ما أن تنفّست دارفور حكومة تأسيس
حتى اختنقت البلاد بسؤالها الأثقل
أهذه حكومةٌ جديدة، أم شهادة وفاة للدولة القديمة؟ أهذا ميقات الانفصال أم أوان الاعتراف؟ أنحاور المستقبل، أم نمدّ السطر الأخير في كتابٍ تمزّقت صفحاته تحت سنابك المدافع؟
هكذا، أُعلن عن حكومة مدنية تحت جناح الدعم السريع، لا من قلب الخرطوم، بل من خاصرة الوطن الدامية. وهنا، لا يكفي أن نرفع عقيرتنا بالرفض، ولا أن نحتمي بتعاويذ الوحدة المقدّسة ونحن ندفن رأسنا في رمال خطابٍ بائد لم يعد يقنع حتى كاتبيه
ما عاد الأمر ترف تحليل، بل اختبار بقاء.
الدولة التي نعرفها، والتي حملت اسم السودان الرسمي، انفرط عقدها منذ زمن. ليست الخرطوم عاصمةً اليوم إلا على ورقٍ خجول. من كان حاكمًا أصبح واجهة خاوية، ومن كان وزيرًا صار مذيعَ بيان، ومن كانت مؤسساتهم جدرانًا للسلطة تحوّلت إلى أطلالٍ يتلو عليها الجنرالات ما تبقّى من أساطير المجد الفارغ. لا شرعية تُرى بالعين، ولا سلطة تُمسك باليد
في هذا الفراغ السياسي والروحي، نشأت تأسيس. لا بوصفها البديل، بل بوصفها سؤال البديل. وإن حاول البعض اختزالها في “مليشيا”، فذاك فخ السرد الكسول. نعم، انبثقت من رحم الدعم السريع، لكن اختزالها في ذلك وحده هو عين العمى. إنما جاءت، في لحظة الانهيار الكامل لتقول بصوت غليظ إن ما كان، لم يكن وطنًا للجميع
تأسيس، مهما اعتراها من دماء وشبهات كتبت أول وثيقة سياسية من داخل الهامش، لا من برلمانات الخرطوم، بل من بين الركام. وثيقة لم تتجمّل، لم تتلوّن، بل سمّت الأشياء بأسمائها، ووضعت إصبعها في عين المركز، وصرخت كفى نهبًا، كفى استعلاءً، كفى تمثيلًا زائفًا باسم الدين والمدنية على السواء
لكن، لفهم اللحظة، علينا أن ننكأ الجرح الأول،
ذلك المشروع الإسلاموي الذي اختطف السودان عام ١٩٨٩ لا بوصفه انقلابًا فحسب، بل كعقيدةٍ فوقية، ترى في ما عدا الخرطوم مناطق نفعية، تُنهب مواردها، وتُطمس هوياتها، وتُستبدل جغرافيتها بسجلات الأمن والدعوة. كانوا ينشدون “الولاء لله”، فيما جيوبهم تتضخّم من تجارة الدم والذهب والبنزين
في دارفور، سلّموا القرى للجنجويد، وسلّموا النساء لسوق الرق الحديث، وسلّموا السماء لطائراتٍ تُمطر رعبًا، ثم قالوا، هذا جهاد
وفي جنوب كردفان والنيل الأزرق استخدموا الإغاثة كرمز طائرة مسيّرة، تقصف من لا يُسبّح بنغمة الخرطوم.
أما الشرق، فحُوّل إلى معبرٍ للموارد بلا عائد، ومتحف فقرٍ معاصر لا تمثيل له إلا حين تنفجر أنابيبه.
وهكذا، وبمنهجية باردة، صاغت الحركة الإسلامية”سودانًا بالأمر الواقع مركز يملك، وهامش يُستغل، والكل تحت عباءة الله، المُصنّعة في كواليس الأمن السياسي.
وبعد الثورة، حين بزغت أول بارقة أمل، لم ينسحبوا بل تحوّلوا. لبسوا ثوب الثورة، ثم خلعوه في أول مفترق. عطّلوا، دجّنوا، تآمروا، وحين اقترب الاتفاق، أشعلوا الحرب.
خرجت حناجرهم تصدح: “هذه حربنا، هذا جهادنا ضد العلمانية.
تحالفوا مع البرهان، لأنهم رأوا في الحرب آخر قارب نجاة.
والآن، حين تطرح “تأسيس” رؤيتها، لا يهاجمونها حبًا في الوطن، بل لأن الخرطوم تُسحب من تحتهم شبرًا شبرًا. الشرعية التي شادوا فوقها قصورهم، باتت تُكتب بلهجة دارفورية، بلونٍ غير لونهم، وبوجعٍ لا يملكون ترجمته
نعم، لـ”تأسيس” مأخذها. شبهة النشأة، سيرة القادة، ارتباطها بمليشيا تُلاحقها الجرائم.
لكن لا يُلغي ذلك أنها أول صوتٍ يعترف بأن السودان لم يكن متساويًا.
وأن الهامش لم يكن مجرد “مُشاهد”، بل ضحية، وميدان، ومُغيَّب.
إنه أول ميثاق يزعج الخرطوم لأنه كُتب خارجها
لا نقد تأسيس يجب أن يعيدنا إلى مركزية الوعي،
ولا رفض الحرب يجب أن يصمنا عن المطلب الحقيقي
إعادة توزيع السلطة والثروة، لا عبر صفقة، بل عبر عدالة تأخرت كثيرًا
لن يكون هناك وطن، ما لم تُستأصل جذور المشروع الإسلاموي، ويُحاسب المجرمون، لا بقرارات مصالحة، بل بأحكام عدل
ولن يُبنى جديد، ما لم نسمع صرخات الضحايا ونرفعها فوق كل منبر
لن ننهض إلا حين نصنع وطنًا يعترف بالنوبة والزغاوة والبجا والمساليت، لا كزينة تنوع، بل كأركان أصل
نحن أمام مشهد سياسي مختلف، لا مكان فيه لذهنيات “المثقفين الكولونياليين، أولئك الذين يكتبون عن السودان وكأنه يدور حول سنار، ويقرأون التاريخ من مصحف السلطنة الزرقاء.
هؤلاء لا يدركون أن المركز سقط، وأن القيادة المقبلة ستولد من المكان الذي طالما اعتُبر هوامش
تأسيس، بما لها وما عليها، ليست الإجابة لكنها ليست كذبة أيضًا.
هي سؤالٌ مفتوحٌ على المستقبل، وخريطةٌ مرسومةٌ بالدم، لكنها تشير إلى اتجاه مختلف
فلا تقتلوا السؤال برصاصة التخوين، ولا تطفئوا جذوة المطلب بحبر البيان
الخلاص لن يُسقط من السماء، بل سينهض من الأرض… من التُرَب المُخضّبة بالدم، من حيث اشتعلت النيران، من حيث جاع الطفل، وسُبيت المرأة، ونُكّل بالمجتمع لأنه فقط قال، أنا لست طرفًا في حروبكم، أنا الوطن
khirawi@hotmail.com
علاء خيراوي
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم