بين وجهك والقمر قصة الضوء الذي لا يغيب

محمد صالح محمد
منذ أن تعلم الإنسان رفع بصره إلى السماء كان القمر هو المعيار الأسمى للجمال والرفيق الدائم للمسافرين والملهم الأول للشعراء. ولكن ثمة لحظة تأملية تتجاوز حدود الفلك فحين نجد أنفسنا نقارن بين ذلك الجرم السماوي البارد وبين وجهٍ نحبه،

وجهٍ ينبض بالحياة والدفء والتفاصيل التي لا يدركها تليسكوب.

إن المقارنة بين وجهك والقمر ليست مجرد استعارة بلاغية مستهلكة بل هي محاولة لفهم كيف يمكن للجمال أن يتخذ شكلين شكلٌ كوني بعيد، وشكلٌ إنساني قريب حد الالتصاق بالروح.

لغز الجمال …
يقول العلماء إن القمر لا يضيء من تلقاء نفسه بل هو مرآة تعكس ضوء الشمس. أما وجهك فيبدو كأنه ينبع من مصدر داخلي؛ ضوءٌ لا يحتاج إلى فيزياء ليفسره بل يحتاج إلى قلب ليشعر به.

القمر يمتلك فوهات وصحارى من الغبار وبرودة سرمدية. هو جميل لأنه بعيد ولأن الغموض يغلف صمته.

وجهك يمتلك ملامح تحكي قصصاً. الابتسامة التي ترتسم على ثغرك هي “خسوف” لكل الأحزان ونظرة عينيك هي “بدرٌ” يكتمل كلما ضاقت بنا السبل.

في وجهك أجد “تضاريس” الألفة؛ تلك الخطوط الدقيقة التي تظهر حين تضحك هي خرائط طريق تقودني دائماً إلى الطمأنينة بينما خرائط القمر لا تقود إلا إلى التيه في الفضاء.

دورة الحضور والغياب …
يخضع القمر لدورة زمنية صارمة؛ يبدأ هلالاً ثم يكبر ليصير بدراً ثم يتلاشى ليعود محاقاً. نحن ننتظره شهراً كاملاً ليرسو على شاطئ الكمال لليلة واحدة.

أما وجهك فلا يعرف الشحوب حتى في لحظات التعب أو في حالات الحزن العابر و يظل وجهك محتفظاً بوهجه الخاص.

أنت البدر في كل الفصول وفي كل الساعات. إذا غاب القمر خلف السحاب يمكننا أن نستعين بالنجوم ولكن إذا غاب وجهك أظلمت الروح ولم تسعفها كل شموع الأرض.

الجاذبية من المد والجزر إلى نبض القلب …
للقمر قوة جاذبية تحرك المحيطات تخلق المد والجزر وتتحكم في إيقاع كوكب الأرض لكن جاذبية وجهك تفعل ما هو أعظم؛ إنها تحرك المشاعر الساكنة وتخلق مداً من الشوق وجزراً من الهدوء النفسي.

“الفرق الجوهري هو أن القمر يسهر معنا لكن وجهك هو الذي يجعل للسهر معنى.”

حين أنظر إليك أشعر بأن الجاذبية ليست قانوناً لنيوتن بل هي نظرة عينيك التي تشدني إليك رغماً عن كل المسافات. القمر يكتفي بالنظر إلينا من علياء أما وجهك فيقترب و يهمس، يبتسم، ويمنحنا ذاك الحنان الذي يفتقر إليه الحجر والتراب القمري.

أيهما الأجمل؟
قد يظل القمر أجمل ما في السماء لكن وجهك هو بلا شك أجمل ما في الأرض. القمر زينة لليل ووجهك زينة للحياة بأكملها.

إذا كان القمر هو “سيد الضياء” في عتمة الفضاء فأنت الضوء الذي نحمله في صدورنا لنهتدي به في زحام الأيام. فسبحان من خلق الجمال في السماء لنتأمل وخلقه في وجهك لنعشق.

السيادة للروح …
يظل القمر آيةً من آيات الكون يُبهرنا بجماله الصامت من بعيد لكن وجهك يظل آية الروح التي تُحيينا من قريب.

القمر قد يُنير الدروب المظلمة للمسافرين أما وجهك فيُنير الزوايا المظلمة في قلبي.

الفرق الحقيقي هو أننا نحتاج لمناسبةٍ ما أو ليلٍ صافٍ لنتمتع بجمال القمر بينما يكفيني أن أغمض عيني لأستحضر وجهك وأستمد منه النور.

فسلامٌ على القمر في سماه وسلامٌ على وجهك الذي جعل من الأرض سماءً أخرى أسكنها بكل حب.

binsalihandpartners@gmail.com

عن محمد صالح محمد

محمد صالح محمد

شاهد أيضاً

مَلاذُ الروحِ تراتيلٌ في محرابِ “الزولة” السمحة

محمد صالح محمدفي عُمقِ الوجدان حيثُ لا تبلُغُ الكلماتُ حد الدهشة وحيثُ يستريحُ الزمنُ بعيداً …