ضجيج التغريدة الأخيرة لأمجد فريد لا يصنع حقيقة، بقدر ما يكشف فزعاً متأخراً من تاريخ ظلّ صاحبه جزءاً من صناعته. إدعاء خطير يُلقى على عجل، يتهم ميدان الاعتصام بأنه كان يُدار من الخارج، ويمنح الإمارات دور المايسترو، ومحمد دحلان صفة القائد الخفي.
رواية كهذه، إن صحّت، كانت تستوجب الصراخ منذ اللحظة الأولى، لا الهمس بعد خمس سنوات، ولا الظهور بها الآن في توقيت مرتبك، يشبه محاولة إعادة كتابة المشهد بعد احتراق المسرح.
السؤال الجوهري لا يحتاج عناء يُذكر: أين كان أمجد فريد طوال هذه السنوات؟ صمتٌ طويل أمام “معلومة” يصفها اليوم بأنها مفتاح ما جرى ويجري. صمت لا يليق بشخص كان في قلب المشهد، وداخل دوائر القرار، ويُفترض أنه يتعامل مع الثورة بوصفها ضميراً لا أرشيفاً مؤجلاً. الصمت هنا لا يبدو غفلة، إنه شراكة في الإخفاء، أو عجزاً عن مواجهة الحقيقة في وقتها، وكلاهما إدانة.
تحوّل أمجد فريد، مع الوقت، إلى صوت نشاز ينسجم أكثر مع سرديات الاستبداد، ويؤدي دور العازف الاحتياطي في أوركسترا تبرير العسكر. ما قاله، ذات يوم، في برنامج “مع عزام” لم يكن زلة لسان، كان موقفاً مكتمل الأركان، حين اختزل مجزرة فض الاعتصام في عبارة باردة: “قوات الدعم السريع وأفراد من الجيش”. كلمة واحدة، “أفراد”، كانت كافية لمحاولة غسل يد المؤسسة العسكرية من دماء الشهداء، وتخفيف الجريمة إلى حادث عرضي. رعونة سياسية، وذكاء سلبي، واصطفاف فجّ مع رواية القتلة.
الذاكرة السودانية، في المقابل، ما زالت تحتفظ باعتراف رسمي لا لبس فيه. الفريق الكباشي، عضو المجلس العسكري الانتقالي آنذاك ونائب قائد الجيش حالياً، أقرّ بالتخطيط والتنفيذ بعبارته الشهيرة “حدث ما حدث”. اعتراف لم يأتِ من هامش، بل من قلب السلطة، وما زال شاهداً على مسؤولية لا تمحوها إعادة الصياغة ولا ألعاب اللغة.
الخطير في تخاريف أمجد فريد، أنها لا تستهدف تفسير الماضي فقط، وإنما إعادة ترتيب الحاضر. اتهام قوى خارجية بإدارة الاعتصام، وربط مسار الثورة بمؤامرة متكاملة، يخدم هدفاً واحداً: تبرئة سلطة بورتسودان، وتخفيف وطأة السؤال عن القاتل الحقيقي، وتحويل الضحية إلى متهم. هذا النوع من السرد لا يولد من فراغ، بل من حاجة السلطة إلى شهود زور يرتدون قناع الثوار السابقين.
انتهازية المواقف تتجلى حين تتبدل اللغة بتبدل المواقع. ثائر الأمس يصبح واعظ الواقعية اليوم، وناقد العسكر يتحول إلى مفسر حُسن نياتهم، ومشارك في طمس المعنى. الفلسفة هنا بسيطة وقاسية: من يخون ذاكرته، يسهل عليه خيانة دم غيره.
خلاصة المشهد تقول إن التغريدة ليست كشفاً، وإنما محاولة يائسة للهروب من مواجهة الذات. الثورة التي خرجت من الشارع، ودفعت أثمانها من الأرواح، أكبر من أن تُختزل في رواية متأخرة، وأصدق من أن تُدار من غرفة مظلمة في عاصمة بعيدة. الحقيقة، مهما طال حصارها، لا تحتاج إلى خمسة أعوام كي تُقال.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم