تجربة إعادة الإستعمار: دروس من أجل سودان جديد

زرياب عوض الكريم

  1. الخوف الاجتماعي : من يوغسلافيا إلى أفغانستان

لعب الخوف الاجتماعي وسياسات (الأمننة) Securitization بين المكونات الاجتماعية التالي ذكرها ، تحديداً مابعد إنتفاضة البروليتاريا الحضرية في أكتوبر 1964 ، دوراً مُهماً ، لا يمكن إغفاله في تقويض عملية التحول السياسي لجمهورية مابعد الإستعمار (1964) نحو دولة وطنية علمانية فيدرالية وتعددية على أسس (مبادئ صُلح ويستفاليا 1648) التي لم تكن أصلاً مطروحة في جدل قوى الإقطاع الكولونيالية المُتناحرة – الداخلي أو (قوى السُودان القديم).

لكن هذه التجربة مابعد الإستعمارية ، ليست قاصرة على السودان الأنغلو مصري فقط بل إلى نماذج أعم وأشمل.

  • مُخطط سيسيولوجي ..
  • خوف الشيعة (الكتلة الفلاحية) الاجتماعي في العراق.
  • خوف المسيحيين في لبنان الكبير (الكتلة الميكافيلية لنظام الحكم).
  • خوف الصرب والكروات في يوغسلافيا.
  • خوف البشتون في مملكة أفغانستان المُنحلة.
  • خوف الجنوبيين (الزنوج) في مالي الحديثة منذ الستينات.
  • خوف الهوسا في النيجر. (الجنود السابقين للإمبراطورية الفرنسية والبريطانية في غرب إفريقيا).

إنتهى.

هذا (الخوف الإجتماعي) عادة ما يُنتج الإرهاب والعُنف تحت غطاء إنقاذ الدولة والمُحافظة عليها (النزعة الدولتية) Statism . ويُقوض محاولات (إعادة الإستعمار) Neo-colonization والهندسة الاجتماعية بما يحقق ضبط الصراع الإجتماعي الداخلي في المُستعمرات السابقة.

  1. محددات الصراع الإجتماعي

الهدف الأساسي لعملية إعادة الإستعمار (راجع : علي المزروعي ، تشكُل النخبة في إفريقيا.) هو إعادة إنتاج التوازنات الاجتماعية والتراتب الاجتماعي أو الهرميات الإجتماعية ، بما يحقق توازناّ إجتماعياً (غائباً) يفضي إلى المُساواة والتعافي والسلام المُستدام. تعييناً بين كُلاً من..

1) الكتلة الايدلوجية (أو العضوية) للنظام السياسي.
2) الكتلة الميكافيلية لنظام الحكم.
3) الكتلة الوظيفية أو التقليدية (بتعبير غرامشي).

بتعبير آخر مُتراتب ..

المُثقفين أو يحل محلهم الإقطاعيين أحياناً / الفلاحين / الجنود.

  1. تشريح الأزمة التاريخية

جمهورية الجلابة أو جمهورية (1956). هي أساساً (جُمهورية جنود) لا (مملكة منفى) . منذ عهد الفونج 1505-1821 وما تلاه من تحولات غيرت من طبيعة الكتلة الايدلوجية للحكم ، دون المساس بتركيبته.

جُمهورية جنود – فشلت في تمثيل (الكتلة الميكافيلية أو الفلاحية) الشمالية ، هوياتياً واجتماعياً ، علي غير إدعاءها المُتواصل.

بعد أن تمردت مراراً على الكتلة الايدلوجية للحكم (من الفونج إلى المصريين الأتراك والبريطانيين لاحقاً) ، بطريقة مُباشرة وغير مُباشرة (سياقات حروب الكمبرادور في التاريخ : إستدعاء حرب الوكالة أو حرب المُرتزقة منذ تخريب سوبا 1505 إلى المهدية 1883).

وبالتالي العجز عن تحصيل الشرعية الاجتماعية ، اللازمة لتحقيق الاستقرار السياسي طويل الأمد.

  1. سياقات تاريخية مُقارنة

جمهوريات الجنود , في تركيا الفتاة (1919) أو مصر الفتاة (1952). نجحت في توطيد دعائم الحكم ، بسبب تمكنها من تحقيق (المساومة الاجتماعية) اللازمة بين المثقفين أو الإقطاعيين بدلاً عنهم و الفلاحين.
أو بسبب قدرتها على تصفية الإقطاع ، وكسب ثقة ورضا الإثنيات والتشكيلات الإجتماعية الفلاحية.

في ذلك ، يمكن عزو السبب الأساسي في فشل جُمهورية الجلابة (أبناء الجنود الشماليين من خريجي مجموعة حنتوب وما تلاه من بعثات مدرسية (1945)) ، هو محاولتهم الحلول محل إقطاعيي الحقبة التركو مصرية. أو محل العائلات الكولونيالية ، من (أسلاف الإستعمار) في القرن التاسع عشر.

بالمُقارنة مع تجارب التحولات الجمهورية republicanism والإشتراكية في القرن العشرين ، (جُمهوريات الفلاحين) الشعبية كانت دائماً تتأرجح بين كونها جُمهوريات فوضوية – أناركية ، و جُمهوريات تعاونية – (شعبية) النمط. كما في دول الكاريبي وكوريا وإرتريا إلخ.

أو كوربراتية النمط corporatist state ، (قائمة على التضامن القروي بين نُخبة الحُكم وأوليغاركياته) ، من الجزائر وليبيا إلى الصين وإسرائيل. إلخ.

أما جُمهوريات المُثقفين والمُثقفين سليلي الإقطاع ، مثل تونس وتنزانيا ونيجيريا وماليزيا والصومال إلخ . التي فشلت فيها تجربة (جمهوريات الجنود) الإشتركية ، في التجذُر الاجتماعي في البيئة المُحيطة والتوطُن.

مثل (جُمهورية سياد بري 1969-1991) ، التي قادت إلى حروب أهلية واسعة على النمط الزائيري ، إنتهت بتوافُق بين القوى الإقطاعية. (2009).

راجع :

قانون 5+5 غير المكتوب في الصومال ، للتمثيل الاجتماعي في المؤسسات الحكومية.

فإن النموذج الأساسي الذي ظل يصدِّره الإتحاد السوفياتي للعالم الثالث طيلة نصف قرن حتى سقوطه ، هو نمط جمهوريات الجنود الإشتركية (جمهوريات الضُباط الأحرار).

لكن هذا النمط يبدوا مُضللاً (دعاية ترميز تضليلي) ، ولا يقود إلى تحليل حقيقة التحولات الإشتراكية الصلبة وثورات الإشتراكيين (من الأسفل) from the below في العالم الثالث. من جنوب اليمن إلى كردستان العراق أو كوريا الشمالية إلخ. التي كانت في جوهرها تحولات مدنية (مُسلحة) قادها مُثقفين ينحدرون من تراتبيات وقوى إجتماعية إقطاعية ، مُتجذرة إجتماعياً في الريف.

وليست مجرد مُحاولات (فوقية) ، تمت من خلال إنقلابات جنود (عسكرية) ، خرقوا التراتبيات العسكرية والمؤسسية وقاموا بقلب النظام الإجتماعي كله بجرة قلم. وأصبحوا (حُكاماً) بريتوريانيين Praetorian state . فُجاءة وبدون تمهيد مسرحي. بسبب تنازُع القوى الإقطاعية الكلاسيكية وتناحُرها.

على سبيل المثال ، حيث فشلت التحولات الإشتراكية في أفغانستان. وهي بلد إقطاعي قديم تمزقت فيه العلاقات بين مُؤسسة الإقطاع والفلاحين الرئيسيين (البشتون) ، بإعتبارهم الطبقات المسيطرة (المُهيمنة) في المجتمع الأفغاني منذ قرون.

الحُلفاء التاريخيين للإتحاد السوفياتي في مملكة أفغانستان المُنحلة ، كانوا هم المُثقفين المُنحدرين من خلفيات إقطاعية – بشتونية . لكن هذه النُخبة الإقطاعية ، أثارت غبن الفلاحين البشتون. بدلاً عن عن تأكيد قدرتها علي قيادتهم أو إخضاعهم حتى.

في اليمن الجنوبي كما كردستان العراق ، كانت زمرة المثقفين الشيوعيين والإشتراكيين ، تنحدر وتنتمي إلى خلفيات إقطاعية ريفية متجذرة أو عشائرية أيضاً. لكنهم تمكنوا من إخضاع القبائل (الفلاحين) وقيادتها إلى حد كبير.

وهي نفس تجربة السنغال تحت قيادة سنغور (1960-1980). كما اثيوبيا وإرتريا تحت قيادة ميليس زيناوي وإسياس أفورقي.

كانوا كلهم مُثقفين من خلفيات إجتماعية إقطاعية متجذرة في الريف. ونجحوا في إخضاع القبائل الفلاحية ، وإبعاد إثنيات الجنود (مُؤسسة النفتينجا في إثيوبيا الأمهرية مثلاً) من التأثير السياسي في نظام الحُكم أو قمعهم حتى.

في السُودان التركو مصري (القرن 19) ، بمقارنة حقبة عبدالله تورشين أو عبدالله التعايشي ، رجل الدين التقليدي المنحدر في أصله الحقيقي من ممالك غرب إفريقيا ، من إثنيات مثلت تاريخياً الكُتلة الأيدلوجية لأسطورة (المهدوية) الألفوية الدينية ، أساساً.

فشل الرجل ، الذي إمتلك كل دهاء الحكم الأوتوقراطي ، في إخضاع القبائل الفلاحية التي شكلت الكُتلة الميكافيلية لتمرد/ ثورة المهدوية (إثنيات البقارة). وتمثيل مصالحها بشكل جدي.

كما دخل في صراع طاحن مع مُكون إثنيات الجنود التقليدي في سلطنة الفونج (سلطنة سنار) ، أو مُكون الجلابة.

بما أضعف الروح المعنوية لأنصاره ، وجعل مُهمة حراسة نظام حُكمه .. تحت تهديد ورحمة مُرتزقة الريف (الجهّادية السُود) من إثنيات البانتو.

  1. مُعالجة المأزق التاريخي

منذ حقبة السلطنات الإفريقية – الإسلامية من الفونج إلى الفور و المسبعات ، وقبلها الممالك المسيحية لشعوب النوبة (حُكامها سلالة الأكسوميين العنج) ، التي عرفت أساساً تمرد قبائل الجنود (العرب) أو (الرعاة).

كانت العلاقة بين الإقطاعيين والفلاحين ، راسخة. سواء بسبب علاقة التمثيل الاجتماعي والرضا عنها ، أو بسبب علاقة الإخضاع الطبقي.

نخلُص من خلال ذلك ، إلى العوامل المُهمة لنجاح أية عملية لإعادة تركيب الهندسة الاجتماعية. أو إعادة إستعمار وإحتلال السودان النهري(لاندسكيب وادي النيل) ، تحديداً.

وهي ضرورة إعادة الثقة (المفقودة) بين الإقطاعيين أو العائلات الإقطاعية (العائلات الكولونيالية) وإثنيات الفلاحين ، في شمال السودان النهري. حيث مسرح الصراع الإجتماعي أساساً ، المُقاوم لبناء وتشكيل الدولة الوطنية مابعد الإستعمارية (دولة المُواطنة والمُساواة مع بقية القوميات الثقافية الثقافية) من حيث المبدأ.

ذلك من خلال (تفاهم تاريخي) وليس (مؤامرة تاريخية) على غرار دولة 1956. أو حتى جمهورية محمد علي باشا 1820.

يتجه ذلك التفاهم صوب مضابط صُلح ويستفاليا ، العلمانية والفدرالية والإعتراف بسيادة القوميات الإثنية الأخرى على أراضيها . أو تنظيم الإستغلال والإستخراج للثروات والريع.

أي (مُناقشة طبيعة الدولة الإستخراجية) predotary state الفاشلة منذ خمسة قرون.

من كونفدرالية السلطنات الإفريقية الإسلامية (القرن 16) إلى المركزية التركو مصرية القابضة ، إلى (الفدرالية المُنتظرة) للدولة الوطنية مابعد الإستعمارية.

northernwindpasserby94@gmail.com

عن زرياب عوض الكريم

شاهد أيضاً

إمتداداً للحرب غير الضرورية ضد الريف

زرياب عوض الكريملم تكن ثمة مُبررات واضحة لإعادة نقل نزاع حرب الخرطوم في 15 إبريل …