تجربة صحيفة الخرطوم (3)

مؤانسة رمضانية (25)
فيصل محمد صالح
في البداية أريد أن أذكر مرة أخرى أنني أكتب خواطر من الذاكرة، ألمس فيها جوانب من ذلك التاريخ، وأضع فيها بعض الإشارات هنا وهناك، وأقدم أمثلة، وليس حصرًا كاملاً لكل من شارك في هذه التجربة.
في بالي أعداد من الكُتّاب ممن صاروا جزءًا من التجربة؛ جزءٌ منهم كانوا معروفين من قبل، كتبوا في الصحافة السودانية ثم هاجروا واغتربوا، ووجدوا في صحيفة “الخرطوم” فرصة لإطلالة أخرى، وفيهم من لم يظهر من قبل وكانت إطلالته الأولى هنا.
كتب لنا من لندن الأساتذة الطيب صالح، وحسن ساتي، ومعاوية حسن يس، والخاتم عدلان، وعبد العزيز حسين الصاوي “محمد بشير أحمد”، والدكتور خالد الكد.
وأطل للمرة الأولى الكاتب يس حسن بشير من السعودية، ومحمد موسى جبارة من البحرين، وفخر الدين كرار، والدكتور حسن أبشر الطيب من سلطنة عُمان، والدكتور حيدر إبراهيم، وزين العابدين صالح، وسامي سالم وبدر الدين حسن علي من القاهرة، وشوقي بدري من السويد. ومن قطر نشط عبد الرحمن نجدي وبدر الدين الأمير، اللذان شكلا لنا جسر تواصل مع الفنان مصطفى سيد أحمد، بحيث كانت أخباره وجديد إنتاجه حكرًا علينا. كما كان الدكتور مرتضى الغالي يكتب لنا من الخرطوم. ومدّنا الصديق الصحفي صلاح شعيب، قبل هجرته، بمواد حوارية غطت النشاط الثقافي والفني بالخرطوم.
واصل الدكتور محمد عبد الله الريح من السعودية الكتابة التي بدأها في الصحف السودانية، واستقطب معه الشاعر الظريف شمس الدين حسن خليفة، وشكّلا ثنائيًا ساخرًا نثر البهجة على صفحات “وطن الابتسامة”. وكذلك كتب ياسر عبد الفتاح “شقشقة”، والشاعر عزمي أحمد خليل، وعبد العال السيد، ومدثر حسن يس، ومؤرخ بورتسودان محمود دليل. كما كتب ضمن طاقم المفكرة التي كانت تُنشر في الصفحة الأخيرة رجل الأعمال صلاح إدريس، والشاعران السر عثمان الطيب وعبد الله محمد خير، والدكتور عبد الرحيم عبد الحليم، والفنان أحمد الفرجوني الذي اكتشفنا فيه كاتبًا متمكنًا.
كان من نجوم الكتابة الساخرة الشاعر والكاتب عوض فضيل من السعودية، ودهب خيري من سلطنة عُمان، وهما زميلا دراسة في معهد المعلمين العالي وأصدقاء لدودون، كما يقال. وكان لكتاباتهما معجبون ومتابعون كُثر. وكان هناك وجود كبير للأستاذ السر قدور من خلال زاويته “أساتذة وتلاميذ”، ومحمد إبراهيم قرض، كما كتب عندنا الإذاعي المصري فهمي عمر، بجانب تداعيات يحيى فضل الله.
من رحم هذه الكتابات خرجت كتب كثيرة، لعل أشهرها مقالات الدكتور محمد عثمان الجعلي “رحيل النوار خلسة” عن علي المك وجيله، وقد جُمعت في كتاب صدر عن دار عزة. وكذلك كتابات لعدد من الكُتّاب الذين استقطبهم الدكتور حسن أبشر الطيب لزاويته “إطلالة في عشق الوطن”، وجمعها بعد ذلك في كتاب. كذلك مقالات البروفيسور إبراهيم القرشي “عادات سودانية أصولها عربية”، وسلسلة كتابات البروفيسور محمد أحمد بدين “الفلاتة الفلانيون”، ثم الكتاب اللطيف “ود المادح والحفيد”، وهي مجادعات ساخرة بين عبد الرحمن علي طه ومحمود الفكي، جمعها الدكتور فيصل عبد الرحمن علي طه في كتاب بعد نشرها في صحيفة “الخرطوم”.
ولعل أشهر المواد التي ظهرت في كتاب في وقت متأخر هي “حوارية لاهاي”، التي دارت بين الدكتور حيدر إبراهيم علي والدكتور عبد الله بولا. بدأت بجدال ساخن، لكنها حملت مادة معرفية ثرية.
هناك مواد غاية في الأهمية كانت تستحق أن تخرج في كتب، لكن رحيل الكُتّاب أخفاها عمّن لم يتابعها في الصحيفة، منها مقالات خالد الكد “على كيفي”، وكتابات الأستاذ فهمي بدوي، وهو إذاعي ومسرحي وشاعر عمل في بي بي سي ثم الإذاعة السودانية. وقد كتب سلسلة مواد عن تاريخ مدينة الخرطوم بعنوان “الخرطوم عموم”، لا أعتقد أنها موجودة في أي مكان. ثم كتابات عثمان عامر، وهو كاتب مبدع ومجيد لا يعرف إنتاجه إلا الأصدقاء المقربون. نشر عثمان عامر في الصحيفة حوارًا مسجلاً مع الشاعر عبد الرحمن الريح، وسلسلة مقالات تحت عنوان “الكشاف” تناول فيها شخصيات ومواقف. كنت معجبًا بعنوان مقاله عن الدكتور عبد الله علي إبراهيم “في بلاغة المُغتاظ.. وسحر المُغالِط”.
أكثر ما يؤلم أن أرشيف الجريدة في القاهرة، والذي أحضرناه معنا إلى الخرطوم، قد ضاع بخطأ غير مقصود. ولا أعلم مصير أرشيف الدكتور الباقر في منزله، كما أن لدي أرشيف قصاصات لمعظم المواد التي أشرت إليها تركتها أيضًا في منزلي بالخرطوم. الصور والفيديوهات التي شاهدتها لمنزل الدكتور الباقر بقاردن سيتي ومنزلي المتواضع في كوبر تقول إن كل ذلك قد ضاع، مع الأسف.
يتبقى الأرشيف الكامل الذي يُفترض أنه موجود بدار الكتب المصرية “دار الوثائق”، حيث كنا نودع نسخًا يومية حسب القانون.
رحم الله من رحل من هؤلاء الأساتذة، ومدّ الله في أيام الباقين، فقد قدموا خدمة معرفية كبيرة للقارئ السوداني في وقت صعب.
وأجدد الاعتذار لمن فاتني ذكر اسمهم رغم مساهماتهم، فأنا أكتب بعيدًا عن أي مرجعية غير هذه الذاكرة المتعبة.
الصور: عبد الله بولا بالعمامة، معاوية يس، خالد الكد

عن فيصل محمد صالح

فيصل محمد صالح

شاهد أيضاً

مسامرة مع الكورنجية

مؤانسة رمضامية (21)فيصل محمد صالحأعترف ابتداءً بأن علاقتي بكرة القدم، والرياضة عموماً، ضعيفة. وحتى عندما …