زين العابدين صالح عبد الرحمن
أن طريقة تأسيس حزب الأمة تختلف أختلافا كبيرا عن تأسيس ” الوطني الاتحادي” أن حزب الأمة تشكل مباشرة من قيادة الطائفة السيد عبد الرحمن المهدي، رغم وجود عناصر من الطبقة الوسطى الناشئة حديثا في المجتمع، لذلك لم يستطيع حزب الأمة أن يخرج من دائرة المهدي، و ظلت القيادة في البيت مع تعدد الأسر حسب أين تكون الإمامة.. الحزب الاتحادي كان مجموعة أحزاب أبرزهم الأشقاء لذلك تكونت أغلبية الأحزاب الاتحادية خارج دائرة الطائفة، و عجزت الطائفة السيطرة على الحزب، لذلك ساهمت في الانشقاق الذي حدث عام 1957م و عادت للحزب بعد الاندماج بين الوطني الاتحادي و حزب الشعب الديمقراطي الذي أصبح الأسم بعد الإندماج ” الاتحاد الديمقراطي” و رغم الإندماج لم تسيطر علي الحزب الجديد، إلا بعد ما ضعف القيادة التي جاءت بعد الانتفاضة، و سلمت الحزب للطائفة..
حزب الأمة ظل في قبضة الطائفة و بالذات في أبناء و احفاد السيد عبد الرحمن، لذلك كان الطائفة تأتي بواجهات في الحزب في عهد السيد عبد الرحمن و الصديق عبد الرحمن المهدي.. و لكن برز محمد أحمد محجوب ككارزما سياسية و لكن يبني زعامته تحت سلطة أمام الأنصار الهادي المهدي، و الكارزما كانت مقيدة، عندما بلغ الصادق المهدي الثلاثين من عمره طلبة الطائفة من نائب دائرة الكوستي و الجبلين أن يتنازل للصادق، مما يؤكد على سيطرة الطائفة.. و أيضا طلب الصادق من محمد أحمد محجوب أن يتنازل من رئاسة الوزراء للصادق المهدي.. قال المحجوب عن التنازل في كتابه ” الدييمقراطية في الميزان” ( جاء أفراد من عائلة المهدي إلي منزلي طالبين مني الاستقالة من منصب رئيس الوزراء حتى يصبح الصادق المهدي الذي بلغ الثلاثين عاما حينها رئيسا للوزراء) و عندما طلب المحجوب مقابلة الصادق و التقى المحجوب بالصادق و وجده مصرا على استقالة المحجوب من رئاسة الوزراء، لكي يصبح هو ” الصادق” رئيسا للوزراء، و قال الصادق للمحجوب كما ورد في كتابه ( أنني أتخذت موقفا و لن اتزحزح عنه) هذا الإصرار كان سببا في انقسام الحزب في عام 1966م..
الأنقسام أدى إلي انقسام في بيت المهدي، حيث أصبح الهادي أمام للإنصار، و ذهب معه القيادات التاريخية في الحزب، و أصبح الصادق رئيس لحزب أخر دعمته الأجيال الجديدة في الحزب و طائفة الأنصار.. جاءت انتخابات 1968م لكي تحدد زعامة الحزب بسبب الانقسام حيث حصل حزب الأمة مجتمعا على 60 دائرة، و حصل جناح الإمام الهادي على 45 دائرة بينما حصل جناح الصادق المهدي على 15 دائرة انتخابية.. لكن الغريب في الأمر أن الصادق سقط في الانتخابات في دائرة كوستي و الجبلين أمام محمد داؤود الخليفة، الأمر الذي أدي إلي تشكيل حكومة من قبل الاتحاديين مع إتلاف مع جناح الإمام الهادي..
استطاع الصادق أن يوحد الحزب بعد انقلاب مايو 1969م، خاصة بعد موت الإمام الذي كان في طريقه للخروج من السودان و الحاق بعناصر قيادات سياسية من الاتحادي و الحركة الإسلامية، و هؤلاء هم الذين كونوا الجبهة الوطنية، التي نازلت نظام مايو بالسلاح، و قامت بعملية ما يسمى بالغزو الاجنبي عام 1976م، و التي فشلت للإستيلاء على السلطة، أصبح الصادق المهدي الكارزما التي قادت الحزب في عقدي السبعينات حتى مماته في نوفمبر 2020م.. في بداية زعامة الصادق المهدي للحزب بعد توحيده وقع في تناقضات فكرية، بدأت بعد توقيعه على اتفاقية المصالحة الوطنية مع جعفر نميري في بورتسودان في 1977م، حيث وافق في الاتفاقية أن يحكم السودان بنظام الحزب الواحد و دخوله للمكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي، و لم يكتف بذلك حيث عقد لقاء تلفزيوني أكد فيه على قناعته بدولة الحزب الواحد.. في هذه المرحلة لم يظهر أية دور للمؤسسية، كان الصادق هو المؤسسة..
في 20 يونيو 2013م كنت كتبت مقالا بعنوان ” الصادق المهدي مفكر متناز بين هويتين” جاء في المقال ( معروف لكل من يهتم بشخصية السيد الصادق ” الأمام” إن الرجل جاء إلي الحقل السياسي علي ركيزتين, الأول علمه حيث تخرج من أعرق الجامعات البريطانية في العلوم السياسية, و إن الرجل قد أظهر من باكورة أيامه أنه كثير الإطلاع أكسبته معارف واسعة, و رجل متابع للأحداث, و يختلف عن النخب السودانية أي ” أقرانه” أنه يميل إلي التدوين بعيدا عن الشفاهة, لذلك يمكن محاكمته من خلال كتاباته, عكس النخب السياسية ألأخرى, التي تميل إلي المشافهة دون التدوين,و أيضا كان السيد الصادق قد اصقل نفسه بتجربة معاشة و حية لممارسة الديمقراطية و الثقافة الديمقراطية و السلوك الديمقراطي, من خلال إقامته في بريطانيا و هو طالب علم, فكان متابعا للحركة السياسية في بريطانيا, و مطلعا علي أهم مخرجات المكتبات حول قضية الديمقراطية و الليبرالية و هي التي فتح أفاق في مسيرته التاريخية, و الركيزة الثانية, نسبه, باعتبار أنه من بيت المهدي, و هاتان الركيزتان هما اللتان حملتا السيد الصادق لقمة الهرم السياسي, حيث أصبح الصادق المهدي في فترة وجيزة رئيسا لحزب الأمة, ليس لمقدراته الذاتية و العلمية و لكن لتوازنات أسرية, هنا نستطيع أن نقول إن نسبه أسرع بالرجل للقمة في السياسة( لذلك بنى الصادق كارزمته من خلال طرح ارائه في العديد من المنابر لكي يؤكد أن النسب ليس وراء هذه الكارزمة..
في خطاب الصادق في افتتاح برلمان 1986م بعد أن قاد الصادق حزبه في الانتخابات و فاز 103 مقعدا في البرلمان، حيث حصل حزب الأمة على دوائر عديدة في المدن ذات الكثافة العالية للمثقفين.. و قال الصادق في خطاب أفتتاح الجلسة الأولى للبرلمان ” أن حزب الأمة قد استطاع أن يحرز مقاعد عديدة حيث الكثافة لقوى الوسط.. أن الصادق بدأ تيير خطابه السياسي و يركز على مخاطبة الطبقة الوسطى.. لكن الكارزما قد غيبت المؤسسية تماما.. لكن أيضا من جانب أخر كان خائفا من اختراقات تحدث لطائفة الانصار تؤثر على قيادته، لذلك جمع بين الإمام و رئاسة الحزب، الأمر الذي أدي إلي عدم تفاعل قاعدة الحزب مع أطروحاته، الفكرية، و لم يجرؤ أحدا من عضوية الحزب أن يقدم قراءة أو نقدا لكتابات الصادق.. رحل الصادق كاكارزما في نوفمبر 2020م و قد غابت الكارزما عن الحزب…نسأل الله حسن البصيرة..
zainsalih@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم