بين مرتضى الغالي وعبدالله علي إبراهيم: جدل التفكيك ومكافحة الفساد

عاطف عبدالله

من المهم، ابتداءً، التأكيد على كامل التقدير والاحترام لقامة فكرية مثل عبدالله علي إبراهيم، وما يقدمه من إسهامات عميقة في قراءة المشهد السياسي والثقافي السوداني. غير أن الاختلاف في التقدير والتحليل يظل أمراً مشروعاً، بل وصحياً في سياق التحول الديمقراطي.

في هذا الإطار، فإن توقيع مرتضى الغالي، إلى جانب عدد كبير من المثقفين وأصحاب الرأي – وكنتُ من بينهم – على مذكرة تزكية عبد الرحمن الأمين لرئاسة مفوضية مكافحة الفساد، لا يمكن تفسيره بالضرورة كطعـن في لجنة إزالة التمكين، ولا كمحاولة لاستبدالها أو “تصفية” دورها، كما ذهب إلى ذلك الدكتور عبدالله. فمثل هذا التفسير يتجاوز، في تقديرنا، حدود النص إلى تأويلات لا يسندها المقصد المباشر للمذكرة.

أولاً: الإطار العام للجدل

تُعدّ “لجنة إزالة التمكين” و”مفوضية مكافحة الفساد” من أبرز الأجسام التي أثارت جدلاً واسعاً في المشهد السياسي السوداني خلال الفترة الانتقالية. ورغم اشتراكهما في الهدف العام المتمثل في تطهير مؤسسات الدولة ومحاربة الفساد، فإن بينهما فروقاً جوهرية تتعلق بالمرجعية القانونية، وطبيعة الصلاحيات، والمنهجية المتبعة في العمل.

ثانياً: المرجعية القانونية وطبيعة التكوين

استندت لجنة إزالة التمكين إلى قانون “تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 وإزالة التمكين” لسنة 2019، وجاء تشكيلها بقرار من مجلسي السيادة والوزراء، ما منحها طابعاً سياسياً تنفيذياً واضحاً، متسقاً مع طبيعة المرحلة الانتقالية وأهدافها الثورية.

في المقابل، تستند مفوضية مكافحة الفساد إلى قانون صدر في عام 2021، وقد صُممت كمؤسسة مستقلة فنياً وإدارياً، يُفترض أن تقوم على خبرات قانونية ومهنية، وأن تعمل بعيداً عن تأثيرات المحاصصة السياسية.

ثالثاً: اختلاف الطبيعة والاختصاص

نشأت لجنة إزالة التمكين كأداة لمعالجة إرث الماضي، حيث انصبّ دورها على تفكيك البنية السياسية والاقتصادية للنظام السابق، واسترداد الأموال والأصول الناتجة عن التمكين الحزبي واستغلال النفوذ.

أما مفوضية مكافحة الفساد، فتمتد وظيفتها إلى الحاضر والمستقبل، إذ تضطلع بوضع استراتيجيات الوقاية من الفساد، ومراقبة الذمة المالية للمسؤولين، وتعزيز الشفافية في مؤسسات الدولة كافة، دون ارتباط بانتماءات سياسية بعينها. وهي، بطبيعتها، مؤسسة قانونية-جنائية تُعنى بجرائم الفساد وفق تعريفها القانوني.

رابعاً: الصلاحيات ومنهجية العمل

تمتعت لجنة إزالة التمكين بصلاحيات واسعة ومباشرة، شملت المصادرة، وإنهاء الخدمة، واتخاذ قرارات إدارية نافذة بصورة فورية، مع إمكانية الطعن فيها أمام لجنة استئنافات خاصة. وقد عكست هذه الصلاحيات طبيعة العمل الثوري الذي يتسم بالسرعة والحسم.

في المقابل، تعمل مفوضية مكافحة الفساد وفق منهج قانوني مؤسسي مستمد من المعايير الدولية، حيث يتركز دورها في التحري وجمع الأدلة وبناء الملفات، تمهيداً لإحالتها إلى النيابة العامة والقضاء، دون أن تمتلك سلطة إصدار أحكام نهائية أو قرارات مصادرة بذاتها.

خامساً: التكامل لا التعارض

إن وجود نقاط تقاطع بين الجهتين لا يعني التطابق أو الإلغاء، بل يمكن فهم العلاقة بينهما بوصفها علاقة تكامل:

لجنة إزالة التمكين تعالج البنية السياسية للتمكين.
مفوضية مكافحة الفساد تتعامل مع الأفعال الجنائية المرتبطة به ضمن إطار قانوني.
وعليه، فإن الدعوة إلى تفعيل مفوضية مكافحة الفساد لا تستبطن بالضرورة حكماً سلبياً على لجنة التفكيك، بل قد تعكس إدراكاً للحاجة إلى استكمال منظومة العدالة بأدوات متعددة ومتخصصة.

سادساً: التزكية لا تعني الإقصاء

المذكرة التي تم توقيعها لم تكن بياناً سياسياً موجهاً ضد لجنة بعينها، بل كانت في جوهرها تزكية لشخصية مهنية يُنظر إليها ككفؤة لقيادة مفوضية متخصصة. ومن ثم، فإن قراءتها باعتبارها محاولة لإزاحة لجنة إزالة التمكين تمثل توسعاً في التأويل يتجاوز مضمونها الحقيقي.

سابعاً: التحديات وسياق المرحلة

أثار التداخل في الاختصاصات جدلاً مشروعاً، إذ رأى بعض المراقبين أن لجنة إزالة التمكين مارست أدواراً أقرب إلى عمل مفوضية الفساد، ولكن بأدوات ثورية، بينما رأى آخرون أن المفوضية تمثل الإطار المؤسسي والقانوني الأجدر بضمان العدالة وتحييد التسييس.

ثامناً: مشروعية تعدد الرؤى

الثورات بطبيعتها تفتح المجال لاجتهادات متعددة حول أنجع السبل لتحقيق أهدافها. وليس من الضروري أن تتطابق كل المبادرات مع رؤية واحدة، ما دامت تتحرك في إطار دعم الانتقال الديمقراطي، وترسيخ العدالة، ومحاربة الفساد.

الخلاصة

يمكن فهم موقف د. مرتضى الغالي ومن معه باعتباره دعماً لبناء مؤسسات العدالة بأدواتها المختلفة، لا خصماً على لجنة إزالة التمكين أو طعناً فيها. فالاختلاف هنا هو اختلاف في الوسائل وترتيب الأولويات، لا في الأهداف الكبرى.

ومع كامل الاحترام للدكتور عبدالله علي إبراهيم، فإن تعدد هذه المقاربات يعكس حيوية المشهد العام، ويدعو إلى قراءته في سياق أوسع من النقاش المشروع حول بناء الدولة بعد الثورة، بعيداً عن الاختزال في ثنائية حادة بين التأييد والرفض.

atifgassim@gmail.com

عن عاطف عبدالله

عاطف عبدالله

شاهد أيضاً

مآلات تصنيف الإخوان المسلمين السودانيين تنظيماً إرهابياً

عاطف عبدالله يمثل إعلان وزارة الخارجية الأمريكية تصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية كياناً إرهابياً عالمياً …