تحقيقاً لمكاسب الثورة: ظِلُّ التجمُّع.. أم فِيل “قحت” ؟! .. بقلم: محـــمـــــــــود دفع الله الشـــــيــــــخ /المحامي
لعله من الغريب ، أن البعض ممن يتابعون الشأن السياسي بتفصيلاته، بل ويشاركون فيه ، يتساءلون، رافعين لحاجبٍ وخافضٍين لآخر، فاغري الأفواه ، ضاربين كفاً بكفٍّ، دهشةً واستنكاراً : أنىَّ للأحزاب السياسية – ابتداءً – من وجودٍ داخل تجمع المهنيين، ثمّ تشاكساً فيه لاحقاً !! وكأنما أعضاء التجمع ممن يعيشون فوق سطح أرض هذا الوطن أو خارج اجوائه ، المطلوب منهم أن يعتنقوا فكراً لم يتم تنظيره بعد، أو يخترعوا طريقاً مختلفاً، أو ثالثاً، للخلاص من النظام البائد، دون الطُرق التي انقسمت بشأنها القوى السياسية، بين : (ثورةٍ شعبيةٍ شاملة) ، أو، (تسويةٍ سياسية تقضي بإنسحاب بطيئٍ للنظام البائد عن مسرح السلطة) .. ومن ثمّ، يكون على التجمع، أيضاً، إيجاد وسيلةٍ أخرى لم يتوصل لها الساسة، في شأن الفترة الإنتقالية، وما سبقها من مفاوضات، مابين ( مواصلة الثورة حتى تتحقق مكاسبها) عبر الحصول على حكومةٍ مدنيةٍ صِرفة، أو (القبول بشراكةٍ مع العسكر في الحد الأدنى) ! أم يحسب هؤلاء ، أن مطلوبات التجمع كان لها أن تنحصر في زيادة الحد الأدنى للأجور ثمّ استرداد النقابات، وفور تمام ذلك ينصبوا القامة ليلقوا بالتحية، وللخلف دُرْ؟! فإن كان كذلك، لماذا لم ينجح التجمع في قيادة الثورة السودانية الأعظم، رغم مكابدات التأسيس في مراحل سابقة ، إلا عندما تغيرت وجهته من نقابية مطلبية إلى سياسية؟ وهب أن أعضاء التجمع قد افتقروا للرؤية والموقف السياسي ، فكيف كان بالإمكان التعويل عليهم لإنجاز تغييرٍ سياسي يرومه الناس؟!
إن الثورة المجيدة أشعلها الشعب، و كان لابد لها من قيادةٍ، تديرها وتخطط لها، بغية وصولها لمبتغاها، ومنعها من الإنحراف نحو الشغب والإتلاف، وما يصحب ذلك من تفلتات أخرى تطغى على المنشود حتى تهدره، وأيضاً لإظهار عدد الجرائم المرتكبة من جانب النظام الحاكم وإحصائها خلال التظاهرات.
إن الخلافات الناشبة في تجمع المهنيين ، والتي اتخذت أشكالاً مختلفة، لم تك وليدة هذا الشهر، لكن ذلك المؤتمر الصحفي، الذي في رأيي قد تنكّب الطريق، اراد لها أن تصبح قضيةً جماهيرية ، بمظنة تأثير الجماهير وتدخلها لتغليب فريقٍ على الآخر، وهو ذات المنحى الذي سلكته بعض قيادات التجمع عبر صفحاتها الاسفيرية الشخصية . لكن من الخطأ كذلك، القول بوجود الخلاف والتباين في وجهات النظر داخل التجمع فقط، بل وفي داخل الأجسام المكونة له، وذلك نتيجةً لما يمور داخل قحت لأسبابٍ تتعلق بالرؤية ومستقبل العمل وكيفية تصريف الفترة الإنتقالية والآليات المطلوبة؛ فكان لابد أن يحدث ذات الأمر وينعكس داخل التجمع باعتباره واجهةً للحراك والثورة ، ولأنه صاحب قرار، كونه جزءاً أساسياً من الحاضنة السياسية. ولا يُعد ذلك بالأمر الخطير في رأيي لعدة أسباب ، الأول: أن الخلاف ظاهرةٌ صحيِّة، وتباين وجهات النظر أمرٌ مطلوب في العمل العام، وثاني الأسباب، أن ذلك الخلاف – بدليل عدم تحقيق المؤتمر الصحفي لجدواه – ليس له أثر على الشارع الثائر ، الذي يأتمر بتوجيه التجمع متى ما رأي أن في ذلك اتساقاً مع رغبته، وسيرفض حتماً أى مشروع يجترحه التجمع أو قحت إذا ما حاد عن خط الثورة، ومن يقل بخلاف ذلك ليس بعليمٍ بلجان المقاومة والكُتل الشبابية الناهضة بهذا الأمر. أما رابع الأسباب، فإن تحالف الحد الأدنى، و الممثل في إسقاط النظام، وبعد تحققه، يستوجب ظهور صراعٍ بين الحلفاء ، لإختلاف المدارس السياسية ورؤيتها لمرحلة ما بعد السقوط، وهو الأمر الواجب مناقشته والتوافق حوله.
لا توجد تعليقات
