باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأحد, 18 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

تأييد الجيش السوداني في حربه ضد مليشيات الدعم السريع

اخر تحديث: 27 سبتمبر, 2026 9:43 مساءً
شارك

تأييد الجيش السوداني في حربه ضد مليشيات الدعم السريع: تشريح شامل للأسباب والمبررات والدوافع والمحددات والتجليات والفرص والتحديات والآليات والوسائل والتداعيات والتأثيرات مع تقييم نقدي مقارن

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

يقدم هذا المقال تحليلاً شاملاً ومنظماً لظاهرة تأييد الجيش السوداني في حربه ضد مليشيا الدعم السريع، باحثاً في أسبابها ومبرراتها ودوافعها ومحدداتها وتجلياتها، وراصداً أبرز المفكرين السودانيين الذين قادوا هذا التيار، ومقيّماً فرصه وتحدياته وآلياته وتداعياته. ويبدأ المقال بمقدمة تحليلية تؤكد أن الحرب التي اندلعت في الخامس عشر من أبريل 2023 ليست مجرد صراع بين جنرالين على السلطة، بل هي صراع حول طبيعة الدولة السودانية واحتكارها للسلاح وشرعية مؤسساتها ومستقبل وحدتها الوطنية، وقد خلّفت أكثر من 150,000 قتيل ونزوح أكثر من 12.8 مليون شخص، ووصفتها الأمم المتحدة بأنها أكبر أزمة إنسانية في العالم. ويبرز المقال أن تياراً واسعاً من المفكرين والأكاديميين والناشطين السودانيين اختار الاصطفاف مع الجيش، ليس دفاعاً عن ممارساته أو تبرئةً لسجله، بل انطلاقاً من قناعة راسخة بأن انهيار الجيش كمؤسسة وطنية يعني انهيار الدولة ذاتها، وأن انتصار مليشيا الدعم السريع يمثل تهديداً وجودياً للسودان وشعبه.

ويتناول الفصل الأول الجذور البنيوية للصراع، موضحاً أن الحرب الراهنة ليست حدثاً طارئاً بل حصيلة تراكم تاريخي معقد من سوء الإدارة والانقسامات النخبوية وتفكيك مؤسسات الدولة. فقد تأسست قوات الدعم السريع في الأصل كقوات حرس حدود ثم تحولت إلى مليشيا الجنجويد التي استخدمها نظام البشير لقمع التمرد في دارفور عام 2003، قبل أن يُضفى عليها طابع قانوني بموجب قانون صادر عن البرلمان عام 2017 يربطها ارتباطاً مباشراً بالقوات المسلحة. ويشرح المفكر عبد الله علي إبراهيم أن هذا التشريع يضع البرلمان في قفص الاتهام لأنه شرّع بوجود قوة موازية للجيش تحت قيادة الرئيس مباشرة، مما مهّد لانفجار الصراع لاحقاً. ويضيف إبراهيم أن مبدأ الدعم بالميليشيات ليس جديداً في السودان، فقد استعان الجيش في نظام عبود بميليشيات من شعب المورلي الجنوبي لقتال حركة أنيانيا، ووظّف نظام نميري أنيانيا 2 لحرب الحركة الشعبية، واستعان نظام الصادق المهدي بقوات المراحيل من المسيرية جنوب كردفان. وعندما أُطيح بنظام البشير في ثورة ديسمبر 2018، دخل الجيش والدعم السريع في شراكة هشة ضمن المجلس السيادي الانتقالي، قبل أن ينقلبا على الحكومة المدنية في أكتوبر 2021، ثم تصاعد الخلاف حول دمج الدعم السريع في الجيش النظامي، وهو ما اعتبره إبراهيم السبب المباشر لإشعال الحرب، إذ أشعل الدعم السريع الحرب عندما وجد نفسه أمام خيار الدمج في القوات المسلحة. ويؤكد المقال أن الحرب لم تكن صراعاً على السلطة فحسب، بل كانت أيضاً صراعاً حول هوية الدولة السودانية وطبيعة مؤسساتها، وهو ما يفسر لماذا اختار كثير من المفكرين السودانيين الاصطفاف مع الجيش.

ويتناول الفصل الثاني الأسباب والمبررات والدوافع، موضحاً أن تأييد الجيش يرتكز على مبدأ جوهري في النظرية السياسية الحديثة وهو أن الدولة لا يمكن أن توجد دون احتكار وسائل العنف المشروع. ويؤكد عبد الله علي إبراهيم أن الحرب اندلعت حول قضية حصرية السلاح واحتكار الدولة للقوة عبر جيش وطني، وأن حصرية السلاح لا تعني الديمقراطية لكنها شرط ضروري لأي دولة، لأن وجود جيشين في بلد واحد يعني بالضرورة انهيار الدولة أو انقسامها. ويستشهد إبراهيم بالمثل السوداني دا الحوار الغلب شيخو لوصف الوضع الذي خرج فيه الدعم السريع من رحم الجيش، معتبراً أنه انقلب السحر على الساحر، لكنه يرفض تحميل الجيش وحده مسؤولية ما حدث لأن نظام الإنقاذ هو من أنتج الدعم السريع وأخضعه لسياساته. ويشير المقال إلى أن تقرير بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق أكد أن كلاً من الجيش والدعم السريع ارتكبا جرائم حرب، لكن جرائم الدعم السريع ترقى في كثير من الحالات إلى جرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك الاضطهاد والإبادة، مما يبرز أن الجيش، رغم انتهاكاته الموثقة، لا يزال يمثل المؤسسة الشرعية الوحيدة القادرة على استعادة احتكار الدولة للسلاح. ويرتكز المبرر الثاني على ما يمكن تسميته الوطنية الاضطرارية، أي أن تأييد الجيش ليس اختياراً طوعياً بل اضطرارياً، إذ لا يوجد بديل آخر يحمي الدولة من الانهيار. ويصف إبراهيم هذا الموقف بأنه خيار مر، مضيفاً أن مناصرة الجيش خيار مر والدعم السريع أمر منه، محذراً من أن البلاد قد تنزلق إلى مصير الصومال وليبيا إذا انتصرت المليشيا. ويجد هذا الموقف صدى واسعاً بين قطاعات من الناشطين الديمقراطيين الشباب الذين كانوا في السابق من أشد منتقدي الجيش، لكنهم انقلبوا إلى دعمه عندما بدأت قوات الدعم السريع تستهدف المدنيين والمجموعات العرقية بشكل منهجي. ويشير المقال إلى أن تقارير دولية عديدة وثقت عمليات قتل واغتصاب وتهجير قسري واسعة النطاق ارتكبتها قوات الدعم السريع في دارفور والخرطوم، مما دفع شريحة واسعة من السودانيين، بمن فيهم من عارضوا الجيش سابقاً، إلى رؤيته كمؤسسة عسكرية شرعية وحيدة. أما الدافع الأعمق وراء هذا التأييد فهو الخوف الوجودي من الفوضى والانهيار، إذ أصبح واضحاً أن قوات الدعم السريع لا تقاتل من أجل مطالب سياسية محددة بل تسعى إلى السيطرة الكاملة على الدولة والموارد، مما يجعل أي تسوية سياسية معها دون تفكيكها ونزع سلاحها بمثابة تسليم الدولة لمليشيا إجرامية. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن ما لا يقل عن 11,300 مدني قتلوا في السودان خلال عام 2025 وحده، وهو ما يمثل ثلاثة أضعاف العدد المسجل في عام 2024، مع تقديرات أخرى تتراوح بين 40,000 و250,000 قتيل منذ بداية الحرب.

ويتناول الفصل الثالث المحددات والتجليات، موضحاً أن التأييد للجيش لم يكن موقفاً موحداً بل تأثر بمحددات أيديولوجية واجتماعية وجغرافية معقدة. فمن ناحية، ارتبط التأييد في بعض الأوساط بمخاوف من عودة الإسلاميين إلى السلطة تحت غطاء الجيش، إذ يرى بعض المحللين أن الجيش يحكم بتحالف ضمني مع الإسلاميين. ومن ناحية أخرى، اصطف كثير من مثقفي الهامش والحركات المسلحة السابقة إلى جانب الجيش بعد اتفاقيات سلام معه، مثل اتفاقية جوبا للسلام لعام 2020 التي دمجت فصائل مسلحة في الجيش. وهذه المحددات تجعل من الصعب تصنيف التأييد ضمن خانة واحدة، إذ يتراوح بين تأييد مبدئي لاحتكار الدولة للسلاح، وتأييد تكتيكي مؤقت، وتأييد براغماتي مرتبط بمصالح سياسية. وقد تجلى هذا التأييد في خطاب عام تصاعدي أطلقت عليه القوات المسلحة معركة الكرامة، وهو خطاب يقدّم الحرب ليس كصراع على السلطة بل كمعركة وجودية ضد تمرد وعدوان خارجي. وقد تبنى هذا الخطاب عدد من المفكرين البارزين، إلى درجة أن الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان وصف أحد الدعاة المؤيدين بأنه أحد سهام معركة الكرامة المصوبة نحو مليشيا الدعم السريع. وهذه التجليات لا تقتصر على الخطاب السياسي بل تمتد إلى الإنتاج الفكري والأكاديمي، حيث أصدر عدد من المفكرين مقالات وكتباً تدافع عن شرعية الجيش وتنتقد الدعم السريع، مثل كتاب محمد جلال هاشم الجيش السوداني، هل هو فعلاً مليشيا؟ الذي صدر في أبريل 2023. كما تجلى التأييد في أشكال متعددة من التعبئة الشعبية، إذ نظمت اللجان الشعبية في الأحياء السودانية حملات لجمع التبرعات وتقديم الدعم اللوجستي للجيش، وشكلت العديد من النساء السودانيات لجاناً لدعم الجيش، وبرزت شخصيات فنية وثقافية داعمة للجيش مثل ندا محمد عثمان المعروفة بـ ندى القلعة وأمجد بقيرة، كما جاهر الروائي عبد العزيز بركة ساكن بموقفه من الحرب مبكراً مؤكداً أن الوقوف مع الجيش في معركة بقاء، وقال إنه إذا انتصر الجنجويد على الجيش فلن تبقى هناك دولة في السودان.

ويتناول الفصل الرابع أبرز المفكرين السودانيين المؤيدين للجيش، ويبدأ بالبروفيسور عبد الله علي إبراهيم، المفكر والمؤرخ وأستاذ التاريخ في جامعة الخرطوم، الذي يُعدّ من أبرز الأسماء الفكرية السودانية التي اصطفت مع الجيش منذ الأيام الأولى للحرب. وقد برّر موقفه بأن الجيش هو المؤسسة الوحيدة القادرة على حفظ الدولة من الانهيار، وأن الحديث عن دولة 1956 التي يتبناها الدعم السريع هو حديث عن مكاء وتصدية. ويؤكد إبراهيم أن الدعم السريع لم تكن جزءاً عضوياً من القوات المسلحة في أي يوم، وأنها خرجت من نظام الإنقاذ الذي أطاح به السودانيون. ورغم انتقاده الشديد لنظام الإنقاذ وللجيش نفسه، فإنه يرى أن الوطنية تقتضي في هذه اللحظة الوقوف مع الجيش ضد مليشيا تريد تدمير الدولة. وقد تعرض إبراهيم لانتقادات حادة من بعض المثقفين الذين يرون في موقفه انقلاباً على نقد العسكرة الذي اشتهر به، لكنه يرد بأن الموقف مختلف لأن الدولة نفسها في خطر، وأن الحديث عن الديمقراطية قبل حفظ الدولة حديث عن العبث. ويشرح إبراهيم موقفه بمزيد من التفصيل فيقول إنه لا يدافع عن الجيش لأنه مقدس بل لأنه المؤسسة الوحيدة القادرة على منع انهيار الدولة، وأن الدعم السريع ليس بديلاً بل هو كارثة، وإذا انتصرت المليشيا لن يكون هناك سودان أصلاً. ويضيف أن التاريخ سيسجل أن الذين وقفوا مع الجيش في هذه اللحظة الحرجة كانوا يحمون مستقبل الأجيال القادمة. ثم ينتقل المقال إلى الدكتور محمد جلال هاشم، الكاتب والناشط الحقوقي الذي اشتهر بكتاباته عن الهامش ومشروع السودانوية، والذي يمثل نموذجاً لافتاً للتحول الفكري نحو تأييد الجيش. فقد قضى سنوات في التنظير لقضايا الهامش ونقد الأيديولوجيا الإسلاموعروبية، قبل أن يجد نفسه في هذه الحرب يتبنى خطاباً يراه البعض منحازاً بحدة للجيش. وقد برر موقفه بأن الجيش مؤسسة وطنية بدونها يمكن أن تنهار الدولة، وأن الجيش مهما بلغت عيوبه فإن الوطنية تقتضي الصبر عليه لأنه قابل للإصلاح. ويؤكد هاشم أن الدعوات إلى تفكيك الجيش نابعة من غبينة، وأن الحرب الحالية تستهدف تفتيت الدولة السودانية. وقد أثار موقفه جدلاً واسعاً بين النخبة السودانية، إذ يرى بعض النقاد أنه انقلب على ظله وتناقض مع مشروعه الفكري السابق، بينما يرى آخرون أنه نجح في امتحان الوطنية عندما وضع الوطن فوق كل شيء. ويشرح هاشم موقفه قائلاً إنه لم يغير مبادئه، وكان دائماً مع الدولة السودانية، والجيش ليس مقدساً لكنه أفضل من الفوضى، ومن يريد تفكيك الجيش يريد تفكيك السودان. ويضيف أن الحرب كشفت من هو الوطني حقاً ومن هو المتاجر بالقضية. وإلى جانب إبراهيم وهاشم، انضم إلى هذا التيار عدد من المفكرين والكتّاب السودانيين، من بينهم د. محمد سليمان ود. عشاري محمود وعمرو صالح ياسين، الذين أعلنوا دعمهم للجيش رغم عدائهم الذي لم يساوم في مقاومة الإخوان فكرياً وسياسياً. كما برز الأديب عبد العزيز بركة ساكن كأحد الأصوات المؤيدة للجيش، مما أثار جدلاً حول الانسجام بين موقفه السابق الداعم للحركة الشعبية وموقفه الحالي. وقد ضمت اللجنة التحضيرية للحوار السوداني السوداني التي شكلها البرهان في 2026 شخصيات أكاديمية وقانونية وثقافية وإعلامية معروفة، من بينها المحامي نبيل أديب، والدكتور محمد جلال هاشم، والبروفيسور الواثق كمير، والصحفي عثمان ميرغني، والدكتورة نعمات علي الزبير، وسليمان الأمين، والدكتور محمد المنير، والكاتب عبد الله آدم خاطر، والروائي عبد العزيز بركة ساكن، والبروفيسور منزول عسل، ونصر الدين شلقامي، والمحبوب عبد السلام. وقد أشار تقرير لسودان إندبندنت إلى أن الهندي عز الدين عُرف بمواقفه الداعمة للقوات المسلحة خلال سنوات الحرب، إذ سخّر قلمه للدفاع عن قضايا الوطن وخدمة المواطنين، كما ظل من الأصوات التي عبّرت عن هموم ولاية الجزيرة، ولم يهدأ له بال حتى تحررت الولاية من قبضة المليشيا. وهؤلاء المفكرون، رغم اختلاف خلفياتهم الأيديولوجية، يشتركون في قناعة واحدة: أن انهيار الجيش يعني انهيار الدولة، وأن الدعم السريع، بحكم تكوينه الميليشياوي وسجله في انتهاكات حقوق الإنسان، لا يمكن أن يكون بديلاً عن الدولة الوطنية. وقد أشار الكاتب السوداني خالد التيجاني النور إلى أن ما جرى يوم الخامس عشر من أبريل هو انقلاب قام به الدعم السريع من خارج مؤسسة الجيش وبتواطؤ من بعض القوى السياسية والمدنية، مضيفاً أن انتهاكات الجيش عرضية وانتهاكات الدعم السريع قصدية، كما أشار إلى أن بيان الرباعية حول السودان اتسم بالهشاشة لأنه لم يدن قوات الدعم السريع، معتبراً أن تحميل الجيش مسؤولية الصراع رواية فزاعة.

ويتناول الفصل الخامس الآليات والوسائل، موضحاً أن تأييد الجيش يتجسد في عدة آليات ووسائل، منها الإنتاج الفكري والأكاديمي من مقالات وكتب ومحاضرات، والخطاب الإعلامي من مقابلات وبرامج تلفزيونية ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، والتعبئة الشعبية من التحشيد للقتال وجمع التبرعات والدعم اللوجستي. وقد ظهرت هذه الآليات بوضوح في برامج مثل رتينة التي قدّمها محمد جلال هاشم، والتي أسهمت في تعبئة المناخ العام للحرب قبل اندلاعها من خلال الاستنفار للحرب والتحشيد الشعبي. كما استخدم الجيش نفسه هذه الآليات لتعزيز شرعيته، إذ اعتمد على شرعيته المتصورة إقليمياً ودولياً لتعزيز موقفه. وتلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في نشر هذا الخطاب، إذ تستخدم صفحات مؤيدة للجيش منصات مثل فيسبوك وتويتر لتسويق سردية معركة الكرامة وانتقاد الدعم السريع. كما استخدم الجيش آليات قانونية لتعزيز شرعيته، من بينها توجيه اتهامات رسمية للدعم السريع بارتكاب جرائم حرب، وتقديم ملفات إلى المحكمة الجنائية الدولية. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الآليات لم تقتصر على الجانب الخطابي، بل امتدت إلى دعم لوجستي مباشر من بعض الدول الإقليمية، مثل مصر التي قدمت دعماً عسكرياً وتقنياً للجيش السوداني، في حين تلقت قوات الدعم السريع دعماً من الإمارات وتشاد. كما أن الجيش تمكن من استعادة السيطرة على الخرطوم في مارس 2025، مما شكل نقطة تحول استراتيجية في مسار الحرب. ويشير المقال إلى أن الجيش جمع تحالفاً من الداعمين يشمل مصر وإريتريا وتركيا وقطر وإيران والمملكة العربية السعودية بشكل متزايد. كما أن الحوار السوداني السوداني الذي أطلقه البرهان يهدف إلى بناء أوسع جبهة ممكنة لتشكيل حكومة بالشراكة مع القوات العسكرية.

ويتناول الفصل السادس الفرص والتحديات، موضحاً أن من أبرز الفرص التي يتيحها تأييد الجيش هو تعزيز شرعيته الداخلية والخارجية. فقد أثبت الجيش قدرته على الصمود في حرب طويلة الأمد، مما دفع بعض الدول الإقليمية إلى تقديم دعم عسكري ولوجستي له، مثل مصر وتركيا وإيران. كما أن انشقاقات متسارعة في صفوف الدعم السريع، وفقدانه السيطرة على مناطق واسعة، وتراجع قدراته القتالية، كلها عوامل تعزز موقف الجيش وتجعل انتصاره أكثر احتمالاً. وتجدر الإشارة إلى أن الجيش تمكن من استعادة السيطرة على الخرطوم في مارس 2025، مما شكل نقطة تحول استراتيجية في مسار الحرب، وأدى إلى عودة حوالي 3.5 مليون نازح، بما في ذلك أكثر من 650,000 لاجئ سوداني. كما أن استعادة الجيش لمدن استراتيجية في كردفان ودارفور عززت موقفه التفاوضي وأضعفت قدرة الدعم السريع على فرض شروطها في أي تسوية سياسية محتملة. لكن التأييد للجيش يواجه تحديات كبيرة، أبرزها تآكل شرعيته الديمقراطية بسبب تحالفه الضمني مع الإسلاميين، وتزايد الانتقادات الدولية لانتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها طرفا النزاع. فقد خلص تقرير بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق إلى أن القوات المسلحة السودانية استخدمت طائرات مسيّرة مورّدة من الخارج في عمليات ألحقت أضراراً بالمدنيين والأعيان المدنية. وقد وثقت المنظمة أكثر من 2,394 حالة قتل أثناء العمليات العدائية، و990 حالة قتل خارج إطار العمليات العدائية في الفترة من يناير إلى يونيو 2025 وحدها. كما أن استمرار الحرب يزيد من معاناة المدنيين ويقوض أي أفق للحل السياسي، مما يضع المفكرين المؤيدين للجيش في موقف صعب: فهم يدعمون مؤسسة تحقق انتصارات عسكرية لكنها ترتكب أيضاً انتهاكات، ويدعمون حرباً تحمي الدولة لكنها تدمرها في الوقت نفسه. وتضاف إلى ذلك تحديات اقتصادية هائلة، حيث انخفض إنتاج الحبوب بنسبة 46% في السنة الأولى من الحرب، وبحلول 2025 كان ما يقرب من 90% من المزارعين يبلغون عن محاصيل أصغر، مع انخفاض الغلات بنسبة تصل إلى 71% في المناطق الأكثر اشتعالاً للقتال. وقد أدى هذا الانهيار الاقتصادي إلى ارتفاع أسعار الذرة الرفيعة في بعض الأسواق إلى أكثر من أربعة أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب. كما أن حوالي 30 مليون شخص في حاجة إلى المساعدة، وأربعة ملايين لاجئ في الدول المجاورة، وأكثر من 600,000 سوداني ضربهم المجاعة.

ويتناول الفصل السابع التداعيات والتأثيرات، موضحاً أنه على المستوى السياسي أدى تأييد الجيش إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية السودانية. فقد انقسمت قوى الحرية والتغيير بين من يدعم الجيش ومن يطالب بوقف الحرب والتفاوض، مما أدى إلى تصدع التحالف المدني الذي قاد ثورة ديسمبر. كما أن هذا التأييد منح الجيش غطاءً فكرياً وسياسياً لمواصلة الحرب، مما جعل أي حل سياسي أكثر تعقيداً، إذ يصبح من الصعب على الجيش تقديم تنازلات بعد أن بنى شرعيته على الانتصار العسكري. وفي المقابل، يرى بعض المحللين أن التأييد الشعبي للجيش قد يدفعه إلى تحمل مسؤولياته تجاه المدنيين، والانخراط في عملية سياسية بعد انتهاء الحرب. وقد أشار تقرير لصحيفة الشرق الأوسط إلى أن الحوار السوداني السوداني الذي أطلقه البرهان يهدف إلى بناء أوسع جبهة ممكنة لتشكيل حكومة بالشراكة مع القوات العسكرية. غير أن هذا الحوار يواجه انتقادات من القوى الثورية التي ترى فيه محاولة لتقنين الحكم العسكري تحت غطاء مدني. وعلى المستوى الفكري، أثار هذا التأييد جدلاً عميقاً حول دور المثقف في زمن الحرب. فبينما يرى المؤيدون أن الوطنية تقتضي الاصطفاف مع الدولة ضد المليشيا، يرى المعارضون أن المثقف يجب أن يقف مع الحق والعدالة، لا مع مؤسسة ترتكب انتهاكات. وقد أشار تقرير لصحيفة اندبندنت عربية إلى أن بعض المثقفين السودانيين اصطفوا خلف الجيش، والبعض الآخر خلف الدعم السريع، في انقسام يعكس أزمة النخبة السودانية. وهذا الجدل يعكس سؤالاً أعمق: هل يمكن للمثقف أن يكون وطنياً دون أن يكون نقدياً؟ وهل يصبح التأييد ضرورة عندما تكون الدولة في خطر؟ وقد أشار الكاتب السوداني خالد كودي في تحليل له إلى أن اللجنة التي شكلها البرهان تضم شخصيات أكاديمية وقانونية وثقافية، مما يثير تساؤلات حول دور المثقف في شرعنة الحكم العسكري. وفي المقابل، يرى المؤيدون أن الوقوف مع الجيش في هذه اللحظة هو موقف وطني، وليس شرعنة للعسكرة، لأن البديل هو الفوضى والانهيار. ويشير تقرير لسودان إيفنتس إلى أن تجريد السياق هو عمى فكري قاتل، ينبع إما من ضعف الثقافة السياسية أو من الخيانة، ويتغذى على جثة مواطن قتله intruder أجنبي. ويضيف التقرير أن التاريخ يقدم أمثلة موازية: المسيحيون في المشرق وضعوا أيديولوجيتهم جانباً وأرجأوا خلافاتهم الداخلية لمواجهة تهديد خارجي أكبر. وقد أشار تقرير لفورين بوليسي إلى أن الجيش السوداني هو جزء من المشكلة، وليس الحل، في إشارة إلى أن التأييد غير المشروط للجيش قد لا يكون في مصلحة السودان على المدى الطويل.

ويتناول الفصل الثامن تقييماً شاملاً ومقارناً، موضحاً أن تأييد الجيش السوداني في حربه ضد الدعم السريع ظاهرة فكرية وسياسية معقدة، تنبع من مخاوف حقيقية على مستقبل الدولة السودانية، لكنها تحمل أيضاً مخاطر كبيرة. فهي من ناحية تعزز شرعية الجيش كمدافع عن وحدة البلاد، لكنها من ناحية أخرى تمنحه غطاءً لمواصلة حرب مدمرة، وتؤجل أي حل سياسي، وتضع المثقفين في موقف متناقض مع قيمهم النقدية. ويجدر التمييز بين ثلاثة أنواع من التأييد: تأييد مبدئي يرتكز على مبدأ احتكار الدولة للسلاح، وتأييد تكتيكي مؤقت يهدف إلى هزيمة الدعم السريع ثم العودة إلى المطالبة بالديمقراطية، وتأييد براغماتي مرتبط بمصالح سياسية أو اقتصادية. وقد أشار تقرير لفورين بوليسي إلى أن تأييد الناشطين الديمقراطيين للجيش ليس تأييداً أيديولوجياً، بل هو فعل دفاع عن النفس في مواجهة تهديد وجودي. وفي المقابل، يرى النقاد أن هذا التأييد، حتى لو كان تكتيكياً، يمنح الجيش شرعية قد يستخدمها لاحقاً لتكريس حكمه. ويمكن مقارنة هذا الموقف بتأييد المثقفين في دول أخرى لجيوش بلدانهم في حروب أهلية. ففي سوريا، اصطف كثير من المثقفين مع الجيش ضد المعارضة المسلحة، وفي ليبيا، انقسم المثقفون بين دعم الجيش الوطني بقيادة حفتر والميليشيات المسلحة في طرابلس. وفي كلتا الحالتين، أدى التأييد إلى إطالة أمد الصراع وتعميق الانقسامات. غير أن الحالة السودانية تتميز بخصوصية: فالجيش السوداني ليس مجرد مؤسسة عسكرية، بل هو أيضاً مؤسسة اقتصادية وسياسية تمتلك شبكة واسعة من الشركات والمصالح، مما يجعله طرفاً في الصراع على الموارد، وليس مجرد مدافع عن الدولة. وفي اليمن، أدى تأييد المثقفين للتحالف العربي إلى تعميق الانقسامات وإطالة أمد الصراع، مما يقدم درساً مهماً للسودان: التأييد غير المشروط لأي طرف في حرب أهلية قد يؤدي إلى نتائج عكسية على المدى الطويل. ويمكن تفسير هذا التأييد من خلال عدة نظريات حديثة. نظرية صيد الإيل التي طورها جان جاك روسو، والتي تشير إلى أن التعاون بين الأطراف يكون صعباً عندما يخشى كل طرف أن يخون الآخر، تقدم تفسيراً ملائماً لموقف الجيش: فهو يخشى أن يخونه الدعم السريع إذا وافق على الاندماج، فيختار الحرب بدلاً من التعاون. وتحكي نظرية صيد الإيل قصة صيادين يمكنهم العمل معاً لصيد الإيل، وهو صيد كبير لا يتحقق إلا بالتعاون والثقة بين الصيادين، أو أن يختار كل صياد منهم مطاردة أرنب صغير يضمن له ربحاً سريعاً على حساب المكاسب الأكبر المشتركة. وفي الحالة السودانية، يظهر اللاعبون المحليون والإقليميون والدوليون كأنهم أسرى لهذا المنطق، فالجيش السوداني الذي يقوده عبد الفتاح البرهان، والذي يسعى للحفاظ على تماسك المؤسسة العسكرية وبسط السيطرة على الدولة، وقوات الدعم السريع التي يقودها محمد حمدان دقلو حميدتي، الذي يبحث عن اعتراف سياسي وواقع جديد يمنحه شراكة قسرية في السلطة أو الانفصال في الغرب، كان يمكن لهما أن يتعاونا لبناء نموذج انتقال سياسي مستقر بعد سقوط نظام عمر البشير، لكن انعدام الثقة بين الطرفين وتضارب مصالح الشبكات الاقتصادية داخل المؤسستين دفعهما إلى خيار الأرنب بدل الإيل. كما أن نظرية اقتصاديات الحرب التي تشير إلى أن استمرار الصراع يصبح هدفاً في حد ذاته عندما يدرّ عائدات اقتصادية على أطرافه، تفسر جزئياً لماذا لا يزال الجيش والدعم السريع يقاتلان رغم عدم قدرتهما على تحقيق انتصار حاسم. وقد تجلى هذا البعد الاقتصادي بوضوح في استيلاء الدعم السريع على حقل هجليج النفطي في ديسمبر 2025، وهو أكبر حقل نفطي في البلاد ويضم حوالي 75 بئراً ومنشآت معالجة رئيسية. أما نظرية الشرعية المحلية التي تشير إلى أن الشرعية لا تأتي فقط من الاعتراف الدولي بل من القدرة على تقديم الخدمات وتوزيع الموارد، فهي تفسر لماذا يفضل بعض السودانيين الجيش على الدعم السريع: لأن الجيش، رغم عيوبه، لا يزال قادراً على توفير قدر من النظام والاستقرار في المناطق التي يسيطر عليها. وتضاف إلى ذلك نظرية الأمننة التي طورتها مدرسة كوبنهاغن، والتي تفسر كيف يتحول الصراع من نزاع سياسي إلى تهديد وجودي يتطلب استجابة استثنائية، وهو ما ينطبق على خطاب معركة الكرامة الذي يقدم الحرب كمعركة وجودية ضد تهديد خارجي. وقد أشار تقرير للشبكة الأناركية إلى أن الاقتصاد السياسي للصراع في السودان يتميز بتحالف غير مبارك بين العسكريين والميليشيات، حيث بنت الحكومات السودانية المتعاقبة نظاماً اقتصادياً قائماً على الاستخراج، يستند إلى أربع ركائز: الجنرالات لقمع العمال، وقادة الميليشيات لضبط المزارعين المستأجرين، وأصحاب رأس المال، والسياسيون لشرح الترتيب للندن. ويضيف التقرير أن المخططين الاستعماريين صمموا دارفور ليس للإنتاج، بل كمنطقة عازلة لتجنيد الجنود بثمن بخس، ومن هذه البنية خرجت ميليشيا الجنجويد. كما أشار تقرير لروزا لوكسمبورغ إلى أن الوضع الراهن في السودان هو نتيجة مباشرة لوجود جيش موازٍ ونتيجة سنوات من اعتماد الجيش النظامي على الميليشيات المتحالفة معه وخضوعه لها.

ويتناول الفصل التاسع الدروس المستفادة والتوصيات، موضحاً أنه يمكن استخلاص عدة دروس مستفادة وتوصيات قابلة للتنفيذ في السياق السوداني. أولاً، يجب على المؤيدين للجيش أن يمارسوا تأييداً نقدياً لا تأييداً مطلقاً، أي دعم الجيش في حربه ضد الدعم السريع مع الاستمرار في انتقاد انتهاكاته والمطالبة بالمساءلة. وقد أشار تقرير لمجموعة الأزمات الدولية إلى أن الضغط الشعبي والمدني على الجيش لتحسين سلوكه يمكن أن يكون أكثر فعالية من الانتقاد الخارجي. ثانياً، ينبغي أن يكون التأييد مشروطاً بمدة زمنية محددة وبأهداف واضحة، مثل هزيمة الدعم السريع واستعادة السيطرة على الأراضي، ثم الانتقال إلى عملية سياسية شاملة. ثالثاً، يجب على المفكرين المؤيدين للجيش أن يلعبوا دوراً في حماية المدنيين والضغط من أجل فتح ممرات إنسانية، بدلاً من الاكتفاء بالخطاب التعبوي. وقد أشار تقرير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن أكثر من 30 مليون شخص في حاجة إلى مساعدات إنسانية، بما في ذلك أكثر من 9.6 مليون نازح داخلياً. رابعاً، ينبغي على المجتمع الدولي أن يدعم الجيش في حربه ضد الدعم السريع مع فرض شروط صارمة تتعلق بحماية المدنيين واحترام حقوق الإنسان. خامساً، يجب أن يكون هناك حوار وطني شامل بعد انتهاء الحرب يشمل جميع القوى السياسية والمدنية، بما في ذلك من عارضوا الجيش، لضمان عدم تكرار أخطاء الماضي. وقد أشار تقرير لمعهد السلام الأمريكي إلى أن أي تسوية سياسية مستدامة في السودان يجب أن تشمل جميع الأطراف، بما في ذلك الحركات المسلحة والقوى المدنية. سادساً، ينبغي على المفكرين والمثقفين السودانيين أن يعملوا على تجاوز الانقسام الحاد الذي أحدثته الحرب، من خلال الحوار والنقاش العام، بدلاً من الاصطفاف غير المشروط مع أي طرف. وقد أشار تقرير لسودان إيفنتس إلى أن التاريخ يقدم دروساً مهمة: المسيحيون في المشرق وضعوا أيديولوجيتهم جانباً وأرجأوا خلافاتهم الداخلية لمواجهة تهديد خارجي أكبر، وهذا ما يحتاجه السودان اليوم. سابعاً، يجب على المجتمع الدولي أن يعمل على تجفيف منابع تمويل الحرب، من خلال فرض عقوبات على تجارة الذهب والصمغ العربي التي تمول طرفي النزاع. وقد أشار تقرير لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى أن اقتصاد الحرب في السودان يسهم في إدامة النزاع المستمر منذ ثلاثة أعوام ويعرض سلاسل الإمداد العالمية لمخاطر جسيمة تتعلق بحقوق الإنسان. ويشير التقرير إلى أن الصمغ العربي، الذي كان السودان يستأثر بنحو 70% إلى 80% من صادراته العالمية قبل الحرب، أصبح جزءاً من اقتصاد الحرب من خلال استخراجه ونقله وتصديره، فضلاً عن فرض مدفوعات رسمية وغير رسمية على طول طرق التجارة.

وتنتهي الخاتمة النقدية بتأكيد أن تأييد الجيش السوداني في حربه ضد مليشيا الدعم السريع ليس موقفاً بسيطاً يمكن تصنيفه بسهولة. إنه موقف ينبع من مخاوف حقيقية على مستقبل الدولة، ومن قناعة بأن البديل المتمثل في انتصار المليشيا سيكون كارثياً على السودان وشعبه. لكنه في الوقت نفسه موقف محفوف بالمخاطر، لأنه يمنح الجيش شرعية لمواصلة حرب مدمرة، ويؤجل الحل السياسي، ويضع المثقفين في موقف متناقض مع قيمهم النقدية. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً هو: هل يمكن للجيش السوداني، بعد أن ينتصر عسكرياً، أن يتحول إلى مؤسسة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان وتخضع للمساءلة المدنية؟ أم أن الحرب، بمنطقها الخاص، ستجعله مؤسسة أكثر استبداداً وانغلاقاً؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل السودان، بل أيضاً مصداقية كل من اصطف مع الجيش في هذه الحرب. وفي هذا السياق، يظل دور المثقف حيوياً: فالتأييد النقدي، القائم على المبادئ والمساءلة، هو السبيل الوحيد لضمان ألا يتحول تأييد الجيش إلى شرعنة للعسكرة، وأن تظل قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان حاضرة في وجدان الأمة حتى بعد انتهاء الحرب. وقد أشار تقرير لمجموعة الأزمات الدولية إلى أن الحقيقة المرة هي أن الدبلوماسية لم ترقَ إلى مستوى هذه الأزمة. ويضيف أن فرص التوصل إلى اتفاق سلام دائم في السودان ما تزال محدودة، في ظل صعوبة تصور تسوية سياسية لا تمنح الدعم السريع دوراً في المرحلة المقبلة، رغم الرفض الشعبي الواسع لذلك. وفي ظل هذه التعقيدات، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف يمكن للسودان أن يخرج من هذه الحرب المدمرة بدولة قادرة على احتكار السلاح، واحترام حقوق الإنسان، وضمان مشاركة جميع مواطنيها في بناء مستقبلهم؟ الإجابة على هذا السؤال تتطلب أكثر من مجرد تأييد أو معارضة، بل تتطلب رؤية وطنية شاملة تجمع بين الواقعية السياسية والمبادئ الأخلاقية.

النص الكامل للمقال

المقدمة التحليلية: حرب أعادت تعريف الدولة والمواطنة والانقسام الفكري

في الخامس عشر من أبريل 2023، انفجرت العاصمة السودانية الخرطوم في مواجهة مسلحة غير مسبوقة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، لتنزلق البلاد إلى حرب تجاوزت الثلاث سنوات، خلّفت أكثر من 150,000 قتيل وفق تقديرات غير رسمية، ونزوح ما يزيد على 12.8 مليون شخص داخل السودان وخارجه، ووصفتها الأمم المتحدة بأنها “أكبر أزمة إنسانية في العالم” (UNHCR, 2025). وقد وثقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان مقتل ما لا يقل عن 11,300 مدني في عام 2025 وحده، وهو ما يمثل زيادة بأكثر من مثلي ونصف المثل عن العام السابق، مع الإقرار بأن آلاف القتلى الآخرين لم تُحدد هوياتهم أو ما زالوا في عداد المفقودين (OHCHR, 2026). غير أن هذه الحرب، على فداحتها، لم تكن مجرد صراع بين جنرالين على السلطة، بل كشفت عن أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة السودانية، واحتكارها للسلاح، وشرعية مؤسساتها، ومستقبل وحدتها الوطنية. وفي خضم هذا الاستقطاب الحاد، برز تيار واسع من المفكرين والأكاديميين والناشطين السودانيين الذين اختاروا الاصطفاف مع الجيش السوداني، ليس دفاعاً عن ممارساته أو تبرئةً لسجله، بل انطلاقاً من قناعة راسخة بأن انهيار الجيش كمؤسسة وطنية يعني انهيار الدولة ذاتها، وأن البديل المتمثل في انتصار مليشيا الدعم السريع يمثل تهديداً وجودياً للسودان وشعبه. هذا المقال يحلل هذا التيار التأييدي تحليلاً شاملاً ومنظماً، باحثاً في أسبابه ومبرراته ودوافعه ومحدداته وتجلياته، وراصداً أبرز المفكرين السودانيين الذين قادوه، ومقيّماً فرصه وتحدياته وآلياته وتداعياته، في محاولة لتقديم صورة دقيقة ومعمقة لظاهرة فكرية وسياسية بالغة التعقيد.

أولاً: الجذور البنيوية للصراع: من ميليشيات العبود إلى وحش الدعم السريع

لفهم أسباب تأييد الجيش السوداني في حربه ضد الدعم السريع، لا بد من العودة إلى الجذور البنيوية التي أنتجت هذا الصراع. فالحرب الراهنة ليست حدثاً طارئاً، بل هي حصيلة تراكم تاريخي معقد من سوء الإدارة والانقسامات النخبوية وتفكيك مؤسسات الدولة (Salah Eddin & Ngwenya, 2024). تأسست قوات الدعم السريع في الأصل كقوات “حرس حدود” ثم تحولت إلى مليشيا “الجنجويد” التي استخدمها نظام البشير لقمع التمرد في دارفور عام 2003، قبل أن يُضفى عليها طابع قانوني بموجب قانون صادر عن البرلمان عام 2017 يربطها ارتباطاً مباشراً بالقوات المسلحة (Rosa Luxemburg Stiftung, 2026). وقد بدأت هذه القوات نشاطها العسكري في إقليم دارفور عام 2003، حيث تعاونت مع الجيش السوداني، لكنها في الوقت نفسه ارتكبت جرائم واسعة ضد المدنيين شملت القتل والحرق والسلب والنهب (Tasnim News Agency, 2025). وعُرفت وقتها بمليشيات “الجنجويد” وهو مصطلح يصف أفراد القوة وتشبيههم بـ”جن يمتطي جواداً” (Sabq Press, 2023). وتعود جذور هذه الميليشيا إلى عام 2003 عندما حشدت حكومة البشير قوات من الرعاة العرب لمحاربة المتمردين الأفارقة في دارفور (Masrawy, 2023). وقد أُنشئت قوات الدعم السريع رسمياً بموجب قانون صادر عن البرلمان في عام 2017، وهو القانون الذي وضعه البرلمان في “قفص الاتهام” كما يوضح المفكر السوداني عبد الله علي إبراهيم، لأنه شرّع بوجود قوة موازية للجيش تحت قيادة الرئيس مباشرة، مما مهّد لانفجار الصراع لاحقاً (إبراهيم، 2026). وينص القانون الذي جاء في سبعة فصول و25 مادة على أن قوات الدعم السريع “قوات عسكرية قومية التكوين تهدف لإعلاء قيم الولاء لله والوطن” وتتبع للقوات المسلحة وتعمل تحت إمرة القائد الأعلى للقوات المسلحة (Suna, 2017). وقد صدر أول تعديل على المرسوم الدستوري رقم 32 لعام 2019 ونص على تحويل تبعية قوات الدعم السريع من رئيس الجمهورية إلى القائد العام للقوات المسلحة وفقاً لما جاء في المادة 3 من قانون القوات المسلحة لسنة 2007 (Arab Center for Research and Policy Studies, 2019).

ويضيف إبراهيم أن مبدأ الدعم بالميليشيات ليس جديداً في السودان، فقد استعان الجيش في نظام الفريق عبود (1958 – 1964) بميليشيات من شعب المورلي الجنوبي لقتال حركة “أنيانيا” القومية الجنوبية التي خرجت عليه، ووظّف نظام جعفر نميري (1969 – 1985) “أنيانيا 2” التي أعقبت الأولى لحرب “الحركة الشعبية لتحرير السودان” وأول ظهورها خلال عام 1983، واستعان نظام الإمام الصادق المهدي (1986 – 1989) بقوات عرفت بـ”المراحيل” من شعب المسيرية جنوب كردفان لمواصلة الحرب ضد “الحركة الشعبية” (إبراهيم، 2025). وقد استمر هذا النمط من الاعتماد على الميليشيات عبر العقود، مما أدى إلى تراكم بنيوي جعل الدولة السودانية عاجزة عن احتكار وسائل العنف المشروع. وعندما أُطيح بنظام البشير في ثورة ديسمبر 2018، دخل الجيش والدعم السريع في شراكة هشة ضمن المجلس السيادي الانتقالي، قبل أن ينقلبا على الحكومة المدنية في أكتوبر 2021. وبعد ذلك، تصاعد الخلاف حول عملية دمج الدعم السريع في الجيش النظامي، وهو ما اعتبره إبراهيم السبب المباشر لإشعال الحرب، إذ “أشعل الدعم السريع الحرب عندما وجد نفسه أمام خيار الدمج في القوات المسلحة” (إبراهيم، 2026). ويضيف أن “حميدتي أراد أن يتغدى بالثورة قبل أن تتعشى به” (إبراهيم، 2024). وهكذا، يمكن القول إن الحرب لم تكن صراعاً على السلطة فحسب، بل كانت أيضاً صراعاً حول هوية الدولة السودانية وطبيعة مؤسساتها، وهو ما يفسر إلى حد كبير لماذا اختار كثير من المفكرين السودانيين الاصطفاف مع الجيش. وقد أكدت هذه الرؤية تقارير دولية عديدة، من بينها تقرير مؤسسة “روزا لوكسمبورغ” الذي خلص إلى أن الصراع على السلاح والسيطرة على الموارد هو جوهر الأزمة السودانية (Rosa Luxemburg Stiftung, 2026)، وتقرير “مجموعة الأزمات الدولية” الذي أشار إلى أن الحرب “تعيد تشكيل خرائط الولاء والسلطة في السودان” (Crisis Group, 2026). وقد أشار تقرير لـ”الأفريكان أرغومنتس” إلى أن “الحرب لم تكن انهياراً للنظام، بل كانت النظام نفسه يعمل” (Africa Arguments, 2026). كما أن تقرير “معهد كلينجنديل” الهولندي أشار إلى أن “الجيش السوداني وحلفاءه يمثلون الفاعل الرئيسي في الدولة” (Clingendael Institute, 2024). وفي السياق نفسه، أكد تقرير للاتحاد الأوروبي أن “الجيش يحكم بتحالف ضمني مع الإسلاميين” (EUAA, 2025).

ثانياً: الأسباب والمبررات والدوافع: لماذا يقف المفكرون مع الجيش؟

يرتكز تأييد الجيش السوداني في حربه ضد الدعم السريع على مبدأ جوهري في النظرية السياسية الحديثة، وهو أن الدولة لا يمكن أن توجد دون احتكار وسائل العنف المشروع. ويؤكد عبد الله علي إبراهيم أن “الحرب في السودان اندلعت حول قضية حصرية السلاح واحتكار الدولة للقوة عبر جيش وطني” (إبراهيم، 2026). ويشرح هذا الموقف بأن “حصرية السلاح لا تعني الديمقراطية”، لكنها شرط ضروري لأي دولة، لأن وجود جيشين في بلد واحد يعني بالضرورة انهيار الدولة أو انقسامها. ويستشهد إبراهيم بالمثل السوداني “دا الحوار الغلب شيخو” لوصف الوضع الذي خرج فيه الدعم السريع من رحم الجيش، معتبراً أنه “انقلب السحر على الساحر”، لكنه يرفض في الوقت نفسه تحميل الجيش وحده مسؤولية ما حدث، لأن نظام الإنقاذ هو من أنتج الدعم السريع وأخضعه لسياساته (إبراهيم، 2024). وقد أكد تقرير لبعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في السودان أن “كلاً من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ارتكبتا جرائم حرب”، لكن التقرير أوضح أن “جرائم الدعم السريع ترقى في كثير من الحالات إلى جرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك الاضطهاد والإبادة” (OHCHR, 2025). ويُبرز هذا التمييز القانوني أن الجيش، رغم انتهاكاته الموثقة، لا يزال يمثل، من منظور القانون الدولي، المؤسسة الشرعية الوحيدة القادرة على استعادة احتكار الدولة للسلاح. وقد وثقت منظمة العفو الدولية في تقرير مطول “جرائم ضد الإنسانية وتطهيراً عرقياً” ارتكبتها قوات الدعم السريع خلال حصارها مدينة الفاشر في شمال دارفور بين مطلع 2024 وأكتوبر 2025، بما في ذلك “القتل والتعذيب والاغتصاب والاستعباد الجنسي والتهجير القسري”، واصفة هذه الجرائم بأنها “وصمة في ضمير الإنسانية” (Amnesty International, 2026). وقد خلص تقرير بعثة الأمم المتحدة إلى أن “عمليات القتل الجماعي والفظائع المرتبطة بها التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في الفاشر وحولها، أثناء استيلائها على المدينة يومي 26 و27 تشرين الأول/أكتوبر 2025 أو في الفترة المحيطة بهما، تشكل مؤشرات على مسار إبادة جماعية” (United Nations Digital Library, 2025). ويشير التحقيق الأممي إلى أن “قوات الدعم السريع نفذت حملة تدمير تحمل سمات إبادة جماعية ضد مجتمعات غير عربية أثناء سيطرتها على مدينة الفاشر وحولها غربي السودان أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2025″، خصوصاً ضد مجتمعات الزغاوة والفور (Anadolu Agency, 2026).

ويرتكز المبرر الثاني لتأييد الجيش على ما يمكن تسميته “الوطنية الاضطرارية”، أي أن تأييد الجيش ليس اختياراً طوعياً بل اضطرارياً، إذ لا يوجد بديل آخر يحمي الدولة من الانهيار. ويصف عبد الله علي إبراهيم هذا الموقف بأنه “خيار مر”، مضيفاً أن “مناصرة الجيش خيار مُر، والدعم السريع أمَر منه”، محذراً من أن البلاد قد تنزلق إلى “مصير الصومال وليبيا” إذا انتصرت المليشيا (إبراهيم، 2024). ويؤكد أن الجيش، رغم عيوبه، يظل المؤسسة الوطنية الوحيدة القادرة على حفظ وحدة البلاد ومنع انقسامها، مستشهداً بالتاريخ السوداني الذي شهد حروباً أهلية ممتدة عندما انهارت مؤسسات الدولة. وهذا الموقف يجد صدى واسعاً بين قطاعات من الناشطين الديمقراطيين الشباب الذين كانوا في السابق من أشد منتقدي الجيش، لكنهم انقلبوا إلى دعمه عندما بدأت قوات الدعم السريع تستهدف المدنيين والمجموعات العرقية بشكل منهجي. فقد أشار تقرير لمجلة “فورين بوليسي” إلى أن “الناشطين الديمقراطيين الشباب الذين كانوا في السابق من منتقدي الجيش قد التحقوا بالجيش أو دعموه، لأنهم رأوا في المليشيا التهديد الأكبر لسيادة السودان ومستقبله” (Foreign Policy, 2025). وتشير دراسة صادرة عن معهد “كلينجنديل” الهولندي إلى أن شريحة واسعة من السودانيين، بمن فيهم من عارضوا الجيش سابقاً، باتوا يرون فيه “المؤسسة العسكرية الشرعية الوحيدة” في البلاد (Clingendael Institute, 2024). وقد أكدت هذه الرؤية تقارير ميدانية عديدة، من بينها تقرير “هيومن رايتس ووتش” الذي وثق “عمليات قتل واغتصاب وتهجير قسري واسعة النطاق” ارتكبتها قوات الدعم السريع في دارفور والخرطوم (Human Rights Watch, 2024). ويشير تقرير “فورين بوليسي” إلى أن “الحكومة الأمريكية برئاسة جو بايدن قررت أن قوات الدعم السريع ارتكبت أعمال إبادة جماعية، لكن هذا القرار لا يعكس التعقيدات على الأرض” (Foreign Policy, 2025). كما أن تقرير “الأمم المتحدة” وثّق أكثر من 500 ضحية للعنف الجنسي في عام 2025 وحده، بما في ذلك الاغتصاب والاغتصاب الجماعي والتعذيب الجنسي والاستعباد الجنسي، وفي بعض الحالات أدت هذه الجرائم إلى الوفاة (OHCHR, 2026).

والدافع الأعمق وراء هذا التأييد هو الخوف الوجودي من الفوضى والانهيار. فبعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، أصبح واضحاً أن قوات الدعم السريع لا تقاتل من أجل مطالب سياسية محددة، بل تسعى إلى السيطرة الكاملة على الدولة والموارد. وقد خلص تقرير لبعثة الأمم المتحدة إلى أن المليشيا “استخدمت استراتيجية متعددة الأوجه لتوطيد سلطتها” في دارفور، بما في ذلك السيطرة على الموارد والتحالفات القبلية (United Nations Digital Library, 2024). وفي هذا السياق، يرى كثير من المفكرين السودانيين أن أي تسوية سياسية مع الدعم السريع دون تفكيكه ونزع سلاحه ستكون بمثابة “تسليم الدولة لمليشيا إجرامية”، وهو ما يفسر إصرار قيادة الجيش على أن أي حل سياسي يجب أن يبدأ بحل الدعم السريع (Al-Burhan, 2025). وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن ما لا يقل عن 11,300 مدني قتلوا في السودان خلال عام 2025 وحده، وهو ما يمثل ثلاثة أضعاف العدد المسجل في عام 2024 (OHCHR, 2026). وتضيف تقديرات أخرى أن العدد الإجمالي للقتلى منذ بداية الحرب قد يتراوح بين 40,000 و250,000 شخص، مع الإقرار بأن هذه الأرقام تمثل “حداً أدنى” بسبب صعوبات التوثيق (L’Osservatorio, 2025). وقد أشار تقرير لصحيفة “سودان تربيون” إلى أن “أكثر من 120 عاملاً إغاثياً قتلوا منذ بداية النزاع، مما يقيد العمل الإنساني المحايد على الأرض” (Sudan Tribune, 2025). كما أن “حوالي 30.4 مليون شخص في حاجة إلى المساعدة الإنسانية في عام 2025″، وفقاً لتقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF, 2025). ويشير تقرير “مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية” إلى أن “ما يقرب من 14 مليون شخص نزحوا داخلياً أو فروا إلى الدول المجاورة، مما خلق احتياجات حماية حادة في دارفور وكردفان ومناطق الخرطوم” (OCHA, 2025). وقد بلغ عدد النازحين داخلياً 8.9 مليون شخص حتى مايو 2026، وفقاً لتقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR, 2026).

ثالثاً: المحددات والتجليات: خرائط التأييد ومسارات الاصطفاف

لم يكن التأييد للجيش موقفاً موحداً، بل تأثر بمحددات أيديولوجية واجتماعية وجغرافية معقدة. فمن ناحية، ارتبط التأييد في بعض الأوساط بمخاوف من عودة الإسلاميين إلى السلطة تحت غطاء الجيش، إذ يرى بعض المحللين أن الجيش “يحكم بتحالف ضمني مع الإسلاميين” (EUAA, 2025). وقد أشار تقرير لـ”الحركة الأناركية السودانية” إلى أن “شخصيات كانت تنتقد سياسات السلطات، مثل الدكتور محمد جلال هاشم والبدري ومثقفين آخرين مرتبطين بالسلطات، تخضع لسياسة البرهان التي تهدف إلى تقنين الحكم العسكري” (Murtada, 2026). ومن ناحية أخرى، اصطف كثير من مثقفي الهامش والحركات المسلحة السابقة إلى جانب الجيش بعد اتفاقيات سلام معه، مثل اتفاقية جوبا للسلام لعام 2020، التي دمجت فصائل مسلحة في الجيش. وقد أشار تقرير لـ”معهد دراسات الأمن” إلى أن “الجيش السوداني يسيطر على قطاعات اقتصادية واسعة، مما يجعله فاعلاً اقتصادياً وليس فقط عسكرياً” (ISS, 2024). وهذه المحددات تجعل من الصعب تصنيف التأييد ضمن خانة واحدة، إذ يتراوح بين تأييد مبدئي لاحتكار الدولة للسلاح، وتأييد تكتيكي مؤقت، وتأييد براغماتي مرتبط بمصالح سياسية. وقد تجلى هذا التأييد في خطاب عام تصاعدي أطلقت عليه القوات المسلحة “معركة الكرامة”، وهو خطاب يقدّم الحرب ليس كصراع على السلطة، بل كمعركة وجودية ضد “تمرد” و”عدوان خارجي”. وقد تبنى هذا الخطاب عدد من المفكرين البارزين، إلى درجة أن الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش، وصف أحد الدعاة المؤيدين بأنه “أحد سهام معركة الكرامة المصوبة نحو مليشيا الدعم السريع” (Africa Press, 2024). وهذه التجليات لا تقتصر على الخطاب السياسي، بل تمتد إلى الإنتاج الفكري والأكاديمي، حيث أصدر عدد من المفكرين مقالات وكتباً تدافع عن شرعية الجيش وتنتقد الدعم السريع، مثل كتاب محمد جلال هاشم “الجيش السوداني، هل هو فعلاً مليشيا؟” الذي صدر في أبريل 2023 (هاشم، 2023). وقد أشار تقرير لشبكة “أتر” إلى أن “التعبئة شملت أفراداً من خلفيات سياسية وفكرية متنوعة، انطلقوا من داخل المعسكرات العسكرية وساحات المعارك” (Atar Network, 2025). كما أن “فناني الأداء والموسيقيين السودانيين انقسموا هم أيضاً بين مؤيد للجيش ومؤيد للدعم السريع، مما يعكس انقساماً أعمق في النسيج الاجتماعي السوداني” (Salaam Media, 2024).

وقد تجلى التأييد أيضاً في أشكال متعددة من التعبئة الشعبية. فقد أشار تقرير لـ”مركز دراسات السلام” إلى أن “اللجان الشعبية في الأحياء السودانية نظمت حملات لجمع التبرعات وتقديم الدعم اللوجستي للجيش، بما في ذلك تقديم الطعام والشراب للمقاتلين في الخطوط الأمامية” (Peace Studies Center, 2025). كما أن “العديد من النساء السودانيات شكلن لجاناً لدعم الجيش، من بينهن أميرة حسين موسى، مديرة الثقافة في كسلا، التي أشادت بتضحيات القوات المسلحة ودعت إلى توحيد الصف خلفها” (Naffaj News, 2025). وفي السياق نفسه، “برزت شخصيات فنية وثقافية داعمة للجيش، مثل ندا محمد عثمان المعروفة بـ’ندى القلعة’، وأمجد بقيرة، وغيرهما من الفنانين الذين قدموا عروضاً داعمة للجيش” (Salaam Media, 2024). وقد أشار تقرير لـ”الجزيرة نت” إلى أن “الروائي السوداني عبد العزيز بركة ساكن جاهر بموقفه من الحرب الدائرة في الخرطوم بشكل مبكر، وفي وقت كان يختلط فيه الأمر على الكثيرين”، مؤكداً أن “الوقوف مع الجيش في معركة بقاء” (Al Jazeera, 2023). وقال ساكن: “إذا انتصر الجنجويد على الجيش فلن تبقى هناك دولة في السودان” (Al Jazeera, 2023).

رابعاً: أبرز المفكرين السودانيين المؤيدين للجيش: من النقد إلى الاصطفاف

يُعدّ البروفيسور عبد الله علي إبراهيم، المفكر والمؤرخ وأستاذ التاريخ في جامعة الخرطوم، واحداً من أبرز الأسماء الفكرية السودانية التي اصطفت مع الجيش منذ الأيام الأولى للحرب. وقد برّر موقفه بأن “الجيش هو المؤسسة الوحيدة القادرة على حفظ الدولة من الانهيار”، وأن “الحديث عن دولة 1956 التي يتبناها الدعم السريع هو حديث عن مكاء وتصدية” (إبراهيم، 2024). ويؤكد إبراهيم أن الدعم السريع “لم تكن جزءاً عضوياً من القوات المسلحة في أي يوم”، وأنها “خرجت من نظام الإنقاذ الذي أطاح به السودانيون” (إبراهيم، 2024). ورغم انتقاده الشديد لنظام الإنقاذ وللجيش نفسه، فإنه يرى أن “الوطنية تقتضي في هذه اللحظة الوقوف مع الجيش ضد مليشيا تريد تدمير الدولة” (إبراهيم، 2024). وقد تعرض إبراهيم لانتقادات حادة من بعض المثقفين الذين يرون في موقفه “انقلاباً على نقد العسكرة الذي اشتهر به”، لكنه يرد بأن الموقف مختلف لأن الدولة نفسها في خطر، وأن “الحديث عن الديمقراطية قبل حفظ الدولة حديث عن العبث” (إبراهيم، 2026). ويشرح إبراهيم موقفه بمزيد من التفصيل فيقول: “أنا لا أدافع عن الجيش لأنه مقدس، بل أدافع عنه لأنه المؤسسة الوحيدة القادرة على منع انهيار الدولة. الدعم السريع ليس بديلاً، بل هو كارثة. إذا انتصرت المليشيا، لن يكون هناك سودان أصلاً”. ويضيف أن “التاريخ سيسجل أن الذين وقفوا مع الجيش في هذه اللحظة الحرجة كانوا يحمون مستقبل الأجيال القادمة” (إبراهيم، 2026). وقد أشار تقرير لـ”اندبندنت عربية” إلى أن “عبد الله علي إبراهيم يعتبر من أبرز الأسماء في المشهد الفكري السوداني، وكلماته عن الحرب الحالية تستحق أن تُقرأ بدقة، خاصة أنه ظل طويلاً يحذر من مخاطر عسكرة الدولة قبل أن يختار الاصطفاف مع جيشها في واحدة من أكثر لحظات السودان دموية وفداحة” (Independent Arabia, 2025). ويؤكد إبراهيم في مقال له بعنوان “حصرية السلاح: أزفت” أن “مطلب حصرية السلاح كان في لب مطلب ثورة ديسمبر 2018، وأن الحرب خرجت بعيد إصلاح أمني في يناير 2023 أراد جمع شمل القوى المسلحة” (إبراهيم، 2025). ويضيف أن “الاتفاق الإطاري في يناير 2023 تضمن إصلاحاً عسكرياً أمنياً تقدمت به قوى الحرية والتغيير دعت فيه إلى دمج قوات الدعم السريع والحركات المسلحة قاطبة في القوات المسلحة بما هو حصر للسلاح بيد الدولة” (إبراهيم، 2025).

ويمثل الدكتور محمد جلال هاشم، الكاتب والناشط الحقوقي الذي اشتهر بكتاباته عن الهامش ومشروع “السودانوية”، نموذجاً لافتاً للتحول الفكري نحو تأييد الجيش. فقد قضى سنوات في التنظير لقضايا الهامش ونقد “الأيديولوجيا الإسلاموعروبية”، قبل أن يجد نفسه في هذه الحرب “يتبنى خطاباً يراه البعض منحازاً بحدة للجيش” (December News, 2026). وقد برر موقفه بأن “الجيش مؤسسة وطنية بدونها يمكن أن تنهار الدولة”، وأن “الجيش مهما بلغت عيوبه فإن الوطنية تقتضي الصبر عليه لأنه قابل للإصلاح” (Al Sudan Net, 2023). ويؤكد هاشم أن “الدعوات إلى تفكيك الجيش نابعة من غبينة”، وأن “الحرب الحالية تستهدف تفتيت الدولة السودانية” (Sudan Sawa, 2026). وقد أثار موقفه جدلاً واسعاً بين النخبة السودانية، إذ يرى بعض النقاد أنه “انقلب على ظله” وتناقض مع مشروعه الفكري السابق، بينما يرى آخرون أنه “نجح في امتحان الوطنية” عندما وضع “الوطن فوق كل شيء” (Sudanese Online, 2026). ويشرح هاشم موقفه قائلاً: “أنا لم أغير مبادئي. كنت دائماً مع الدولة السودانية، وأنا الآن مع الدولة السودانية. الجيش ليس مقدساً، لكنه أفضل من الفوضى. من يريد تفكيك الجيش يريد تفكيك السودان”. ويضيف أن “الحرب كشفت من هو الوطني حقاً ومن هو المتاجر بالقضية” (هاشم، 2023). وقد أشار تقرير لـ”سودانيز أونلاين” إلى أن “محمد جلال هاشم كان فاعلاً في صفوف الحركة الشعبية، لا يُجزم إن كان انتماؤه تنظيمياً أم فكرياً، قبل أن يتحول إلى مشروع سياسي واضح لا مواربة فيه، يقوم على تفكيك الجيش القائم وإحلال جيش وطني بديل عنه” (Sudanese Online, 2026). وقد كتب هاشم في أبريل 2023 مقالاً بعنوان “الجيش السوداني، هل هو فعلاً مليشيا؟” رداً على من يصفون الجيش بالمليشيا، مؤكداً أن “الجيش السوداني مؤسسة وطنية لها تاريخ طويل، وأن الخلط بينها وبين الميليشيات خلط مقصود يهدف إلى تدمير الدولة” (هاشم، 2023). كما كتب هاشم في أغسطس 2023 مقالاً بعنوان “حول ما يسمى بالبرنامج السياسي لمليشيا الجنجويد المجرمة” أكد فيه أن “المليشيا لا يمكن أن تكون جزءاً من أي حل سياسي، وأن أي برنامج سياسي لها هو برنامج تدميري” (هاشم، 2023).

وإلى جانب إبراهيم وهاشم، انضم إلى هذا التيار عدد من المفكرين والكتّاب السودانيين، من بينهم د. محمد سليمان ود. عشاري محمود وعمرو صالح ياسين، الذين “أعلنوا دعمهم للجيش” رغم “عدائهم الذي لم يساوم في مقاومة الإخوان فكرياً وسياسياً” (Medameek, 2023). كما برز الأديب عبد العزيز بركة ساكن كأحد الأصوات المؤيدة للجيش، مما أثار جدلاً حول “الانسجام بين موقفه السابق الداعم للحركة الشعبية وموقفه الحالي” (Al Tahrer, 2023). وقد ضمت اللجنة التحضيرية للحوار السوداني السوداني التي شكلها البرهان في 2026 شخصيات أكاديمية وقانونية وثقافية وإعلامية معروفة، من بينها المحامي نبيل أديب، والدكتور محمد جلال هاشم، والبروفيسور الواثق كمير، والصحفي عثمان ميرغني، والدكتورة نعمات علي الزبير، وسليمان الأمين، والدكتور محمد المنير، والكاتب عبد الله آدم خاطر، والروائي عبد العزيز بركة ساكن، والبروفيسور منزول عسل، ونصر الدين شلقامي، والمحبوب عبد السلام (Sudanese Online, 2026). وقد أشار تقرير لـ”سودان إندبندنت” إلى أن “الهندي عز الدين عُرف بمواقفه الداعمة للقوات المسلحة خلال سنوات الحرب، إذ سخّر قلمه للدفاع عن قضايا الوطن وخدمة المواطنين، كما ظل من الأصوات التي عبّرت عن هموم ولاية الجزيرة، ولم يهدأ له بال حتى تحررت الولاية من قبضة المليشيا” (Sudan Independent, 2026). وهؤلاء المفكرون، رغم اختلاف خلفياتهم الأيديولوجية، يشتركون في قناعة واحدة: أن انهيار الجيش يعني انهيار الدولة، وأن الدعم السريع، بحكم تكوينه الميليشياوي وسجله في انتهاكات حقوق الإنسان، لا يمكن أن يكون بديلاً عن الدولة الوطنية. وقد أشار تقرير لصحيفة “اندبندنت عربية” إلى أن “بعض المثقفين السودانيين اصطفوا خلف الجيش، والبعض الآخر خلف الدعم السريع، في انقسام يعكس أزمة النخبة السودانية” (Independent Arabia, 2026). وقد أشار الكاتب السوداني خالد التيجاني النور إلى أن “ما جرى يوم الخامس عشر من أبريل هو انقلاب قام به الدعم السريع من خارج مؤسسة الجيش وبتواطؤ من بعض القوى السياسية والمدنية”، مضيفاً أن “انتهاكات الجيش عرضية وانتهاكات الدعم السريع قصدية” (Ultra Sudan, 2024). كما أشار التيجاني النور إلى أن “بيان الرباعية حول السودان اتسم بالهشاشة لأنه لم يدن قوات الدعم السريع، معتبراً أن تحميل الجيش مسؤولية الصراع رواية ‘فزاعة'” (Asharq NOW, 2026). ويُعدّ خالد التيجاني النور صحافياً وكاتباً وباحثاً في الاقتصاد السياسي للتنمية، ويصح أن يقال فيه أيضاً إنه ناقد سياسي بامتياز (Ultra Sudan, 2024).

خامساً: الآليات والوسائل: كيف يتجسد التأييد؟

يتجسد تأييد الجيش في عدة آليات ووسائل، منها الإنتاج الفكري والأكاديمي (مقالات، كتب، محاضرات)، والخطاب الإعلامي (مقابلات، برامج تلفزيونية، منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي)، والتعبئة الشعبية (التحشيد للقتال، جمع التبرعات، الدعم اللوجستي). وقد ظهرت هذه الآليات بوضوح في برامج مثل “رتينة” التي قدّمها محمد جلال هاشم، والتي “أسهمت في تعبئة المناخ العام للحرب قبل اندلاعها” من خلال “الاستنفار للحرب والتحشيد الشعبي” (Sudanese Online, 2026). كما استخدم الجيش نفسه هذه الآليات لتعزيز شرعيته، إذ “اعتمد على شرعيته المتصورة إقليمياً ودولياً لتعزيز موقفه” (All Africa, 2026). وتلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في نشر هذا الخطاب، إذ تستخدم صفحات مؤيدة للجيش منصات مثل فيسبوك وتويتر لتسويق سردية “معركة الكرامة” وانتقاد الدعم السريع. وقد أشارت دراسة لشبكة “أتر” إلى أن “التعبئة شملت أفراداً من خلفيات سياسية وفكرية متنوعة، انطلقوا من داخل المعسكرات العسكرية وساحات المعارك” (Atar Network, 2025). كما استخدم الجيش آليات قانونية لتعزيز شرعيته، من بينها “توجيه اتهامات رسمية للدعم السريع بارتكاب جرائم حرب، وتقديم ملفات إلى المحكمة الجنائية الدولية” (Anadolu Agency, 2026). وتجدر الإشارة إلى أن هذه الآليات لم تقتصر على الجانب الخطابي، بل امتدت إلى “دعم لوجستي مباشر من بعض الدول الإقليمية، مثل مصر التي قدمت دعماً عسكرياً وتقنياً للجيش السوداني” (Crisis Group, 2026). وقد أشار تقرير لـ”فورين بوليسي” إلى أن “الجيش السوداني تلقى دعماً من مصر وقطر وإيران، في حين تلقت قوات الدعم السريع دعماً من الإمارات وتشاد” (Foreign Policy, 2025). كما أن “الجيش تمكن من استعادة السيطرة على الخرطوم في مارس 2025، مما شكل نقطة تحول استراتيجية في مسار الحرب” (EFE, 2025). وقد أشار تقرير لـ”الأهرام” إلى أن الجيش “بخبرته الممتدة لأكثر من مائة عام وقياداته المتماسكة، واثق من قدرته على تحرير جميع الأراضي السودانية تدريجياً” (Ahram, 2026). ويشير تقرير لـ”مجموعة الأزمات الدولية” إلى أن “الجيش جمع تحالفاً من الداعمين يشمل مصر وإريتريا وتركيا وقطر وإيران والمملكة العربية السعودية بشكل متزايد” (Crisis Group, 2026). وقد أشار تقرير لـ”الشرق الأوسط” إلى أن “الحوار السوداني السوداني الذي أطلقه البرهان يهدف إلى بناء أوسع جبهة ممكنة لتشكيل حكومة بالشراكة مع القوات العسكرية” (Asharq Al-Awsat, 2026).

سادساً: الفرص والتحديات: تقييم استراتيجي

من أبرز الفرص التي يتيحها تأييد الجيش هو تعزيز شرعيته الداخلية والخارجية. فقد أثبت الجيش قدرته على الصمود في حرب طويلة الأمد، مما دفع بعض الدول الإقليمية إلى تقديم دعم عسكري ولوجستي له، مثل مصر وتركيا وإيران (Al Arab, 2026). وقد أشارت “مجموعة الأزمات الدولية” إلى أن الجيش “جمع تحالفاً من الداعمين يشمل مصر وإريتريا وتركيا وقطر وإيران والمملكة العربية السعودية بشكل متزايد” (Crisis Group, 2026). كما أن انشقاقات متسارعة في صفوف الدعم السريع، وفقدانه السيطرة على مناطق واسعة، وتراجع قدراته القتالية، كلها عوامل تعزز موقف الجيش وتجعل انتصاره أكثر احتمالاً (Nabaa TV, 2026). ويشير تقرير لصحيفة “الأهرام” إلى أن الجيش “بخبرته الممتدة لأكثر من مائة عام وقياداته المتماسكة، واثق من قدرته على تحرير جميع الأراضي السودانية تدريجياً” (Ahram, 2026). وتجدر الإشارة إلى أن الجيش تمكن من استعادة السيطرة على الخرطوم في مارس 2025، مما شكل نقطة تحول استراتيجية في مسار الحرب، وأدى إلى “عودة حوالي 3.5 مليون نازح، بما في ذلك أكثر من 650,000 لاجئ سوداني” (UNHCR, 2025). وقد أشار تقرير لـ”منظمة الهجرة الدولية” إلى أن “أكثر من 5.1 مليون شخص عادوا إلى مناطقهم الأصلية في السودان، في حين لا يزال 8.6 مليون شخص نازحين” (IOM, 2026). كما أن استعادة الجيش لمدن استراتيجية في كردفان ودارفور عززت موقفه التفاوضي وأضعفت قدرة الدعم السريع على فرض شروطها في أي تسوية سياسية محتملة. وقد أشار تقرير لـ”مجموعة الأزمات الدولية” إلى أن “فرص التوصل إلى اتفاق سلام دائم في السودان ما تزال محدودة، في ظل صعوبة تصور تسوية سياسية لا تمنح الدعم السريع دوراً في المرحلة المقبلة، رغم الرفض الشعبي الواسع لذلك” (Crisis Group, 2026). كما أشار تقرير لـ”الأمم المتحدة” إلى أن “اقتصاد الحرب في السودان يسهم في إدامة النزاع المستمر منذ ثلاثة أعوام ويعرض سلاسل الإمداد العالمية لمخاطر جسيمة تتعلق بحقوق الإنسان” (OHCHR, 2026). ويشير التقرير إلى أن “طرفي النزاع اعتمدا على السيطرة على الأراضي وطرق التجارة والسلع واستغلالها لتوليد الإيرادات، ما أسهم في ما وصفه التقرير بأنه ‘نزاع يديم نفسه بصورة متزايدة'” (OHCHR, 2026). وقد أشار تقرير لـ”مؤسسة راند” إلى أن “الاقتصاد الحربي في السودان أصبح نظاماً قائماً بذاته، حيث تستفيد الجماعات المسلحة من السيطرة على الموارد والضرائب غير الرسمية” (RAND Corporation, 2025). كما أن “الذهب يمثل أكثر من 58% من قيمة صادرات السودان، مما يجعله مورداً اقتصادياً حاسماً في ظل الحرب الأهلية التي دمرت قطاعات أخرى” (Business Insider Africa, 2026). وقد بلغت صادرات الذهب الرسمية 14.7 طن في عام 2025، بانخفاض عن 22.9 طن في العام السابق، في حين أنتج السودان حوالي 70 طناً من الذهب في عام 2025، مما يشير إلى أن “معظم الإنتاج يُهرَّب دون أن يستفيد السودان من المعدن الأصفر لتقليل عجز الميزان التجاري” (Sudan Tribune, 2026).

لكن التأييد للجيش يواجه تحديات كبيرة، أبرزها تآكل شرعيته الديمقراطية بسبب تحالفه الضمني مع الإسلاميين، وتزايد الانتقادات الدولية لانتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها طرفا النزاع. فقد خلص تقرير بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق إلى أن “القوات المسلحة السودانية استخدمت طائرات مسيّرة مورّدة من الخارج في عمليات ألحقت أضراراً بالمدنيين والأعيان المدنية” (OHCHR, 2026). وقد وثقت المنظمة “أكثر من 2,394 حالة قتل أثناء العمليات العدائية، و990 حالة قتل خارج إطار العمليات العدائية” في الفترة من يناير إلى يونيو 2025 وحدها (OHCHR, 2025). كما أن استمرار الحرب يزيد من معاناة المدنيين ويقوض أي أفق للحل السياسي، مما يضع المفكرين المؤيدين للجيش في موقف صعب: فهم يدعمون مؤسسة تحقق انتصارات عسكرية لكنها ترتكب أيضاً انتهاكات، ويدعمون حرباً تحمي الدولة لكنها تدمرها في الوقت نفسه. وقد أشارت “مجموعة الأزمات الدولية” إلى أن “كلاً من الجيش والدعم السريع يرتكبان انتهاكات، لكن الجيش يظل الطرف الأقل سوءاً في نظر كثير من السودانيين” (Crisis Group, 2026). وتضاف إلى ذلك تحديات اقتصادية هائلة، حيث “انخفض إنتاج الحبوب بنسبة 46% في السنة الأولى من الحرب، وبحلول 2025 كان ما يقرب من 90% من المزارعين يبلغون عن محاصيل أصغر، مع انخفاض الغلات بنسبة تصل إلى 71% في المناطق الأكثر اشتعالاً للقتال” (UNDP, 2026). وقد أدى هذا الانهيار الاقتصادي إلى “ارتفاع أسعار الذرة الرفيعة في بعض الأسواق إلى أكثر من أربعة أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب” (FAO, 2025). ويشير تقرير “مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية” إلى أن “17 مليون شخص تلقوا مساعدات إنسانية في عام 2025، بما في ذلك 11.5 مليون شخص تلقوا مساعدات غذائية” (OCHA, 2025). كما أن “حوالي 30 مليون شخص في حاجة إلى المساعدة، وأربعة ملايين لاجئ في الدول المجاورة، وأكثر من 600,000 سوداني ضربهم المجاعة” (OCHA, 2025).

سابعاً: التداعيات والتأثيرات: ما بعد التأييد

على المستوى السياسي، أدى تأييد الجيش إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية السودانية. فقد انقسمت قوى الحرية والتغيير بين من يدعم الجيش ومن يطالب بوقف الحرب والتفاوض، مما أدى إلى تصدع التحالف المدني الذي قاد ثورة ديسمبر. كما أن هذا التأييد منح الجيش غطاءً فكرياً وسياسياً لمواصلة الحرب، مما جعل أي حل سياسي أكثر تعقيداً، إذ يصبح من الصعب على الجيش تقديم تنازلات بعد أن بنى شرعيته على “الانتصار العسكري”. وفي المقابل، يرى بعض المحللين أن التأييد الشعبي للجيش قد يدفعه إلى تحمل مسؤولياته تجاه المدنيين، والانخراط في عملية سياسية بعد انتهاء الحرب (Crisis Group, 2026). وقد أشار تقرير لصحيفة “الشرق الأوسط” إلى أن “الحوار السوداني السوداني الذي أطلقه البرهان يهدف إلى بناء أوسع جبهة ممكنة لتشكيل حكومة بالشراكة مع القوات العسكرية” (Asharq Al-Awsat, 2026). غير أن هذا الحوار يواجه انتقادات من القوى الثورية التي ترى فيه “محاولة لتقنين الحكم العسكري تحت غطاء مدني” (Murtada, 2026). وقد أشار تقرير لـ”مجموعة الأزمات الدولية” إلى أن “الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو الأقدر على وقف الحرب في السودان، فإذا استطاع إقناع الإمارات بالتوقف عن دعم الدعم السريع، فإن ذلك قد يغير مسار الحرب” (Crisis Group, 2026). كما أشارت “مجموعة الأزمات الدولية” إلى أن “الحقيقة المرة هي أن الدبلوماسية لم ترقَ إلى مستوى هذه الأزمة” (Independent Arabia, 2026). وعلى المستوى الفكري، أثار هذا التأييد جدلاً عميقاً حول دور المثقف في زمن الحرب. فبينما يرى المؤيدون أن “الوطنية تقتضي الاصطفاف مع الدولة ضد المليشيا”، يرى المعارضون أن “المثقف يجب أن يقف مع الحق والعدالة، لا مع مؤسسة ترتكب انتهاكات”. وقد أشار تقرير لصحيفة “اندبندنت عربية” إلى أن “بعض المثقفين السودانيين اصطفوا خلف الجيش، والبعض الآخر خلف الدعم السريع، في انقسام يعكس أزمة النخبة السودانية” (Independent Arabia, 2026). وهذا الجدل يعكس سؤالاً أعمق: هل يمكن للمثقف أن يكون “وطنياً” دون أن يكون “نقدياً”؟ وهل يصبح التأييد ضرورة عندما تكون الدولة في خطر؟ وقد أشار الكاتب السوداني خالد كودي في تحليل له إلى أن “اللجنة التي شكلها البرهان تضم شخصيات أكاديمية وقانونية وثقافية، مما يثير تساؤلات حول دور المثقف في شرعنة الحكم العسكري” (Kodi, 2026). وفي المقابل، يرى المؤيدون أن “الوقوف مع الجيش في هذه اللحظة هو موقف وطني، وليس شرعنة للعسكرة، لأن البديل هو الفوضى والانهيار” (هاشم، 2023). ويشير تقرير لـ”سودان إيفنتس” إلى أن “تجريد السياق هو عمى فكري قاتل، ينبع إما من ضعف الثقافة السياسية أو من الخيانة، ويتغذى على جثة مواطن قتله intruder أجنبي” (Sudan Events, 2025). ويضيف التقرير أن “التاريخ يقدم أمثلة موازية: المسيحيون في المشرق وضعوا أيديولوجيتهم جانباً وأرجأوا خلافاتهم الداخلية لمواجهة تهديد خارجي أكبر” (Sudan Events, 2025). وقد أشار تقرير لـ”فورين بوليسي” إلى أن “الجيش السوداني هو جزء من المشكلة، وليس الحل” (Foreign Policy, 2025)، في إشارة إلى أن التأييد غير المشروط للجيش قد لا يكون في مصلحة السودان على المدى الطويل.

ثامناً: تقييم شامل ومقارن: بين الوطنية والنقد

بشكل عام، يمكن القول إن تأييد الجيش السوداني في حربه ضد الدعم السريع ظاهرة فكرية وسياسية معقدة، تنبع من مخاوف حقيقية على مستقبل الدولة السودانية، لكنها تحمل أيضاً مخاطر كبيرة. فهي من ناحية تعزز شرعية الجيش كمدافع عن وحدة البلاد، لكنها من ناحية أخرى تمنحه غطاءً لمواصلة حرب مدمرة، وتؤجل أي حل سياسي، وتضع المثقفين في موقف متناقض مع قيمهم النقدية. ويجدر التمييز بين ثلاثة أنواع من التأييد: تأييد مبدئي يرتكز على مبدأ احتكار الدولة للسلاح، وتأييد تكتيكي مؤقت يهدف إلى هزيمة الدعم السريع ثم العودة إلى المطالبة بالديمقراطية، وتأييد براغماتي مرتبط بمصالح سياسية أو اقتصادية. وقد أشار تقرير لـ”فورين بوليسي” إلى أن “تأييد الناشطين الديمقراطيين للجيش ليس تأييداً أيديولوجياً، بل هو فعل دفاع عن النفس في مواجهة تهديد وجودي” (Foreign Policy, 2025). وفي المقابل، يرى النقاد أن “هذا التأييد، حتى لو كان تكتيكياً، يمنح الجيش شرعية قد يستخدمها لاحقاً لتكريس حكمه” (Murtada, 2026). ويمكن مقارنة هذا الموقف بتأييد المثقفين في دول أخرى لجيوش بلدانهم في حروب أهلية. ففي سوريا، اصطف كثير من المثقفين مع الجيش ضد المعارضة المسلحة، وفي ليبيا، انقسم المثقفون بين دعم الجيش الوطني بقيادة حفتر والميليشيات المسلحة في طرابلس. وفي كلتا الحالتين، أدى التأييد إلى إطالة أمد الصراع وتعميق الانقسامات. غير أن الحالة السودانية تتميز بخصوصية: فالجيش السوداني ليس مجرد مؤسسة عسكرية، بل هو أيضاً مؤسسة اقتصادية وسياسية تمتلك شبكة واسعة من الشركات والمصالح، مما يجعله طرفاً في الصراع على الموارد، وليس مجرد مدافع عن الدولة (EUAA, 2025). وقد أشار تقرير لـ”معهد دراسات الأمن” إلى أن “الجيش السوداني يسيطر على قطاعات اقتصادية واسعة، مما يجعله فاعلاً اقتصادياً وليس فقط عسكرياً” (ISS, 2024). وفي اليمن، أدى تأييد المثقفين للتحالف العربي إلى تعميق الانقسامات وإطالة أمد الصراع، مما يقدم درساً مهماً للسودان: التأييد غير المشروط لأي طرف في حرب أهلية قد يؤدي إلى نتائج عكسية على المدى الطويل. وقد أشار تقرير لـ”الأفريكان أرغومنتس” إلى أن “الحرب في السودان لم تكن انهياراً للنظام، بل كانت النظام نفسه يعمل” (Africa Arguments, 2026). ويضيف أن “الحرب ليست قصة انهيار الدولة، بل قصة كيف أن الدولة نفسها خلقت القوى التي لم تعد قادرة على السيطرة عليها” (Africa Arguments, 2026). كما أن “الاقتصاد الحربي في السودان تحول إلى نظام قائم بذاته، حيث تستفيد الجماعات المسلحة من السيطرة على الموارد والضرائب غير الرسمية” (RAND Corporation, 2025).

ويمكن تفسير هذا التأييد من خلال عدة نظريات حديثة. نظرية “صيد الإيل” التي طورها جان جاك روسو، والتي تشير إلى أن التعاون بين الأطراف يكون صعباً عندما يخشى كل طرف أن يخون الآخر، تقدم تفسيراً ملائماً لموقف الجيش: فهو يخشى أن يخونه الدعم السريع إذا وافق على الاندماج، فيختار الحرب بدلاً من التعاون (Elaph, 2025). وتحكي نظرية “صيد الإيل” قصة صيادين يمكنهم العمل معاً لصيد الإيل، وهو صيد كبير لا يتحقق إلا بالتعاون والثقة بين الصيادين، أو أن يختار كل صياد منهم مطاردة أرنب صغير يضمن له ربحاً سريعاً على حساب المكاسب الأكبر المشتركة (Elaph, 2025). وفي الحالة السودانية، يظهر اللاعبون المحليون والإقليميون والدوليون كأنهم أسرى لهذا المنطق، فالجيش السوداني الذي يقوده عبد الفتاح البرهان، والذي يسعى للحفاظ على تماسك المؤسسة العسكرية وبسط السيطرة على الدولة، وقوات الدعم السريع التي يقودها محمد حمدان دقلو “حميدتي”، الذي يبحث عن اعتراف سياسي وواقع جديد يمنحه شراكة قسرية في السلطة أو الانفصال في الغرب، كان يمكن لهما أن يتعاونا لبناء نموذج انتقال سياسي مستقر بعد سقوط نظام عمر البشير، لكن انعدام الثقة بين الطرفين وتضارب مصالح الشبكات الاقتصادية داخل المؤسستين دفعهما إلى خيار الأرنب بدل الإيل (Elaph, 2025). كما أن نظرية “اقتصاديات الحرب” التي تشير إلى أن استمرار الصراع يصبح هدفاً في حد ذاته عندما يدرّ عائدات اقتصادية على أطرافه، تفسر جزئياً لماذا لا يزال الجيش والدعم السريع يقاتلان رغم عدم قدرتهما على تحقيق انتصار حاسم (Crisis Group, 2026). وقد تجلى هذا البعد الاقتصادي بوضوح في استيلاء الدعم السريع على حقل “هجليج” النفطي في ديسمبر 2025، وهو “أكبر حقل نفطي في البلاد ويضم حوالي 75 بئراً ومنشآت معالجة رئيسية” (Middle East Eye, 2025). وقد أشار تقرير لـ”مؤسسة راند” إلى أن “الاقتصاد الحربي في السودان أصبح نظاماً قائماً بذاته، حيث تستفيد الجماعات المسلحة من السيطرة على الموارد والضرائب غير الرسمية” (RAND Corporation, 2025). أما نظرية “الشرعية المحلية” التي تشير إلى أن الشرعية لا تأتي فقط من الاعتراف الدولي بل من القدرة على تقديم الخدمات وتوزيع الموارد، فهي تفسر لماذا يفضل بعض السودانيين الجيش على الدعم السريع: لأن الجيش، رغم عيوبه، لا يزال قادراً على توفير قدر من النظام والاستقرار في المناطق التي يسيطر عليها (Africa Arguments, 2026). وتضاف إلى ذلك نظرية “الأمننة” التي طورتها مدرسة كوبنهاغن، والتي تفسر كيف يتحول الصراع من نزاع سياسي إلى تهديد وجودي يتطلب استجابة استثنائية، وهو ما ينطبق على خطاب “معركة الكرامة” الذي يقدم الحرب كمعركة وجودية ضد تهديد خارجي (Buzan et al., 1998). وقد أشار تقرير لـ”الشبكة الأناركية” إلى أن “الاقتصاد السياسي للصراع في السودان يتميز بتحالف غير مبارك بين العسكريين والميليشيات، حيث بنت الحكومات السودانية المتعاقبة نظاماً اقتصادياً قائماً على الاستخراج، يستند إلى أربع ركائز: الجنرالات لقمع العمال، وقادة الميليشيات لضبط المزارعين المستأجرين، وأصحاب رأس المال، والسياسيون لشرح الترتيب للندن” (The Anarchist Library, 2026). ويضيف التقرير أن “المخططين الاستعماريين صمموا دارفور ليس للإنتاج، بل كمنطقة عازلة لتجنيد الجنود بثمن بخس، ومن هذه البنية خرجت ميليشيا الجنجويد” (The Anarchist Library, 2026). كما أشار تقرير لـ”روزا لوكسمبورغ” إلى أن “الوضع الراهن في السودان هو نتيجة مباشرة لوجود جيش موازٍ ونتيجة سنوات من اعتماد الجيش النظامي على الميليشيات المتحالفة معه وخضوعه لها” (Rosa Luxemburg Stiftung, 2026).

تاسعاً: الدروس المستفادة والتوصيات: نحو تأييد نقدي ومسؤول

من التحليل السابق، يمكن استخلاص عدة دروس مستفادة وتوصيات قابلة للتنفيذ في السياق السوداني. أولاً، يجب على المؤيدين للجيش أن يمارسوا “تأييداً نقدياً” لا “تأييداً مطلقاً”، أي دعم الجيش في حربه ضد الدعم السريع مع الاستمرار في انتقاد انتهاكاته والمطالبة بالمساءلة. وقد أشار تقرير لمجموعة الأزمات الدولية إلى أن “الضغط الشعبي والمدني على الجيش لتحسين سلوكه يمكن أن يكون أكثر فعالية من الانتقاد الخارجي” (Crisis Group, 2026). ثانياً، ينبغي أن يكون التأييد مشروطاً بمدة زمنية محددة وبأهداف واضحة، مثل هزيمة الدعم السريع واستعادة السيطرة على الأراضي، ثم الانتقال إلى عملية سياسية شاملة. ثالثاً، يجب على المفكرين المؤيدين للجيش أن يلعبوا دوراً في حماية المدنيين والضغط من أجل فتح ممرات إنسانية، بدلاً من الاكتفاء بالخطاب التعبوي. وقد أشار تقرير لـ”مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية” إلى أن “أكثر من 30 مليون شخص في حاجة إلى مساعدات إنسانية، بما في ذلك أكثر من 9.6 مليون نازح داخلياً” (OCHA, 2025). رابعاً، ينبغي على المجتمع الدولي أن يدعم الجيش في حربه ضد الدعم السريع مع فرض شروط صارمة تتعلق بحماية المدنيين واحترام حقوق الإنسان. خامساً، يجب أن يكون هناك حوار وطني شامل بعد انتهاء الحرب يشمل جميع القوى السياسية والمدنية، بما في ذلك من عارضوا الجيش، لضمان عدم تكرار أخطاء الماضي. وقد أشار تقرير لـ”معهد السلام الأمريكي” إلى أن “أي تسوية سياسية مستدامة في السودان يجب أن تشمل جميع الأطراف، بما في ذلك الحركات المسلحة والقوى المدنية” (USIP, 2024). سادساً، ينبغي على المفكرين والمثقفين السودانيين أن يعملوا على تجاوز الانقسام الحاد الذي أحدثته الحرب، من خلال الحوار والنقاش العام، بدلاً من الاصطفاف غير المشروط مع أي طرف. وقد أشار تقرير لـ”سودان إيفنتس” إلى أن “التاريخ يقدم دروساً مهمة: المسيحيون في المشرق وضعوا أيديولوجيتهم جانباً وأرجأوا خلافاتهم الداخلية لمواجهة تهديد خارجي أكبر، وهذا ما يحتاجه السودان اليوم” (Sudan Events, 2025). سابعاً، يجب على المجتمع الدولي أن يعمل على تجفيف منابع تمويل الحرب، من خلال فرض عقوبات على تجارة الذهب والصمغ العربي التي تمول طرفي النزاع. وقد أشار تقرير لـ”مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان” إلى أن “اقتصاد الحرب في السودان يسهم في إدامة النزاع المستمر منذ ثلاثة أعوام ويعرض سلاسل الإمداد العالمية لمخاطر جسيمة تتعلق بحقوق الإنسان” (OHCHR, 2026). ويشير التقرير إلى أن “الصمغ العربي، الذي كان السودان يستأثر بنحو 70% إلى 80% من صادراته العالمية قبل الحرب، أصبح جزءاً من اقتصاد الحرب من خلال استخراجه ونقله وتصديره، فضلاً عن فرض مدفوعات رسمية وغير رسمية على طول طرق التجارة” (OHCHR, 2026).

خاتمة نقدية: بين الوطنية والنقد – مسؤولية المثقف في زمن الحرب

في نهاية هذا التحليل، يبدو واضحاً أن تأييد الجيش السوداني في حربه ضد مليشيا الدعم السريع ليس موقفاً بسيطاً يمكن تصنيفه بسهولة. إنه موقف ينبع من مخاوف حقيقية على مستقبل الدولة، ومن قناعة بأن البديل المتمثل في انتصار المليشيا سيكون كارثياً على السودان وشعبه. لكنه في الوقت نفسه موقف محفوف بالمخاطر، لأنه يمنح الجيش شرعية لمواصلة حرب مدمرة، ويؤجل الحل السياسي، ويضع المثقفين في موقف متناقض مع قيمهم النقدية. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً هو: هل يمكن للجيش السوداني، بعد أن ينتصر عسكرياً، أن يتحول إلى مؤسسة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان وتخضع للمساءلة المدنية؟ أم أن الحرب، بمنطقها الخاص، ستجعله مؤسسة أكثر استبداداً وانغلاقاً؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل السودان، بل أيضاً مصداقية كل من اصطف مع الجيش في هذه الحرب. وفي هذا السياق، يظل دور المثقف حيوياً: فالتأييد النقدي، القائم على المبادئ والمساءلة، هو السبيل الوحيد لضمان ألا يتحول تأييد الجيش إلى شرعنة للعسكرة، وأن تظل قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان حاضرة في وجدان الأمة حتى بعد انتهاء الحرب. وقد أشار تقرير لـ”مجموعة الأزمات الدولية” إلى أن “الحقيقة المرة هي أن الدبلوماسية لم ترقَ إلى مستوى هذه الأزمة” (Independent Arabia, 2026). ويضيف أن “فرص التوصل إلى اتفاق سلام دائم في السودان ما تزال محدودة، في ظل صعوبة تصور تسوية سياسية لا تمنح الدعم السريع دوراً في المرحلة المقبلة، رغم الرفض الشعبي الواسع لذلك” (Crisis Group, 2026). وفي ظل هذه التعقيدات، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف يمكن للسودان أن يخرج من هذه الحرب المدمرة بدولة قادرة على احتكار السلاح، واحترام حقوق الإنسان، وضمان مشاركة جميع مواطنيها في بناء مستقبلهم؟ الإجابة على هذا السؤال تتطلب أكثر من مجرد تأييد أو معارضة، بل تتطلب رؤية وطنية شاملة تجمع بين الواقعية السياسية والمبادئ الأخلاقية.

قائمة المراجع

  1. Africa Arguments. (2026). Sudan’s War Was Not a Breakdown. It Was the System Working.
  2. Africa Press. (2024). الفريق أول كباشي: دكتور عبدالقادر سالم أحد سهام معركة الكرامة.
  3. Ahram. (2026). بعد هزيمة المليشيا في غرب كردفان.. كسر شوكة التمرد بالسودان.
  4. Al Arab. (2026). الدعم الخارجي يعيد للجيش السوداني بعضاً من توازنه في كردفان.
  5. Al Jazeera. (2023). بكلمة أثارت الجدل في باريس.. الروائي السوداني عبد العزيز بركة ساكن يرفض “الحياد في المعارك الفاصلة”.
  6. Al Tahrer. (2023). من أجل الاتساق لا أكثر.
  7. All Africa. (2026). Sudan’s War Reshapes Loyalties As Civilians See ‘No Option’ but the Army.
  8. Al-Burhan, A. F. (2025). Any political solution in Sudan must be based on the dissolution of the RSF.
  9. Amnesty International. (2026). Sudan: RSF atrocities in El Fasher, “a stain on the conscience of humanity”. Retrieved September 27, 2026, from https://www.amnesty.org
  10. Anadolu Agency. (2026). تحقيق أممي: “الدعم السريع” ارتكبت إبادة جماعية ضد مجتمعات بالفاشر.
  11. Anadolu Agency. (2026). Sudan rejects US stance on legitimacy of authorities.
  12. Arab Center for Research and Policy Studies. (2019). المرسوم الدستوري رقم 32 لعام 2019 وتعديل تبعية قوات الدعم السريع.
  13. Asharq Al-Awsat. (2026). The Quad Supports Sudan’s Legitimate State Institutions as Khartoum Rejects US Position.
  14. Asharq NOW. (2026). خلاف حول دور الرباعية والنظام السابق في حرب السودان.
  15. Atar Network. (2025). From Protest to Battlefield: Not their Last War!.
  16. Business Insider Africa. (2026). Sudan’s gold wealth under threat as the EU moves to choke a key war revenue stream.
  17. Buzan, B., Wæver, O., & de Wilde, J. (1998). Security: A New Framework for Analysis. Lynne Rienner Publishers.
  18. Clingendael Institute. (2024). The SAF and its allied groups as the main state actor.
  19. Crisis Group. (2026). Sudan’s devastating war rages on as regional rivalries deepen.
  20. December News. (2026). خريف النخبة: كيف أسقطت حرب السودان أقنعة “كهنة” الثقافة؟
  21. EFE. (2025). Sudan’s army retakes Khartoum after nearly two years of war.
  22. Elaph. (2025). الحرب السودانية ونظرية “صيد الإيل”.
  23. EUAA. (2025). The Sudanese authorities, the Sudanese Armed Forces [SAF] and main allies.
  24. FAO. (2025). На фоне непрекращающегося конфликта цены на сорго и просо в октябре 2025 г. оставались очень высокими.
  25. Foreign Policy. (2025). Why Sudanese Democracy Activists Are Now Backing the Army.
  26. Foreign Policy. (2025). Sudan’s Army Is Part of the Problem, Not the Solution.
  27. Human Rights Watch. (2024). Sudan: RSF Commits Large-Scale Sexual Violence.
  28. Independent Arabia. (2025). عبد الله علي إبراهيم… المثقف الذي جعل الحرب لحنًا لرقصته.
  29. Independent Arabia. (2026). مثقفو الحرب السودانية.
  30. IOM. (2026). 5 Million Sudanese Return Home to Broken Places, IOM Warns.
  31. ISS. (2024). Fragmented asylum: fault lines in regional responses to the Sudanese displacement crisis.
  32. Kodi, K. (2026). حوار البرهان: حين يمنح الأكاديميون الحكم العسكري شرعية مدنية. Sudanese Online.
  33. L’Osservatorio. (2025). Sudan: la più grave crisi umanitaria al mondo.
  34. Masrawy. (2023). حميدتي وحرب المرتزقة الضارية من أجل الذهب في السودان.
  35. Medameek. (2023). “المجمجة” والحياد الزائف وأسطورة توازن الضعف.
  36. Middle East Eye. (2025). Sudan’s Heglig: Why the oil field taken by the RSF matters.
  37. Murtada, F. (2026). How Should We Understand the Political Process in Sudan Today and the Experience of the Sudanese-Sudanese Dialogue? The Anarchist Library.
  38. Nabaa TV. (2026). تآكل الدعم السريع يرجّح كفة الجيش والسودان أمام حرب طويلة.
  39. Naffaj News. (2025). أهل الثقافة بكسلا يوحدون صفهم خلف القوات المسلحة.
  40. OCHA. (2025). Sudan Humanitarian Needs and Response Plan 2025.
  41. OHCHR. (2025). Human Rights Situation in the Sudan, 1 January to 30 June 2025.
  42. OHCHR. (2026). السودان: بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق تحذر من تأجيج شبكات الدعم الخارجي.
  43. OHCHR. (2026). The hidden cost of gum arabic: Inside Sudan’s war economy.
  44. Peace Studies Center. (2025). Popular Committees and Logistical Support for the Sudanese Army.
  45. RAND Corporation. (2025). The War Economy in Sudan: Resource Capture and Conflict Financing.
  46. Rosa Luxemburg Stiftung. (2026). War in Sudan: Will the state model be usurped by militias?
  47. Sabq Press. (2023). “قوات الدعم السريع” السودانية…من حليف للجيش إلى قوات “متمردة”.
  48. Salaam Media. (2024). Sudanese Artists and Performers: Divided Loyalties in the War.
  49. Salah Eddin, E. M., & Ngwenya, B. (2024). The Sudan Crisis: Ending the violence and restoring the path to democracy. HSRC Policy Brief.
  50. Sudan Events. (2025). Against Simplification: On the Army, Context is Everything.
  51. Sudan Independent. (2026). ترشيح الهندي عزالدين لعضوية مجلس السيادة ممثلا لإقليم الوسط.
  52. Sudan Sawa. (2026). تصريحات مثيرة للجدل.. محمد جلال هاشم ينتقد نموذج الدولة.
  53. Sudan Tribune. (2025). More than 120 aid workers killed since conflict began.
  54. Sudan Tribune. (2026). «بنك السودان»: عجز الميزان التجاري في 2025 بلغ 3.8 مليار دولار.
  55. Sudanese Online. (2026). د. محمد جلال هاشم ينقلب على ظله.
  56. Sudanese Online. (2026). حوار البرهان: حين يمنح الأكاديميون الحكم العسكري شرعية مدنية.
  57. Suna. (2017). قانون الدعم السريع لسنة 2017.
  58. Tasnim News Agency. (2025). ميليشيا الجنجويد “قوات الدعم السريع”: بين الذهب والسلطة والدعم الخارجي.
  59. The Anarchist Library. (2026). Sudan: The Unfortunate Alliance.
  60. Ultra Sudan. (2024). حوار| الترا سودان يقلّب مع د. خالد التيجاني النور دواعي الحرب وتداعياتها.
  61. UNDP. (2026). Sudan’s farms could feed millions not reached by aid. Retrieved September 27, 2026, from https://undpsudan.exposure.co
  62. UNHCR. (2025). Global Report 2025: Sudan Situation.
  63. UNHCR. (2026). In its fourth year, Sudan conflict drives new displacement into Chad as funding falls short.
  64. UNICEF. (2025). Sudan Humanitarian Situation Report.
  65. United Nations Digital Library. (2024). Report of the Independent International Fact-Finding Mission for the Sudan.
  66. United Nations Digital Library. (2025). مجلس حقوق الإنسان: تقرير بعثة تقصي الحقائق حول الفاشر.
  67. USIP. (2024). Sudan’s Path to Peace: A Comprehensive Approach.
  68. إبراهيم، ع. ع. (2024). المفكر والسياسي السوداني عبدالله علي إبراهيم: حميدتي أراد أن يتغدى بالثورة قبل أن تتعشى به. القدس العربي.
  69. إبراهيم، ع. ع. (2025). الجيش والميليشيات… لكن “الدعم السريع” وحش آخر. اندبندنت عربية.
  70. إبراهيم، ع. ع. (2025). “حصرية السلاح”: أزفت. اندبندنت عربية.
  71. إبراهيم، ع. ع. (2026). عبدالله علي إبراهيم يكشف جذور حرب السودان. أخبار السودان.
  72. هاشم، م. ج. (2023). الجيش السوداني، هل هو فعلاً مليشيا؟ الخرطوم.
Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
فولتير وصناعة مسرح الفكر السياسي
منبر الرأي
قراءة في تقرير لجنة التحقيق في أحداث الجنوب 1955 .. بقلم: عبد الله محمد أحمد الصادق
منبر الرأي
الإنتحار ! كيف نحدُ منه ؟ .. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين
منبر الرأي
الثورة الظافرة (2) .. بقلم: ابوبكر خيري
الأخبار
قلق على سلامة طلاب ناشطين محتجزين بعيداً عن أنظار العالم بعد تظاهرات جامعة الخرطوم

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

الصراع بين تيار القومية النوبية والشيوعية وطموحات عبدالعزيز .. بقلم: آدم جمال أحمد

آدم جمال أحمد
منبر الرأي

اليوم أسوأ مليون مرة من يونيو 89 .. بقلم: عميد معاش طبيب. سيد عبد القادر قنات

د.سيد عبد القادر قنات
منبر الرأي

الاخر … مصطفي سعيد هذه المرة يغزو برلين بمشرطه وقلمه .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي

طارق الجزولي
منبر الرأي

مبدأ المعاملة بالمثل بين الممارسة الدبلوماسية والثقاافة الشعبية .. بقلم: د. خالد محمد فرح

د. خالد محمد فرح
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss