كأنما سلّمنا بجدية الإنقلابيين في اسناد إدارة الدولة إلى تكنوقراط للخروج من تحت أنقاض الحرب الدائرة. هذه فرية يضاهيها الاعتقاد بقدرات التكنوقراط على مغامرة الانقاذ. فهذا وهمٌ يستوجب الفرز بين إنقاذ الانقلابيين من المأزق وانقاذ الدولة من المحرقة! هكذا يتشعب بنا الجدل في تحديد هويات المستوزرين الجدد ؛ فيما هم خبراء اختصاصيون أم مثقفون مستقطبون أم متعلمون انتهازيون؟ كما يتسعُ الجدل ليشمل البراعةَ السياسية المفترضةَ لدى التكنوقراط وصولا إلى ضفاف النجاح. إذ كل هذا الكلام يقفز فوق غياب برنامج استرداد تطبيع الحياة وهو محور شروط انتقاء الكفاءات المستتبعة. التصنيف الحصيف قضية ظلت قلقاً فكريا منذ استحدث سلامة موسى لغوياً على الأدب الفكريالسياسي العربي مصطلح المثقف في عشرينيات القرن العشرين.
هو قلقٌ ربما يعيننا عليه الفيلسوف الايطالي انطونيو غرامشي كاتب (دفاتر السجن)و الفرنسي جوليان بندا صاحب (خيانة المثقفين)ثم المفكر الفلسطيني ادوارد سعيد مؤلف (المثقف والسلطة).لكنّا مع ذلك نحتاجُ إلى فرزٍ دقيق بين المتعلم ، المثقف، المفكر ،الخبير الاختصاصي، النخبة ، الانتلجينسيا والتكنوقراط عند الخوض في علاقاتهم بالسلطة. انا أقرب إلى طرح الفيلسوف الايطالي غرامشي من زاوية علاقة المثقف بالسلطة. فهو أكثر من غيره إيضاحا لتعريف المثقف بالحرص على الوعي بقيم الحرية والعدالة.بل البذل من أجل تحقيقها. هذه الإضاءة على وجه التحديد تمايز غرامشي إذ يكسر تعريفه طوق المتعلمين إلى آفاق المهنيين والحرفيين . لكنهم يلتقون عند جسر الانتماء الى الوعي . هذا مايعنيني في شأن التدافع لجهة سلطة الانقلابيين استوزارا أو اسنادا. فحين يكون الخيار بين تجمع نظام انقلابي ومعسكر ينادي بالديمقراطية فان الانحياز الى المعسكر لا يكون خيارا صائباً فقط بل مساهمةً في نشر السلام والخير. هذا هو الفارق بين فسطاطي الحرية والقمع ؛ النور والظلام.
فالوقوف في وجه النظام العسكري الانقلابي يجسّد موقفاً ضد الاستبداد وضد القمع وضد الظلم والفساد .كماهو جهدٌ من أجل رفع منسوب الوعي بالحرية ، العدل والخير والتقدم. هذا هو محور رؤى غرامشي إذ يطرح هيمنة الوعي مقابل سيطرة القمع . لذلك يستعصي فهم منهج سلوك الراحلين إلى بورسودان زرافات ووحدانا ممن ينتمون إلى فيالق حزبية، يُفترضُ فيها العداءُ المطلق مع كافة أشكال الانظمةِ المصادرة لأدوات و مواعين العمل السياسي الديمقراطي. كما يُبطلُ ذلك الوعي وهذا الانتماء محاولات تبرير المستوزرين بتكريس جهودهم من أجل الشعب والوطن . فخدمة الشعب تتم عبر الانحياز إلى معسكر المناضلين من أجل استعادة وتثبيت الحرية والعدالة والتداول السلمي للسلطة. باعتبارها غايات بعيدة المدى على سكة الخير والنماء .من المؤسف ألّا يدرك بعضُ هؤلاء وأولئك انهم يبددون بعضا من أرصدتهم المكتسبة بجهود ذاتية أو عبر مواهب فطرية.
فما أغنى و أقنى رجلٌ برصيد الدكتور إبراهيم الأمين تقلّد مناصبَ رفيعةً في حزب الأمة أن ينهي مسيرته بحجةٍ إلى بورسودان في لجة الكلام غير المباح في شأن تعزيز لما يسمى زورا بحرب الكرامة. ماكان ينبغي لزيارة بورسودان ان تعضّد أزر الجند بقدر ماهي تستهدف الشد على يدي الجنرال الانقلابي. أو لا يدري الأمين من مسيرته السياسية طويلة العمر أن أيَ جهدٍ على درب ترميم التصدعات داخل حزبه أفضل للحراك السياسي والسلام والديمقراطية والوطن من فعلته التي فعل ؟ وما أغنى طبيبٌ نابه و شاعرٌ له رصيدٌ من صيتٍ مجتمعي ان يبدده مقابل منصب وزاري في شبه دولة قصيرة الأجل. الزعمُ بأنه يتأبط مشروعاً للنهوض الصحي يدين رؤيته الحالمة . فالمرحلة الحالية في الوطن تستدعي مشروع اسعاف عاجل تفرضه حالةُ مقاومة الأوبئة وإصلاح البيئة مقابل نقص الكوادر وشح الامكانات. فهل يعلم الطبيب الشاعر عددَ المستشفيات داخل الخدمة حاليا.؟أعدادَ من بقي من الاطباء، الاختصاصيين والجراحين في ظل الحرب؟ حجمَ الحاجة الملحة للاجهزة الطبية الضروري والأدوية ؟دع عنك الحديث عن انعدام قواعد البنى الاساسية لبناء أي مشروع وطني في هذه المرحلة حيث يتطلب الوطن تضميد الجراح أولا!
تلبيس الاغراض الخاصة كساء الوطنية إدعاءٌ زائف. فالموقف الوطني يتجاوز المصالح الضيقة زمانياً على الأقل لجهة المستقبل البعيد.فكل موقف يعضّد العمل الجماعي داخل معسكر الحرية والعدالة هو جهدٌ يوسع آفاق الوعي الوطني ويُضيّق على محاور الاستبداد والفساد. لو تأمل المتدافعون الى بورسودان فقط في تعثر مخاض التشكيل الحكومي لأدركوا جانباً واحداً على الأقل من حالة الارتباك المركبة المطبقة على النظام الانقلابي.فوراءُ المخاض ليس فقط أزمة المحاصصة المفتعلة بل احجامُ كفاءاتٍ وطنية عن تلويث أنفسهم او عائلاتهم بالتورط في هذه المهزلة المتنازعة بين الطموحات الشخصية و الاهواء الشللية على حساب الشعب .فالقفز إلى هذه المركب الجانحة في الوحل ليس سوى ضرب من التهيء لممارسة الانتحار السياسي على طريقة الساموراي الياباني.فهولاء يُقطّعون أحشاء ذاكرتهم السياسية والاجتماعية على نهج طقس الهاري كاري.
نقلا عن العربي الجديد
aloomar@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم