د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الخلفية التاريخية: جذور شعار الوحدة ونشوء التيارات المناهضة
بدأ شعار «وحدة وادي النيل» كرمز للوحدة بين مصر والسودان ضد الاستعمار البريطاني المشترك، حيث كانت مصر قد بسطت سلطتها على السودان منذ حملة محمد علي باشا عام 1820–1821، ثم أُقيم نظام الحكم الثنائي الإنجليزي-المصري عام 1899 الذي منح بريطانيا السيطرة الفعلية على الإدارة والجيش والسياسة الخارجية في السودان (Holt & Daly 2011).
وفي الأربعينيات تبلورت حركة وطنية سودانية متأثرة بالحركة الوطنية المصرية، خاصة بعد ثورة 1919 في مصر، فظهر تيار اتحادي داخل مؤتمر الخريجين يدعو إلى وحدة وادي النيل كوسيلة لإنهاء الهيمنة البريطانية، وقد ارتبط هذا التيار سياسياً وفكرياً بالحركة الوفدية في مصر وبفكرة المصير المشترك بين البلدين (Warburg 1992).
في المقابل، برز حزب الأمة المرتبط بالطائفة الأنصارية كتيار استقلالي يرفض أي ارتباط سياسي مع مصر، ويرى أن السودان يجب أن يصبح دولة مستقلة تماماً، مستنداً إلى إرث الدولة المهدية التي حكمت السودان بين عامي 1885 و1898 بوصفها رمزاً للاستقلال الوطني (Holt & Daly 2011).
بحلول أواخر الأربعينيات تبلورت هذه الانقسامات السياسية بوضوح؛ ففي عام 1945 تبنى مؤتمر الخريجين قراراً يدعو إلى حكومة سودانية ديمقراطية في اتحاد مع مصر تحت التاج المصري، بينما استمر التيار الاستقلالي في الدعوة إلى الانفصال الكامل عن كلٍ من بريطانيا ومصر (Warburg 1992).
الهشاشة البنيوية للموقف الاتحادي — الجذر المؤسس للتحول
كان حزب الأشقاء، الذي قاده إسماعيل الأزهري، أحد أبرز التنظيمات الاتحادية المنبثقة عن مؤتمر الخريجين، وقد تبنى مبدئياً شعار الاتحاد مع مصر في إطار قرار مؤتمر الخريجين لعام 1945، لكنه لم يحدد بصورة واضحة طبيعة هذا الاتحاد أو شكله الدستوري (Warburg 1992).
وقد عكس هذا الغموض قدراً من البراغماتية السياسية؛ إذ إن بعض القيادات الاتحادية كانت تنظر إلى شعار الوحدة مع مصر بوصفه وسيلة سياسية لإنهاء السيطرة البريطانية أكثر من كونه مشروعاً اندماجياً حقيقياً بين الدولتين (Holt & Daly 2011).
وقد أشار إسماعيل الأزهري لاحقاً إلى هذا المعنى عندما أكد أن العلاقة بين السودان ومصر يمكن أن تُفهم في إطار التعاون والتحالف ضد الاستعمار، وليس بالضرورة في إطار وحدة سياسية كاملة، وهو ما عبّر عنه بالمثل السوداني «أُكلوا إخوان واتحاسبوا تجار»، أي أن العلاقة تقوم على الأخوة مع الاحتفاظ بالاستقلال في المصالح (Warburg 1992).
كما أن الخطاب الانتخابي للحزب الوطني الاتحادي في أوائل الخمسينيات ركّز بدرجة أكبر على مقاومة الاستعمار البريطاني وعلى مواجهة نفوذ حزب الأمة، أكثر من تركيزه على مشروع الوحدة نفسه، وهو ما أدى إلى انضمام عدد كبير من المعتدلين الذين لم يكونوا بالضرورة مؤيدين لفكرة الاتحاد مع مصر (Collins 2008).
اتفاقية الحكم الذاتي وانتخابات 1953
تغيرت البيئة السياسية جذرياً بعد ثورة 23 يوليو 1952 في مصر، حين أعلن قادة الثورة اعترافهم بحق السودانيين في تقرير مصيرهم، وهو ما مهّد الطريق لتوقيع اتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير بين بريطانيا ومصر في 12 فبراير 1953 (Warburg 1992).
وقد نصت الاتفاقية على فترة انتقالية للحكم الذاتي يعقبها قرار السودانيين بشأن مستقبل بلادهم، سواء بالاستقلال أو بالاتحاد مع مصر.
وفي انتخابات نوفمبر 1953 فاز الحزب الوطني الاتحادي بأغلبية المقاعد في البرلمان، وشكّل إسماعيل الأزهري أول حكومة سودانية تتمتع بالحكم الذاتي في يناير 1954 (Collins 2008).
وقد مثّل هذا التحول نقطة بداية حاسمة في انتقال السودان من مرحلة الإدارة الاستعمارية إلى مرحلة الحكم الوطني.
حكومة الأزهري وبداية التوتر حول الاتحاد مع مصر
مع تشكيل أول وزارة سودانية عام 1954 برئاسة إسماعيل الأزهري، بدأت مؤسسات الحكم الوطني تتشكل تدريجياً عبر مجلس النواب ومجلس الشيوخ ومجلس الوزراء (Collins 2008).
غير أن مسألة العلاقة مع مصر سرعان ما أصبحت محور توتر سياسي، خصوصاً أثناء افتتاح البرلمان في مارس 1954 عندما اندلعت مواجهات بين أنصار حزب الأمة والوفد المصري المرافق للرئيس محمد نجيب، وأسفرت الاشتباكات عن سقوط عدد من القتلى والجرحى، مما كشف عمق الانقسام حول قضية الاتحاد (Warburg 1992).
وفي الوقت نفسه ظهرت داخل الحزب الوطني الاتحادي خلافات حول طبيعة العلاقة مع مصر، الأمر الذي أدى إلى انشقاق بعض القيادات وتأسيس الحزب الجمهوري الاشتراكي الذي تبنى فكرة إقامة جمهورية سودانية مستقلة ذات سيادة كاملة (Collins 2008).
الصدمة المصرية: إقصاء محمد نجيب
كان محمد نجيب، أول رئيس لمصر بعد ثورة يوليو، يتمتع بشعبية كبيرة في السودان بسبب أصوله السودانية ومواقفه المؤيدة لحق السودانيين في تقرير المصير (Warburg 1992).
غير أن إقصاءه من السلطة في نوفمبر 1954 وصعود جمال عبد الناصر أدى إلى تغير المناخ السياسي، إذ بدأ كثير من السودانيين يخشون من احتمال تحول الاتحاد مع مصر إلى شكل من أشكال الهيمنة السياسية (Holt & Daly 2011).
وقد ساهم هذا التطور في تسريع عملية إعادة التفكير داخل التيار الاتحادي في جدوى مشروع الوحدة.
الاكتشاف الشعبي لمطلب الاستقلال
خلال جولاته السياسية في الأقاليم السودانية في عامي 1954 و1955، لاحظ إسماعيل الأزهري أن الرأي العام أصبح يميل بشكل متزايد إلى فكرة الاستقلال الكامل بدلاً من الاتحاد مع مصر (Collins 2008).
وبناءً على ذلك بدأ الحزب الوطني الاتحادي يعيد تقييم موقفه السياسي، خاصة بعد أن ظهرت أصوات متزايدة داخل الحزب وخارجه تطالب بإعلان الاستقلال.
المشكلة الجنوبية وتمرد توريت 1955
في الوقت نفسه كانت الأوضاع في جنوب السودان تتجه نحو التوتر، حيث تصاعدت مخاوف الجنوبيين من سيطرة النخب الشمالية على الدولة الجديدة (Johnson 2003).
وفي أغسطس 1955 تمردت حامية توريت التابعة لقوات الدفاع السودانية، وهو التمرد الذي امتد لاحقاً إلى مناطق أخرى في الجنوب، ويُعد بداية الصراع المسلح الطويل في جنوب السودان (Johnson 2003).
وقد أدت هذه الأحداث إلى تعزيز الاتجاه داخل النخبة السياسية السودانية نحو إعلان الاستقلال كوسيلة للحفاظ على وحدة البلاد.
الانشقاقات داخل الحزب الوطني الاتحادي
شهد عام 1955 أيضاً تصاعد الخلافات داخل الحزب الوطني الاتحادي، خاصة بعد انقسام بعض القيادات وتأسيس حزب الشعب الديمقراطي بدعم من السيد علي الميرغني زعيم الطريقة الختمية (Warburg 1992).
وقد أدت هذه الانقسامات إلى إضعاف الجبهة الاتحادية التقليدية التي كانت تدعو إلى الوحدة مع مصر، وساهمت في دفع الأزهري إلى تبني خيار الاستقلال بصورة أوضح.
الطريق إلى إعلان الاستقلال
مع تزايد التأييد الشعبي والسياسي لفكرة الاستقلال، بدأت حكومة الأزهري التحرك نحو إعلان الاستقلال من داخل البرلمان بدلاً من إجراء استفتاء عام (Collins 2008).
وفي 19 ديسمبر 1955 أعلن البرلمان السوداني بالإجماع استقلال السودان، وهو القرار الذي أيده جميع أعضاء البرلمان بمن فيهم قادة المعارضة (Holt & Daly 2011).
وفي 1 يناير 1956 رُفع علم السودان المستقل في الخرطوم بمشاركة رئيس الوزراء إسماعيل الأزهري وزعيم المعارضة محمد أحمد المحجوب، في حدث رمزي جسّد توافقاً وطنياً واسعاً حول قيام الدولة السودانية المستقلة (Collins 2008).
خلاصة تفسيرية
يتضح من هذا المسار التاريخي أن تحول الأحزاب الاتحادية السودانية من شعار وحدة وادي النيل إلى تبني الاستقلال لم يكن تحولاً مفاجئاً، بل كان نتيجة عملية سياسية تدريجية تشكلت عبر تفاعل عوامل متعددة، من بينها الغموض الأصلي في مشروع الاتحاد، وتغير المواقف المصرية بعد ثورة يوليو، وتزايد التأييد الشعبي للاستقلال، وتفاقم التوترات الإقليمية في الجنوب، إضافة إلى الانقسامات داخل الحركة الاتحادية نفسها.
وقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى إعادة تعريف المشروع الوطني السوداني في منتصف الخمسينيات، بحيث أصبح الاستقلال الكامل الخيار السياسي الأكثر قبولاً بين القوى السياسية السودانية.
المراجع
Collins, Robert O. 2008. A History of Modern Sudan. Cambridge University Press.
Holt, P. M., & Daly, M. W. 2011. A History of the Sudan: From the Coming of Islam to the Present Day. Routledge.
Johnson, Douglas H. 2003. The Root Causes of Sudan’s Civil Wars. Indiana University Press.
Warburg, Gabriel. 1992. Historical Discord in the Nile Valley. Northwestern University Press.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم