تحولات النخبة العربية: من التبعية للغرب إلى فكر المقاومة والوحدة

تحولات النخبة العربية: من التبعية للغرب إلى فكر المقاومة والوحدة (1979–2025) (٢-٣)

القسم الثاني: ما بعد الطوفان — انهيار النموذج الأمريكي وصعود الوعي الجديد

لم تكن عملية طوفان الأقصى في أكتوبر 2023 مجرد هجوم عسكري أو لحظة ميدانية في الصراع العربي–الإسرائيلي، بل كانت زلزالًا فكريًا وأخلاقيًا في بنية الوعي العربي والعالمي معًا. في لحظة واحدة، انهار وهم “الردع الإسرائيلي”، وتكشّف الوجه الحقيقي للغرب الذي انحاز علنًا إلى الإبادة، فانكشفت أكاذيب “القيم الإنسانية” التي تغنّت بها النخب الليبرالية العربية طوال نصف قرن.

تحوّل الحدث إلى مرآة كاشفة للنخب فمن كان يرى في أمريكا ضمانة للاستقرار، رأى فيها الآن شريكًا في المجازر. ومن كان يبرر التطبيع تحت شعار “الواقعية”، وجد نفسه عاجزًا أمام صور الأطفال تحت الركام ومن كان يظن أن المقاومة عملٌ عبثي، أدرك أن الشعوب الصغيرة حين تمتلك الإرادة تغيّر موازين القوة في العالم. هكذا بدأ الانفصال النفسي والرمزي بين النخبة القديمة والوجدان الشعبي، وبدأت مرحلة ما يمكن تسميته بـ “إعادة التأسيس الفكري للنخبة العربية”.

لأول مرة منذ قرن، بدت الولايات المتحدة وأوروبا في موقع الدفاع الأخلاقي وانكشفت ازدواجية الخطاب: نفس الدول التي أدانت روسيا أو الصين بدعوى حقوق الإنسان، صمتت أو برّرت الإبادة في غزة والنخب الغربية التي طالما شكّلت مرجعية ثقافية للعرب بدت عاجزة عن تبرير مواقفها، فانكسر سحر “الغرب المتفوق أخلاقيًا”.

بهذا، فقدت النخب العربية مرجعيتها الخارجية. فلم يعد المثقف الغربي أو المؤسسة الأمريكية هو “القدوة” التي تُقلَّد، بل تحوّل فجأة إلى خصمٍ متواطئ في الظلم. وهنا بدأ تحول نوعي في البنية الذهنية للنخب العربية: من استيراد النموذج الغربي إلى الشك فيه، ومن طلب الاعتراف الخارجي إلى استعادة الاعتراف بالذات.

كان من أخطر نتائج الطوفان أنه أسقط القناع عن إسرائيل كنموذج حداثي ديمقراطي طالما روجت له النخب الغربية والعربية. تجلّى الكيان فجأة كمنظومة عسكرية – عنصرية – لاهوتية، ترفض الآخر وتبني وجودها على الإقصاء والإبادة. لم يعد الحديث عن “صراع سياسي” بل عن تناقض وجودي بين مشروعين حضاريين من مشروع الهيمنة الغربية الذي يحمي إسرائيل ومشروع التحرر الإنساني الذي تمثله المقاومة وحلفاؤها. هذا التحول لم يحرّك الشارع فحسب، بل أحدث رجّة فكرية داخل النخبة ذاتها: أدرك كثير من المثقفين العرب أن إسرائيل لم تكن “استثناءً متحضّرًا في الشرق”، بل نموذجًا مكثفًا للحداثة الغربية حين تفقد روحها الإنسانية ومن هنا بدأت إعادة تعريف العلاقة بين التقدم والمقاومة، بين الحداثة والأصالة، بين الحرية والسيادة.

في خضم هذا الانكشاف، برز جيل جديد من النخب العربية — ليس بالضرورة مؤدلجًا، بل متحررًا من الوهم الغربي.
هذه النخبة تتكوّن من مفكرين، إعلاميين، فنانين، وناشطين رقميين، يعملون في فضاء مفتوح لا تحدّه الأنظمة ولا المؤسسات الرسمية.
خصائصها: ١) استقلالية المرجعية: لم تعد تنتظر شرعية من واشنطن أو باريس، بل من الوعي الشعبي؛ ٢)تعدد الأدوات: من الكتابة إلى الصورة، من الشارع إلى الفضاء الإلكتروني؛ ٣) إيمان بترابط الجبهات: ترى أن معركة غزة هي معركة الأمة كلها، وأن مصير اليمن ولبنان والعراق وسوريا والسودان متشابك في نظام عالمي واحد؛٤) نزعة وحدوية واقعية: الوحدة لم تعد شعارًا بل ضرورة وجودية أمام التفكك؛٥) وعي حضاري جديد: يربط بين المقاومة كفعل تحرري والنهضة كفعل بنائي.

يمكن القول إن “النخبة المقاومة” هي ابنة الوعي ما بعد الاستعمار ونتاج انهيار النموذج الليبرالي العربي، وهي في طور التشكّل ولم تبلغ بعد مؤسساتها الكاملة، لكنها بدأت تتغلغل في وجدان الجيل الجديد.

في المقابل، تعيش النخب القديمة (السياسية والإعلامية والأكاديمية) حالة من العزلة التاريخية. لم يعد خطابها عن “السلام” و“الاعتدال” يجد جمهورًا، لأن الواقع فَنَّد كل وعودها. الشارع العربي أصبح يرى في المقاومة رمز الكرامة والفاعلية، بينما يرى في الخطاب الرسمي رمز العجز والتواطؤ. كما أن الأنظمة التي بنت مكانتها على “العلاقة الخاصة بواشنطن” باتت اليوم تواجه عالمًا لم تعد فيه أمريكا قادرة على الحماية أو الضمان. هذه الفجوة بين الواقع الجديد والعقل القديم تُنتج حالة من الارتباك داخل المؤسسات السياسية والثقافية العربية، وتفتح الباب أمام تداول النخب لا بالانقلابات بل بتحوّل الوعي الجمعي.

ملامح الفكر العربي في مرحلة ما بعد الهيمنة٠: الفكر العربي الجديد الذي يتبلور اليوم لا ينطلق من الحنين إلى الماضي، بل من رغبة في بناء مشروع تحرري واقعي يواكب عالمًا متعدد الأقطاب. ملامحه الأساسية: ١) الاستقلال الحضاري: تجاوز الثنائية الزائفة بين “الغربنة” و“الانغلاق”، والسعي إلى صياغة نموذج عربي–إسلامي حداثي؛ ٢) التحالفات الجنوبية: إدراك أن المستقبل يكمن في التكتل مع قوى الجنوب العالمي، لا في انتظار فتات الغرب؛ ٣) الوعي بالعدو البنيوي: فهم أن الصهيونية ليست مجرد قضية فلسطين، بل بنية فكرية وهيمنة اقتصادية وإعلامية عالمية؛ ٤) المقاومة كقيمة إنسانية: لم تعد مرتبطة بالسلاح فقط، بل بالثقافة والاقتصاد والإبداع؛ ٥) إعادة تعريف النهضة: بوصفها توازنًا بين العلم والحرية والسيادة، لا مجرد تحديث شكلي. هذه الملامح تعبّر عن بذور تحول حضاري طويل المدى، يشبه في عمقه التحول الذي شهدته أوروبا بعد سقوط الإقطاع أو آسيا بعد الاستعمار.

تدرك النخب الجديدة أن الوحدة العربية لم تعد حلمًا رومانسيًا كما كانت في الخمسينيات، بل صارت حاجة استراتيجية للبقاء. فالتحديات العابرة للحدود — من الأمن المائي والغذائي إلى الإعلام والتكنولوجيا — لا يمكن مواجهتها بكيانات مجزّأة.

الوحدة( بشكل جديد وشعبي) اليوم ليست شعارًا سياسيا بل آلية بقاء حضاري. لكنها لن تقوم على الأنظمة بل على شبكات النخب والشعوب، عبر التعاون الثقافي والاقتصادي والإعلامي والميداني بين حركات المقاومة والتحرر. بهذا المعنى، فإن طوفان الأقصى لم يحرّك فقط الجبهات العسكرية، بل أطلق طوفانًا وعيًا في الفكر العربي يعيد ربط الأمة بنفسها بعد نصف قرن من التيه.

بهذا، يمكن القول إن النخبة العربية تتجه نحو عصر ما بعد الوكالة — عصر الإرادة المستقلة والمشاريع العابرة للحدود، حيث تستعيد الأمة حقها في تعريف ذاتها وموقعها في العالم.

خاتمة: من التبعية إلى الاستقلال الحضاري: على مدى نصف قرن، كانت النخبة العربية أسيرة يقينٍ مفاده أن الحلول تأتي من الخارج، وأن الغرب هو القاضي الأخير في شؤوننا، لكن التاريخ يدور، واليوم تنشأ أمام أعيننا نخبة جديدة تعيد الاعتبار إلى الداخل، إلى الوعي الجمعي، إلى المقاومة والوحدة كقيم تأسيسية.

لقد انتهى عصر “99% في يد أمريكا”، وبدأ عصر “القرار في يد الشعوب”.
هذه ليست مجرد نقلة سياسية، بل تحوّل حضاري شامل في علاقة العرب بذاتهم والعالم. ومثل كل التحولات الكبرى، لن يكتمل بين يوم وليلة، لكنه بدأ بالفعل، ولن يعود العالم العربي بعده كما كان.

منهج اختيار المراجع: تم انتقاء المراجع الخاصة بمقال «تحولات النخبة العربية: من التبعية للغرب إلى فكر المقاومة والوحدة (1979–2025)» وفق منهجٍ مزدوج يجمع بين التحليل الفكري–التاريخي والاستشراف السياسي–الحضاري. رُوعي في الاختيار تنوّع المرجعيات بين الفكر العربي النقدي، والفكر الغربي المقارن، والمصادر البحثية الحديثة التي تناولت أزمة الهيمنة الغربية، وبروز الوعي المقاوم في العالم العربي بعد حرب غزة الكبرى. جزء من الأسباب توفير ارضية يمكن ان يعتمدها شباب القراء. اعتمدت منهجية الانتقاء على ثلاثة مستويات متكاملة:

المستوى الفكري البنيوي: شمل أعمال المفكرين العرب الذين تناولوا إشكالية التبعية والعقل العربي مثل الجابري، برهان غليون، وعبد الوهاب المسيري، بوصفهم مؤسسي النقد الداخلي لبنية النخبة العربية.

المستوى التحليلي الدولي: ضمّ أعمال مفكرين غربيين مثل إدوارد سعيد، ناعوم تشومسكي، وجوزيف ناي، لبيان التحولات في مفهوم القوة والهيمنة من داخل المنظومة الغربية نفسها، بما يتيح قراءة متوازنة لتراجع المركز الأمريكي والأوروبي.

المستوى الراهن والاستشرافي: استند إلى تقارير بحثية حديثة (مثل مركز الجزيرة للدراسات وتشاتام هاوس) وإصدارات أكاديمية تناولت ما بعد حرب غزة وطوفان الأقصى، لإدماج التحولات الجارية في وعي النخب العربية ضمن السياق العالمي الأوسع لتفكك النظام أحادي القطب.
١-أنور السادات، البحث عن الذات، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1981.
٢-عبد الوهاب المسيري، الصهيونية والغرب والعالم الإسلامي، القاهرة: دار الشروق، 2003.
٣-محمد عابد الجابري، نقد العقل العربي – تكوين العقل العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1982.
٤-برهان غليون، اغتيال العقل: محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1990.
٥-هشام شرابي، النقد الحضاري للمجتمع العربي المعاصر، بيروت: دار الطليعة، 1992.
٦-إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، ترجمة كمال أبو ديب، بيروت: دار الآداب، 1998.
٧-فالح عبد الجبار، الدولة والمجتمع المدني في العراق، بيروت: المؤسسة العر-بية للدراسات، 2010.
٨-جوزيف ناي، مستقبل القوة، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، الكويت: سلسلة عالم المعرفة، 2014.
٩-سمير أمين، التراكم على الصعيد العالمي، بيروت: دار ابن خلدون، 1973.
١٠-طارق رمضان، الإسلام والغرب: حوار حضارات أم صدام قيم؟، أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد، 2009.
١١-فواز جرجس، الهيمنة الأمريكية ومآلاتها في الشرق الأوسط، لندن: آي. بي. تاوريس، 2019.
١٢-مهدي المنجرة، الإهانة في عهد الميغا إمبريالية، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2002.
١٣-هبة رؤوف عزت، الإنسان والدولة: إعادة بناء المجال السياسي في الفكر الإسلامي، القاهرة: دار الشروق، 2015.
١٤-ميشيل فوكو، نظام الخطاب، باريس: غاليمار، 1971 (ترجمة عربية، المركز القومي للترجمة، القاهرة).
١٥-ناعوم تشومسكي، هيمنة أم بقاء: سعي أمريكا إلى السيادة العالمية، ترجمة أميمة عبد اللطيف، القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2007.
١٦-تقرير معهد تشاتام هاوس، The Crisis of Western Legitimacy, London, 2024.
١٧-نادر فرجاني، تقرير التنمية الإنسانية العربية 2002–2009، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، نيويورك.
١٨-مجموعة من الباحثين، العرب في عالم متغير، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2023.
١٩-نورمان فنكلشتاين، Gaza: An Inquest into Its Martyrdom, University of California Press, 2018.
٢٠-مركز الجزيرة للدراسات، ما بعد طوفان الأقصى: التحولات في الرأي العام والنخبة العربية، الدوحة، 2024.

عن د. عمرو محمد عباس محجوب

د. عمرو محمد عباس محجوب

شاهد أيضاً

جورج سوروس: من المضاربات المالية إلى تمويل الديمقراطية في العالم (١-٢)

د.عمرو محمد عباس محجوب سأتناول موضوع جورج سوروس وتأثيره لأنه كثيرًا ما يُخلط فيه التحليل …