ليست كل الأزمات التي تمر بها الشعوب أزمات أرقام، وليست كل الخسائر التي تسجلها الاقتصادات قابلة للقياس بالنقود. فثمة خسائر لا تظهر في دفاتر الحسابات، ولا تعكسها مؤشرات التضخم، ولا تستطيع تقارير الخبراء أن تصف وجعها كاملًا؛ خسائر تسكن في عيون أمٍّ تقف أمام احتياجات أطفالها، وفي يد أبٍ يقلب ما تبقّى في جيبه، وفي قلب عاملٍ أنهكه السعي وراء لقمة عيشٍ لم تعد تأتي بسهولة ففي السودان، لم يعد رغيف الخبز مجرد سلعة تُشترى، بل أصبح رمزًا لمعاناة تتجاوز حدود المخابز والأسواق، وتمتد إلى معنى العدالة، ومسؤولية الدولة، وكرامة الإنسان وحين تضيق الحياة على الناس حتى تصبح الضروريات أحلامًا مؤجلة، فإن الأزمة لا تكون اقتصادية فحسب، بل إنسانية أيضًا؛ لأن الفقر لا يسرق المال وحده، بل قد ينتزع من الإنسان شعوره بالأمان، ويضعف ثقته بالغد، ويجعله يعيش كل يوم وكأنه معركة جديدة من أجل البقاء والأشد قسوة أن الجوع لا يعرف لغة السياسة، ولا ينتظر اكتمال الخطط، ولا يفهم تعقيدات الموازنات. فالطفل الذي يحتاج إلى وجبته لا يستطيع تأجيل جوعه إلى حين استقرار الأسواق، والأم التي تقتسم القليل بين أبنائها لا يعنيها كثيرًا اختلاف التفسيرات الاقتصادية، والعامل الذي يعود إلى منزله بعد يوم طويل لا يستطيع أن يطعم أسرته بالوعود، مهما كانت الكلمات جميلة أو النوايا حسنة.
إن الدولة، في جوهر وجودها، ليست مباني ومؤسسات وأختامًا رسمية فحسب، بل عهدٌ أخلاقي بينها وبين الناس وهذا العهد يتجلى بوضوح حين تشتد الأزمات، وتضيق الخيارات، ويصبح الضعفاء أكثر حاجة إلى من يحميهم. ففي أوقات الرخاء يسهل الحديث عن التنمية والإنجاز، أما في أوقات الشدة، فتظهر حقيقة العدالة في قدرة المجتمع على ألا يترك أبناءه يسقطون وحدهم.
وقد وضع الإسلام لهذه المسؤولية معنى عميقًا يتجاوز حدود العبادة الفردية إلى رعاية شؤون الناس. ففي الحديث الشريف: (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته)، وهو مبدأ يربط المسؤولية بالأمانة، ويجعل رعاية مصالح الناس واجبًا لا مجرد فضيلة اختيارية. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به)، في معنى يذكّر المجتمع بأن الشبع لا تكتمل قيمته حين يكون الجوع قريبًا ومعلومًا ومهملًا وفي كتب السيرة تتجلى صورة الحاكم الذي لم يكن يرى المسؤولية امتيازًا منفصلًا عن معاناة الناس. وتُنسب إليه العبارة المشهورة: (لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله عنها: لِمَ لم تمهّد لها الطريق يا عمر؟)، وهي عبارة متداولة تعبّر عن معنى عظيم في تحمل المسؤولية، وإن لم تثبت عنه بهذا اللفظ في مصدر تاريخي موثوق فيما أعلم. فالمغزى ليس في البغلة وحدها، بل في الضمير الذي لا يطمئن إلى سلامة الطريق ما دام احتمال الضرر قائمًا على أحد المخلوقات.
وإذا كانت المسؤولية الأخلاقية تبلغ هذا الحد من الانتباه إلى ضرر قد يصيب دابة في الطريق، فإن معاناة الإنسان الذي يعجز عن توفير الخبز لأطفاله أولى بالعناية، وأجدر بأن تكون في صميم السياسات العامة. وليس المقصود أن تتحمل الدولة وحدها كل أعباء الحياة، أو أن تُختزل الأزمات المعقدة في قرار واحد؛ فالحروب والاضطرابات وتراجع الإنتاج واختلال سلاسل الإمداد عوامل قد تتشابك وتزيد المعاناة. لكن تعقيد الأسباب لا يُسقط واجب البحث عن الحلول، ولا يبرر أن يتحول الفقراء إلى الحلقة الأضعف التي تدفع ثمن كل اختلال ومن هنا تبرز أهمية الرقابة الفاعلة على الأسواق، ومواجهة الاحتكار والتلاعب بالأسعار، وحماية المستهلك، وتيسير وصول السلع الأساسية إلى مستحقيها. كما تبرز الحاجة إلى جمعيات تعاونية حقيقية تخفف تكاليف الوسطاء، وإلى برامج دعم تحفظ كرامة الشرائح الأشد ضعفًا، وتصل إليها بمعايير واضحة وعادلة. فالدعم ليس منّة على المواطن، بل أداة من أدوات الحماية الاجتماعية حين تعجز دخول الناس عن مواكبة تكاليف الحياة، والرقابة ليست تضييقًا على التجارة، بل حماية للسوق من الممارسات التي تستغل حاجة الناس والعدالة هنا لا تعني أن يحصل الجميع على الشيء نفسه مهما اختلفت ظروفهم، بل أن يجد المحتاج حماية تناسب حاجته، وأن تُتاح الفرص بصورة منصفة، وألا تتحول الضروريات إلى امتياز لا يقدر عليه إلا أصحاب الدخول المرتفعة. فالخبز الذي يستطيع الميسور شراءه بسهولة قد يحتاج الفقير إلى حساب طويل قبل أن يمد يده إليه؛ وبين هاتين الحالتين تتسع المسافة التي ينبغي للسياسات العامة أن تعمل على تقليصها.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن حماية المواطنين تحتاج إلى اقتصاد منتج، وإلى موارد مستدامة، وإلى إدارة رشيدة للمال العام. فالحلول التي تعتمد على الوعود وحدها لا تصنع رغيفًا، والدعم الذي لا يستند إلى إدارة فعالة قد يتسرب إلى غير مستحقيه، والأسعار التي تُفرض بعيدًا عن واقع الإنتاج والإمداد قد تؤدي إلى نقص السلع بدلًا من إتاحتها. ولذلك فإن الرحمة والواقعية ليستا نقيضين؛ بل لا بد أن تجتمعا في سياسة تحمي الفقير من جهة، وتحافظ على استمرار الإنتاج وتوافر السلع من جهة أخرى.
إن السودان، بما يحمله من تاريخ طويل من التكافل والنجدة ونجدة الملهوف، لا تنقصه القيم التي تذكّر الناس بحقوق بعضهم بعضًا، لكنه يحتاج إلى أن تتحول تلك القيم إلى مؤسسات وقرارات وممارسات ملموسة. فالتكافل الذي يظهر في المبادرات الشعبية عظيم الأثر، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن مسؤولية المؤسسات. والمساعدة التي يقدمها الجار لجاره تخفف الألم، لكنها لا تعفي المجتمع والدولة من العمل على إزالة أسبابه. وحين يتعاون الناس مع مؤسساتهم، وتُدار الموارد بشفافية، وتُوجَّه الحماية إلى مستحقيها، يصبح التضامن قوة لبناء الحلول لا مجرد وسيلة لتسكين الجراح.
ولعل أكثر ما يوجع في حكاية الرغيف أن قيمته الحقيقية لا تُقاس بالدقيق والماء والوقود وحدها، بل بما يحمله من طمأنينة. فهناك بيوت لا تنتظر موائد عامرة، بل تنتظر وجبة تحفظ لأطفالها طاقتهم، وليلًا ينامون فيه من دون أن يشعروا بأن حاجتهم عبء على من يحبون. وهناك آباء وأمهات يخفون قلقهم حتى لا تنتقل مرارة العجز إلى وجوه الصغار. وفي مثل هذه البيوت، يصبح الخبز أكبر من الطعام؛ يصبح شاهدًا على قدرة الحياة على الاستمرار، وعلى مقدار الرحمة الموجودة في المجتمع.
ولا ينبغي أن تتحول هذه المعاناة إلى مادة للتجاذب أو وسيلة لتبادل الاتهامات؛ فالجوع لا ينتصر فيه طرف، والفقر لا يرفع راية أحد، والطفل الذي ينام جائعًا لا تعنيه أسماء الجهات التي اختلفت، بقدر ما تعنيه يد تمتد إليه قبل أن يطول انتظاره. إن القلوب تُكسب بالإنصاف، وبالاستماع إلى الضعفاء، وبالقرارات التي يشعر الناس بأثرها في حياتهم اليومية، لا بكثرة الشعارات ولا بجمال الخطابات.
إن عدالة الدولة لا تُقاس فقط بما تنشئه من طرق ومبانٍ، ولا بما تعلنه من خطط، بل أيضًا بما تفعله حين يصبح الوصول إلى أبسط الضروريات أمرًا شاقًا. وتظل كرامة الإنسان المعيار الذي ينبغي أن تعود إليه كل سياسة وكل موازنة وكل قرار. فليس مطلوبًا أن تختفي الصعوبات بين ليلة وضحاها، ولا أن تُقدَّم حلول سحرية لأزمة متشابكة، وإنما المطلوب ألا يفقد الإنسان إحساسه بأنه مرئي في حسابات المسؤولين، وأن معاناته ليست هامشًا يمكن تجاوزه.
وفي نهاية المطاف، قد ينسى الناس كثيرًا من الأرقام التي أُعلنت، والقرارات التي صدرت، والخطب التي أُلقيت؛ لكنهم لا ينسون من وقف إلى جانبهم حين ضاقت بهم الحياة، ولا ينسون يدًا خففت عنهم ثقل الأيام، ولا ينسون كذلك لحظات تُركوا فيها وحدهم أمام الحاجة.
فما بين كسر القلوب وكسبها قد لا يفصلنا سوى ثمن رغيف، لكن المسافة بين الجوع والكرامة أعمق من أن تقيسها الأرقام. وما أقسى أن يقف أبٌ عاجزًا أمام أطفاله، لا ينقصه الحب، وإنما تنقصه القدرة على توفير أبسط حقوق الحياة، وأن تخفي أمٌّ دمعتها وهي تقسم القليل بينهم، خشية أن ترى في عيونهم سؤالًا لا تملك له جوابًا. ويا لوجع وطنٍ يخشى فيه الأب أن يعود إلى بيته خالي اليدين، وتنام فيه الأم على دمعتها كي لا يسمع أطفالها بكاءها؛ فليس أشدَّ على الإنسان من أن يجوع، إلا أن يعجز عن إطعام من يحب، وأن يقف أمام أطفاله مكسورًا، لا يملك سوى الصمت. وحين يصبح رغيف الخبز أمنية، لا يعود الفقر رقمًا في تقرير، بل وجعًا يسكن البيوت، وطفولةً تتعلم الحرمان قبل أن تتعلم الحياة.
إن عدالة الدولة لا تظهر في أوقات الرخاء وحدها، بل تتجلى حين تضيق الحياة بأضعف أبنائها. فالأوطان لا تُقاس بثرواتها، بل بما تحفظه من كرامة الإنسان، ولا تُكسب القلوب بالخطب، بل بالعدل والرحمة وصون الحقوق. وفي السودان، حيث أثقلت الحروب والأزمات كاهل الناس، يصبح واجبًا ألا تُترك الأسر الفقيرة وحدها في مواجهة الجوع، وألا تتحول لقمة العيش إلى أمنية بعيدة المنال.
وللسودان في أعناق أبنائه دينٌ من الوفاء، وللفقراء فيه حقٌّ لا ينبغي أن يضيع. وكما قال أحمد شوقي:وللأوطانِ في يدِ كلِّ حُرٍّ
يدٌ سَلَفَتْ ودَينٌ مُستَحَقُّ
د.محمد شرف الدين الطيب
خبير مصرفي
