عبد القادر محمد أحمد / المحامي
aabdoaadvo2019@gmail.com
لقد واجهت المرحلة الانتقالية عدة تحديات قادت إلى ما انتهى إليه أمرها. وقد كانت ولا زالت مهمة التفكيك من أعقد تحديات تلك المرحلة والمرحلة الحالية، بحيث لا يمكن فصلها عن أي رؤية للحل الشامل للأزمة. فالتمكين لم يكن مجرد فساد إداري أو مالي، بل كان ولا زال سيطرة شاملة على مفاصل ومؤسسات الدولة، بما فيها العدلية والاقتصادية، وشبكات المال والنفوذ، بحيث أصبح النظام هو الدولة نفسها.
ولتسهيل تناول تعقيدات قضية التفكيك، سأناقشها عبر بعض كتابات د. عبد الله علي إبراهيم، بوصفه أحد الكُتّاب الذين أسهموا في النقاش العام حولها وفي محاولة ترشيد أداء اللجنة.
في أغسطس 2020، نشر د. عبد الله مقالًا بعنوان: «لتعزيز نظام إزالة التمكين الهجين..»، وصف فيه إزالة التمكين بأنها نظام هجين يجمع بين الشرعية الثورية والشرعية القضائية، وأن ذلك دليل على نبل الثورة لأنها لم تنطلق من روح الانتقام. ويؤكد أهمية العدل بوصفه عقيدة الثورة، ويشدد على أهمية انضباط اللجنة داخل اختصاصها، وعلى مبدأ المحاسبة الفردية القابلة للطعن. وأن إزالة التمكين لن تنجح ما لم تلتزم بالعدل والإجراءات القانونية والشفافية.
وفي فبراير 2022، نشر مقالًا بعنوان «حسناء في بيئة قانونية قاصرة»، وآخر في يناير 2025 بعنوان “من يريد أن يعرف من أين جاء هؤلاء…” ، وكلاهما يتناقض مع مقال «الهجين» الذي كان يتحدث بمنطقٍ قانوني أخلاقي.
لكنه في المقالين الأخيرين انتقل إلى لغة ثورية حادّة، يبرر فيها أسبقية الفعل الثوري وتجاوز القضاء والإجراءات، ويدافع عن اختصاص اللجنة “الثوري الفريد”، بل ويحرض على محاسبة جماعية واسعة. وكأن هذه المقالات الاسترجاعية جاءت كمحاولة لإعادة بناء موقفٍ فكري بعد انكشاف النتائج.
ولكن تبقى المشكلة ليست في موقف د. عبد الله الغريب، بل في أن تعقيدات قضية التفكيك كانت تحتاج إلى جهدٍ سياسي وقانوني مشترك، ووجود تأثيرٍ مؤسسي للحكماء، لا الاكتفاء بجهود فردية أو مقالات تمر بلا أثر وسط ضجيج الأحداث.
إن هذا التناقض، أو الارتباك المفاهيمي، لازم كثيرين وأصبح مدخلًا للتشكيك داخل صف أنصار الثورة. وسببه ليس وجود اختلاف حول مبدأ التفكيك، لكن وسيلة التفكيك كانت تتطلب نظرةً أعمق وفهمًا أشمل. فالثورة حزمةُ أهدافٍ مترابطة، لا يمكن إنجاز أحدها بمعزلٍ عن الأخرى، وإلا فإن النتيجة الحتمية هي ما حدث من إخفاق.
وبمعنى آخر، ما جرى لم يكن فشلًا لفكرة التفكيك، بل فشلًا لإدارتها خارج سياق رؤيةٍ شاملة للانتقال الآمن. والمرجعية في كل ذلك هي الوثيقة الدستورية؛ فأي حديثٍ يخالف ما نصّت عليه يظل فاقدًا للمشروعية، ويُعد خصمًا على شعارات الثورة ومصداقيتها.
ثم إن مهمة التفكيك لم تُهزم بسبب تحديات التعويق المتعمدة، فالتعويق كان أمرًا متوقعًا، ولا بسبب غياب الإدراك بكيفية تنفيذ الهدف فحسب، وإنما أيضًا بسبب غياب بوصلة مشتركة توحِّد الرؤية بين مكونات الحكومة الانتقالية، وحاضنتها السياسية، والشارع الثوري، بل وحتى داخل كل مكوّن على حدة.
كما أسهم غياب التواصل والثقة بين المكوّن المدني والعسكري في تعميق هذا الخلل. ويُضاف إلى ذلك غياب منصة رسمية للحكماء والمفكرين السياسيين والقانونيين، كان من شأنها ترشيد النقاش العام وضبط الخلافات ضمن إطار فكري ومؤسسي واضح.
وكل ذلك يحتاج إلى تفصيل.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم