصلبة توفر شعوراً زائفاً بالحقيقة المطلقة
نقاط نقاش محتملة
هل يمكن للنخب السودانية تجاوز اصطفافها الأيديولوجي دون فقدان هويتها الفكرية؟
كيف يمكن قياس تأثير الخطاب الوصائي[za2] على الشعب في سياق الحرب؟
سؤال ما بعد التفكيك: أين الأفق في ظل الفراغ؟بعد تفكيك الخطابات المتصارعة، ينبثق السؤال الجوهري ما بعد التفكيك؟ هل يكفي فضح آليات التخوين، أم نحتاج إلى بناء رؤية بديلة؟ د. ناهد تؤكد أن النقد ضروري لتنقية الجو، لكنه لا يخلق تلقائياً أفقاً جديداً قادراً على استعادة الأمل وحياكة معنى للتعايش
السودان يعاني فراغ سلطة وأفق، حيث تمزقت خريطة المستقبل، وغاب سؤال التعايش بعد تدمير جسور الثقة
الهروب من الأطر الفكرية يؤدي إلى فراغ أشد فتكاً؛ بدلاً من ذلك، يجب استعادة الأفكار كأدوات للفهم والإبداع
في سياق الحرب، تبرز الحاجة إلى مواجهة الذات الجماعية، كما تقول د. ناهد- “السوداني يواجه ذاته ويحدق في مرآة روحه”، مع التركيز على الإرث الأفريقي في التضامن الذي انبعث في الاعتصامات
نقاط نقاش محتملة
ما هي المخاطر الفعلية للهروب الكامل من الأيديولوجيات في مجتمع ما بعد الحرب؟
كيف يمكن بناء إرادة جماعية من رماد الذاكرة الجريحة دون تكرار أخطاء الماضي؟
استدعاء الحوارات الكبرى— بصائر متعددة لأفق واحد إذا كان التشخيص دقيقاً وضرورياً، فإنه يطرح سؤال المصير- كيف ننتقل من كسر الأصنام إلى بناء رؤية قادرة على اجتراح الأمل؟
الجواب قد يكون في استدعاء حوارٍ بين بصائر سودانية كبرى، كل منها يضيء زاوية من زوايا الطريق———————-
الصادق المهدي وتأصيل التغيير- يذكرنا بأن أي مشروع تحول لا يجذر نفسه في تربة الثقافة السودانية وروحها سيكون بناءً على غير أساس
قراءته للإصلاح تجمع بين الأصالة والمعاصرة دون انفصام، كما في دوره في اتفاقيات السلام وإعادة هيكلة التحالفات السياسية
عبد الله علي إبراهيم ونقد العقلانية الأحادية- كيساري مغاير، يحفر إبراهيم في طبقات الثقافة السودانية بعيداً عن النظرات الاستعلائية
يذكرنا أن التحرر الحقيقي يبدأ بالحوار النقدي مع تراثنا وتنوعنا، لا بتجاهلهما أو إقصائهما في اسم “التقدم”، كما في كتابه “مصادر العنف في الثقافة السودانية” الذي يركز على نقد الممارسات السياسية
جون قرنق والواثق كمير وإعادة هيكلة المركز- مدرسة “السودان الجديد” التي رأت في الاعتراف بالتعددية وتصحيح علاقة المركز بالأطراف مدخلاً لعدالة مستدامة، وجعلت من المواطنة المتساوية أساساً للانتماء
قرنق دافع عن دولة ديمقراطية تعددية، وكمير حرر كتاباً يجمع رؤيته لإعادة بناء الدولة، مع التركيز على إعادة تنظيم العلاقات بين المركز والإقاليم.
من هذا الحوار، يمكن أن تولد “بصيرة سودانية مفتوحة” – رؤية لا تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، بل تفتح أبواب التساؤل
نحو بصيرة سودانية مفتوحة رؤية للتأسيس اقتراح “بصيرة سودانية مفتوحة” يعتمد على استلهام التجارب دون قدسية أو نبذ كامل
من الماركسية- تحليل علاقات القوة دون نصوصية متحجرة
.من الليبرالية-احترام الحريات دون فردية متوحشة.
من الإرث السوداني- التعاون الجماعي دون حنين رومانسي.
تعريف الوطنية- حماية الحياة الأساسية (الأمن، العدل، الكرامة)
الاعتراف بالاختلاف- كشرط إنساني لإغناء النقاش
الفعل المدني السلم- كطريق شاق للبناء، مع تجنب السلاح
الرؤية تجمع بين النقد الموضوعي دون يأس، الانفتاح على العالمية دون فقدان الخصوصية، والربط بين القيم الكبرى والحياة اليومية.نقاط نقاش محتملة
هل يمكن دمج عناصر من الأيديولوجيات المختلفة دون تناقضات داخلية؟
ما دور الجيل الجديد في تشكيل هذه البصيرة؟
من التشريح إلى البناء الجماعي لقد قامت د. ناهد بواجب المثقف الشجاع- كشفت الجرح، وعريت الآلية
ولكن رسالتها الحقيقية تكمُن في الدعوة الضمنية لنا جميعاً أن نتحول من مشاهدين سلبيين إلى فاعلين في صناعة المعنى ربما ليس بين أيدينا اليوم مخطط جاهز، ولكن الجرأة على طرح الأسئلة خارج الأسوار الأيديولوجية هي بذرة الطريق السودان، بعقله وجسده وروحه، أكبر من أن يحبس في قوالب جاهزة، وأغنى من أن يُختزل إلى يقينيات مغلقة وبقدر ما في طريقنا من عتمة، فإن إشعال حوار فكري حر وجريء هو الخطوة الأولى نحو فجر نعبُر إليه، معاً.
[za1] [za2]
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم