تأملات في الحرب والسلام والتغيير السياسي في السودان .. بقلم: عثمان محمد صالح
15 ديسمبر, 2014
منشورات غير مصنفة
36 زيارة
لا بأس في أن يرى معارض لسلطة “الإنقاذ” موضوع معارضته هرّةً مهزومةً لاتحسن القتال، أمّا الواقع العياني فيبرز حقيقتين جديرتين بالوقوف عندهما وهما :
– أن سلطة “الإنقاذ” تقاتل من يومها الأول حتى يوم الناس هذا. فإن لم تكتسب دربة القتال مراناً، اكتسبته بطول المدّة.
– وأن قتالها لم يكن في جبهة واحدة، بل في عدّة جبهات في آن. ويكفي تدليلاً على هذا إلقاء نظرة على خارطة السودان بعد انفصال الجنوب ليبين للرائي كيف تمدّد هلال الحروب القائمة.
وإنّي لأتساءل كيف تسنّى لسلطة “الإنقاذ” البقاء طوال ربع القرن من الزمان وهي سلطة حزب واحد تتحالف ضدّه بقيّة الأحزاب مدنيّها وعسكريّها، وهي تقاتل في عدّة جبهات؟. تكمن الإجابة عن هذا السؤال في
في حجم الإنفاق المتضخم على قطاع الدفاع والأمن والشرطة إذ كان نصيبه 11.5 مليار جنيه من 58.2 مليار جنيه هي جملة الإنفاق العام في موازنة 2014 ، بينما كان في 2013 8.5 مليار جنيه.
وداخل هذا القطاع حصل جهاز الأمن علي 2.2 مليار جنيه، بينما كان نصيبه في 2013 1.45 مليار جنيه *. وذلك لتأمين بقاء السلطة وقمع المعارضة المدنية ومقاتلة الجماعات المسلّحة في أطراف الدولة. وكلما طال أمد الحرب وتعدّدت جبهاتها ازدادت “الإنقاذ” شراسةً وعسكرةً وقمعاً للمعارضين وأخذت تلوح في الأفق بوادر الردّة إلى سنوات القبضة الحديدية وفظائع بيوت الأشباح.
سلطة “الإنقاذ” لم تشعل الحروب في أطراف الدولة ، لاهي ولا الأنظمة السياسية التي سبقتها منذ الاستقلال الوطني بل أشعلتها الجماعات المسلّحة في أطراف الدولة ، وإذا عدنا إلى الوراء منذ تمرد الجنوب عام 1955 نجد أن الجيش السوداني لم يشعل حرباً واحدة في أطراف الدولة، بل كان يجد نفسه منخرطاً في حروب تشعلها جماعات تشهر في وجهه السلاح.
فإذا كان معارضو “الإنقاذ” الرسميّين وأعني بهم قوى الإجماع الوطني حريصين على إيقاف الحرب، فعليهم أن يقنعوا تلك الجماعات المسلّحة حليفتهم في نداء السودان لإلقاء السلاح والعودة إلى الحياة المدنيّة. فإذا توقّفت الحرب وعاد النازحون واللاجئون إلى قراهم، وبدأت عملية إعادة إعمار مادمّرته الحرب ورتق النسيج الاجتماعي الذي تمزّق، فإن بند الصرف المترهل على الحرب سينكمش، وسيذهب جزء منه على الأقل للصرف على بنود هامة كالتعليم والصحة وتأهيل البنيات التحتية المنهارة وغير ذلك ما يعني ضخّ دماء جديدة في جسد الإقتصاد الذي أنهكته الحروب.
ربما اعترض معترض قائلاً : وما الذي يضمن ألا يبتلع الفساد وسوء استعمال السلطة الأموال التي “تتحرّر” من جبهة الحرب قبل أن تجد طريقها إلى بقية بنود الإنفاق؟. سؤال وجيه، يمكن الإجابة عليه بأنّ الحاكم، أي حاكم، حتى لو كان غارقاً في الفساد والطغيان، تضطره غريرة البقاء على دست الحكم، لعدم تبديد كلّ الموارد على نفسه وعلى أفراد حاشيته وعلى طبقة المنتفعين من حكمه، وتضطره للتنازل عن قدر حتّى لو كان ضئيلاً مما كان يذهب لرفاهية الصفوة الحاكمة لصالح المحكومين، وسينعكس ذلك على الاقتصاد فينتعش وتتوفّر فرص عمل جديدة، وتنفك ضائفة المعيشة التي تكبّل قوى التغيير عندما يصير سعي
الغالبية من الناس وانشغالها منحصراً في تدبير أسباب البقاء الفيزيائي من مأكل ومشرب.
إن الحرب المشتعلة في أطراف السودان، يروح ضحيّتها الأبرياء من المدنيين وخاصة الفئات الضعيفة كالنساء والأطفال والعجزة الذين يجدون أنفسهم محاصرين بين المتقاتلين، وهي تبدّد موارد الدولة الشحيحة، وتدمّر اقتصاد مناطق النزاع، وتحوّل حياة المدنيين إلى فرار متصل وذعر دائم وبحث عن ملجأ في معسكرات النزوح واللجوء، وهي تتسبّب في زيادة سُعار السلطة التي يوسوّس لها خنّاسها بالمتآمرين والطابور الخامس والخلايا النائمة.
إنّ في انطفاء الحروب سانحة لتطبيع الحياة في الأطراف المشتعلة الآن، وللتخفيف من وطأة العسكرة والإفقار الجماعي والقبضة الأمنيّة على حياة المواطنين فيما يعرف بالمركز وفتح الباب لتغيير سياسي منظّم بأداتي الانتفاضة أو الانتخابات ، أمّا استمرار الحرب والإفقار الجماعي فمن المرجح ألايقودا إلّا لنشوء وضع انفجاري ينتهي بالفوضى الشاملة ووقوع السودان في قبضة الجماعات المسلّحة.
هامش:
* المصدر : موازنة 2014 : الإنفاق العسكري في المقدمة. http://www.alrakoba.net/news-action-show-id-129327.htmhttp:
//www.alrakoba.net/news-action-show-id-129327.htmhttp://www.alrakoba.net/news-action-show-id-129327.htmhttp:/…n-show-id-129327.htmhttp://www.alrakoba.net/news-action-show-id-129327.htmhttp:/…n-show-id-129327.htm
osmanmsalih@hotmail.com