تراجيديا … جعلي … دينكاوي، بيني وبين بنت عمي زهيرا !!! .. بقلم: الرفيع بشير الشفيع

(رسالتي لزهيرا عبدالكريم الشفيع أو زهيرا ماريال الشفيع ، كما تكتب إسمها بالفيس بوك ! بنت عمي ، عبدالكريم ، شقيق والدي الأصغر ، رحمهما الله ، من أم من قبيلة الدينكا ، القبيلة القوية القاهرة الظاهرة في الجنوب ، ووالد من قبيلة الجعليين ، زهيرا تقيم الآن في آمريكا ، تزوجت ، وسمعت ان زوجها قد توفي عنها ، بطريقة تراجيدية ، ولم أعرفه ،  ولها أطفال لا أعرفهم ولا أعرف أسماءهم ، كما لم أتعرف على زهيرا نفسها إلا مرة واحدة ولساعات قليلة عندما أتتنا هي واخوانها طه والشفيع في بيت أخي في شمبات ،في اوائل التسعينيات ، ووجدناهم ثلاث اطفال أمام بيتنا ، طرقوا الباب وهم ينتظرون المفاجأة في رؤيتنا وينتظرونا بنفس المفآجأة واللحظة الفارقة المدهشة والتي أغرقتنا جميعا بالبكاء بمجرد أن عرفنا أن هؤلاء هم أبناء عمنا …. وصلوا من الجنوب وهم يزوروننا لأول مرة ليتعرفوا علينا ، وقدنا بعضنا للداخل وتلاقينا نتعانق بحميمية وود عجيب …. ولكنا تفرقنا بعد سويعات …. ولفّتنا الدنيا بغواشيها والغربة بدواهيها وإلى الان… لم نلتق بعدها … إلا اليوم على صفحة الفيس بوك الرحيبة اليوم ).

أختي وبنت عمي زهيرا
السلام عليكم !!!
لا تتصوري أختي اللحظة الصادمة لمشاعري جداً التي رأيت فيها صورتك في موقعك بالفيس بوك ، يعلم الله أنها كانت لحظة مدهشة ومفرحة ومخلوطة بالتسآؤل والحيرة ، والحنان ، والإستغراب ، وعدم التصديق ، لحظة رُجّت مشاعري فيها ودواخلي ودمائي في رجّا شديدا ، وإلى الآن لم استطع تجميع مشاعري لأحييك واستقبلك وأحضن صورتك واستوعبها بما تستحقين ، بما يروي حنيني وشوقي لسماع أخبارك يا زهيرا …. مجرد سماعها ومجرد رؤية وجهك الكريم اللطيف الجميل الهادئ الوديع .
كيف تتخيلين أنني عندما رأيت وجهك لأول وهلة اليوم ، ولفترة طويلة جدا، وقد مسحت معالمه الحميمة ، الايام  منذ أن رأيته وفارقته لأول مرة  وأنت طفلة صغيرة جداً ، حضرتي لنا في شمبات الحلة وأنت تندسين بين آخويك طه والشفيع ، أمام منزلنا ، وقد إنفجرنا جميعا بالبكاء ، دهشة وتوقا وشوقا ، كانت لحظات صاعقة وحميمية اللقيا ، وفريدة .
لا تتخيلي أختي زهيرا ، كيف كنت ،وكم كنت ، أبحث عن هذا الوجه القريب  لدمائي رحما ودفئا وشبها ، وكنت قد سمعت بقصص قريبة للخيال عنك ، في بلاد سام ، وعن زوجك وتراجيديا موته ، ولم أجد إلى الآن من يثبت لي كيفية موته ، وقد بحثت عنك حينها ، وعن اخبارك فلم أجد من يزودني عنها بما يشفِ الغليل ، وقد جُننت بالبحث عن هواتفك وعنوانك ومكانك ، إتصلت بأخي طه ، فلم يعطني دليل ، وإتصلت بالأمين ، وحاولت الإتصال بالشفيع في أستراليا لعدة مرات أيام موت عمي لكي أعزيه ، عسى أن أجد لك خبرا أو هاتفا لكي أبّل أشواقي إليك ، ولكني عندما عجزت ، كتبتُ لك حينها خطابا حميما ، إحتفظت به في دواخلي وفي مكان ما ، خطابا يشبه خطاب الطفل لأمه تحت التراب ، وكلمات لا تعرف ماذا تصف او تقول غير شوقي إليك ، شوقا يشده الرحم ووحدة الدم والأخوّة ، والعشيرة .
حاولت الإتصال بأخي طه في واو ، ورفع هاتفه  مرة ، وبصوت متهدّج ، متكسّر ، بعيد ، كصوت الغريق تحت الماء ، ولكنه كان صوتا رسالي ، رسولي جميل الهمس في داخلي ، لمس فيّ شيءٌ من أمل وفأل بأن أجد بقية عشيرتي ، زهرة والشفيع وإبراهيم ، ولكنه إنقطع بعد ان حياني أيضاً بشوق عميق ، كانت رسائله القصيرة تكفي لأن تقول كل شيء ، العتاب ، والحنين والدهشة والتساؤل ! ، أعتقد أن بن عمي طه ، كان مشغولا حينها داخل وحدته في حركة تحرير السودان ! مشغول بماذا لا أدري! .
بعد ان حضرت من اليمن وتزوجت ، سألت عن والدتك ، وزرناها انا وثلاثة من أهلك ، أيام كانت تسكن بجنوب الخرطوم في تلك الأحياء الشقية ، البائسة  ، التي كانت تأوي كثيرا من أخوتنا من الجنوب ، وجدنا بن عمي إبراهيم ينتظرنا بمحطة بصات النقل في الطريق السريع المؤدي للنيل الأبيض ، فأخذنا للبيت ، واستقبلتنا أمك ، بدمعة وبتحية فيها الكثير من العتاب ،  واللوم ، وأجلستنا وغمرتنا بالكرم والجود بالموجود ، وكانت عيناي تدوران حول البيت وخارجه  ، وتحلقّان في كل وجوه الأطفال عسى أن ألقاك أو ألقى بقية إخوتي ، ولكن لسوء حظي وجدت والدتك وحدها ،  وسألناها ، أين زُهيرا  أين طه أين الشفيع فقالت أنهم مع خالهم ، وجلسنا معها طويلا تبادلنا مراراتها وشكواها وآلامها جراء ما آصابها منا ومن عمي رحمه الله ، وغفر له ، والذي تركها تتنكب وحدها طريق تربيتكم ونشأتكم في ظل زوج غائب على الدوام وأهل من الشمال ( نحن)  ، لم نعِ نحن كثيرا من الدروس  ، درس قرابتنا معكم ، وبعدنا عن بعضنا ،  ودرس تواجدكم بالخرطوم ، ودرس زيارتكم لنا ، تلك الخاطفة ، الرسالية الحميمية ، ولم نقدّر معنى العمومة والرحم ، رغم أنا وبنفس الطريقة عانينا ما عانينا من منقصات في حياتنا نتيجة الفقر والعدم والحاجة ، الأمر الذي جعلنا أيضاً نُبدّل وطننا غربة في اليمن والسعودية والآن في جنوب افريقيا لما يفوق الثلاثين عاما، لقينا فيها ما لقينا من عناء الغربة ، بنفس ما لقيتم على إختلاف أنواع هذا العناء .
نعم يا أختي ، لا أعرف إن كنت ، وانا اخاطبك لأول مرة ، الآن ، وبعد غياب غير مقصود ، وبهذه اللغة التي ربما لا تجيدينها  من اللغات ، وبهذه الثقافة التي ربما تختلف عن ثقافتك ، وعن الأسلوب الذي ربما لا يوافقك ، وبطريقتنا وسليقتنا في الشمال ، وكيفية وقعها عليك ،  لا أدري إن كان يمكن أن أقول لك ، أني لا أنافق أو أُرائي عندما أقول لك ، ولشدة حوجتنا لكم ، لبّل رحمنا معكم ، أننا نتعشقكم في دواخلنا ونحتفظ بكم صوراً قُدُسية الإطار ، نتصفحها بشقف شديد وبحيرة شديدة ، وشجن شديد ، من حين لآخر ، نتفحصها وتجبرنا الحاجة لكم ، حاجة ، لا أدري  ستصدقينها ، وستأبهين لها ، كما نأبه ،  بمقدرا وحجم الجفوة هذه والتي سببها هذا الإنقطاع اللعين بيننا ، الإنقطاع الذي تسببت فيه أمور ربانية act of God، ليس لنا فيها يد، ولا لكم ، وفوارق وأقدار فرضتها علينا وعليكم ، تضاريس الجغرافيا والمكان ، أنتم في جنوبكم  اللُغز المُحيّر لنا ، ونحن في شمالنا المتأبي لكم ولوصالكم بعوامل الثقافة ، والسياسة اللعينة ، التي دقّت بيننا أسافين الحرمان ، وزرعت بيننا موانع الوعي ، التي جعلت والدك يغترب لأكثر من ثلاثين عاما أيضاً بمصر ، فيأتي يجول في السودان يزاوج النساء مثنى وثلاث ورباع في رحلته الشقية التي صادف فيها والدتك ، وما شفع له وعيّه ولا رشده ، ولا حبيب وجوهكم وقلوبكم الصغيرة للمّكم بعشيرتكم ورحمكم  ، وقد تركنا وأنتم لا نعرف بعضنا ولا نستمتع بكم ولا تهنؤون بنا ، ثم زاد الأمر سوءا قلة الحيلة وضيق ذات اليد ، وإنقطاع الطريق ،  وإنعدام الدليل والمرشد للبحث عنكم أو البحث عنا ، وهدمت بقية ذلك ، غوائل الغربة وإجحافها وطولها ، وتفرُقنا أيدّ سبأ.
لا أدري أني وإن قرأت لك دواخلي بصدق كل الكتب السماوية … وحكيت حكايتنا وحكايتكم بكل تراجيديا الوصف البشري ، هل ستصدقين ، بعد كل هذا البعاد ، وإني قد ناهزت الستين ، إننا نَحِّنٌ لكم ونحتاج ونتوقُ ونتشوق لكم ، تشوقا لا يسعه قولي من تعبير  ووصف ومعنى !!! وتشوقٌ وتوجٌدٌ ، لا تحدُّه كل موانع الجغرافيا ، والبين ، وكل جُدُر السياسة والعرق واللون و تباعد الثقافات ، أنتم منّا ، إنّا نشتاق لكم …. ولكنّا نخجل من أنفسنا رغم ما نعذُرُ به أنفسنا.
لا أريد أن أنهي رسالتي هذه لكِ ، وسوف لن أنهيها حتى أُلاقيك وأشبعُ نهمي بالتزود من أخوتك وليمك والتقرب منك ، ومن إخوتي الشفيع ، وطه وابراهيم ، تقرب الاخ الملهوف عليك !.
( نتابع …)
حدثيني عن نفسك !!!
أخوكِ الرفيع بشير الشفيع
بريتوريا جنوب افريقيا

rafeibashir@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً