تحالف ودستور التأسيس: حين يتحوّل البيان إلى التزام بالعمل

ahmedsidahmed.contacts@gmail.com

د. أحمد التيجاني سيد أحمد هلسنكي ٧ يناير ٢٠٢٦

في زمنٍ أُفرغت فيه السياسة من معناها، وتكاثرت فيه البيانات دون أثر، يطرح تحالف ودستور التأسيس سؤالًا مختلفًا: كيف يتحوّل الكلام إلى بنية، والنية إلى ممارسة؟

لم يكن السودان في أزمته الراهنة بحاجة إلى بيانٍ جديد، بقدر حاجته إلى التزامٍ مختلف. فالبيانات كثرت، والمواثيق تراكبت، لكن ما غاب دومًا هو الانتقال من اللغة إلى البنية، ومن الشعارات إلى آليات الفعل. في هذا الفراغ تحديدًا يضع تحالف ودستور التأسيس نفسه: لا بوصفه اصطفافًا سياسيًا عابرًا، بل محاولة واعية لإعادة تعريف السياسة ذاتها بعد أن استُنزفت وأُفرغت من معناها.

يقوم هذا التحالف على قاعدة وطنية واسعة، تضم أكثر من أربعةٍ وعشرين حزبًا سياسيًا، وقوى كفاحٍ مسلح اختارت، بعد كلفة باهظة من الدم والتشظي، أن تنحاز للسلام لا باعتباره هدنة، بل خيارًا أخلاقيًا واستراتيجيًا، وأن تقف مع الشعب السوداني أينما كان، دون فرزٍ عرقي أو جهوي، ودون ادعاء احتكار المعاناة أو البطولة. وتشارك التنظيمات المهنية والمدنية هنا بوصفها شريكًا أصيلًا في إعادة بناء الدولة، لا شاهدًا عليها ولا واجهةً تجميلية.

ومن هذا المنطلق، فإن تحالف التأسيس لا يقوم على الجهوية ولا يستدعي العصبيات، ولا يتغذّى على خطاب المظلومية المغلقة. فهدف حكم التأسيس هو السودان الموحّد، لا بوصفه شعارًا إنشائيًا، بل باعتباره شرطًا لقيام الدولة نفسها. وقد أثبتت التجربة السودانية، مرارًا، أن أخطر أعداء هذا الهدف لم يكونوا الخارج وحده، بل العنصرية والجهوية حين تتحولان من توصيفٍ اجتماعي إلى برنامجٍ سياسي، سواء استُخدمتا من المركز لتكريس الامتياز، أو من الهامش حين أُغلقت على ذاتها وأعادت إنتاج الإقصاء في صورة معكوسة.

الميزة الجوهرية لهذا التحالف أنه تحالف الأوراق المكشوفة. لا يقوم على التواطؤ الصامت، ولا على هندسة الغموض التي ميّزت تجارب كثيرة في تاريخ السودان السياسي. أهدافه معلنة، ومساراته مفتوحة للنقاش العام، وشرعيته مستمدة من تطلعات شعبٍ ثار، لا ليبدّل نخبًا بأخرى، بل ليضع حدًا لمنظومة كاملة من الاحتكار والإقصاء.

ومن إدراكه العميق أن جوهر الأزمة السودانية كان – ولا يزال – أزمة قيادة وسلطة، يرفض تحالف التأسيس إعادة إنتاج نموذج القائد المُخلِّص أو الرئيس المفروض. لا زعامة تُفرض من أعلى، ولا قيادة تُصنع خارج الإرادة الجماعية. القرار فيه جماعي، والمسؤولية موزّعة، والقيادة وظيفة خاضعة للمساءلة، لا امتيازًا دائمًا.

أما داخليًا، فيقوم التحالف على حدٍّ أدنى أخلاقي غاب طويلًا عن الممارسة السياسية: الشفافية، والاحترام المتبادل، وإدارة الاختلاف دون تخوين أو إقصاء. فالاختلاف ليس خطرًا على المشروع، بل شرطًا لسلامته.

وفي عمق مشروعه، يطرح تحالف ودستور التأسيس رهانًا صريحًا على العِلم والمعرفة، لا بوصفهما زينة خطابية، بل كمنهج حكم. فالسودان لا تُنقصه الشعارات، بل تنقصه القدرة على تفكيك علاقات السلطة بالاقتصاد، وفهم جذور التهميش، وربط العدالة بالتنمية.

بهذا المعنى، لا يقدّم تحالف ودستور التأسيس وعدًا خلاصياً، لكنه يضع نفسه أمام اختبارٍ صعب: أن يتحوّل البيان إلى التزام، والنية إلى ممارسة.

نواصل

بريد إلكتروني

ahmed sidahmed.contact’s @gmail.com

عن د. احمد التيجاني سيد احمد

د. احمد التيجاني سيد احمد

شاهد أيضاً

لسنا تهمة .. نحن الأصل .. النيل لا يُقسَّم

د. أحمد التيجاني سيد أحمدقيادي مؤسسي في تحالف التاسيس١٧ فبراير ٢٠٢٦ – روما، إيطاليا في …