بصمتٍ يُشبه ذهول الناجين من مجزرة، لا بكاءَ فيه ولا صراخ بل تحديق في الفراغ، تتحركُ دوائر السياسة الدولية والإقليمية بحثًا عن مخرج من الجحيم السوداني المستّعر منذ أكثر من عامين.
لا ضجيج في البيانات، ولا صور للمصافحات، بل همسات على أطراف الطاولة، وجولاتٌ غير معلنة، كأنّ العالم يخشى أن تفسد الكاميرات طقوس ولادة التسوية.
واشنطن تُعدّ لمؤتمر دولي من أجل السودان. لا تفاصيل واضحة، فقط روائح “طبخة سياسية” تُطهى على نارٍ هادئة بين العاصمتين الجديدتين لهذا البلد، بورتسودان ونيالا… بينما تتقاطع السكاكين الإقليمية في الهواء، وترتسم خطوط النار على يد الطباخين الآخرين: السعودية، الإمارات، مصر، أميركا، والاتحاد الإفريقي. كلٌّ يريد تسوية لا تنزع أنيابه.
لكن الطاولة غير مستوية. فكل طرف من أطراف النزاع – الجيش والدعم السريع – لا يرى في الآخر شريكاً محتملاً في الوطن، بل خصماً وجودياً. التوجس هو اللغة الأم هنا، والحلّ قد يكون مرّاً لمن اعتاد التهام السلطة منفرداً.
في يونيو، تحرّك الأميركيون. لقاءٌ جمع نائب وزير الخارجية كريستوفر لاندو ومستشار الرئيس مسعد بولس مع سفراء المجموعة الرباعية. ثم أطلّ دونالد ترامب، العائد إلى البيت الأبيض، بلغة أميركا القديمة الجديدة، وتحدث عن “السلام في السودان”. بدا كمن ينفخ في الرماد لإرباك الغبار. أثار ارتياحاً رمزياً، لكنه خلطَ الحسابات أكثر.
مصادر سودانية تحدثت عن مقترح أميركي في طور التشاور، وعن استعداد مبدئي من جهة عبدالفتاح البرهان للانخراط في المسار، شريطة أن يُبنى على “خريطة الطريق” التي سلّمها مجلس السيادة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، والتي بدأت بخطوة رمزية: تعديل الوثيقة الدستورية وتسمية رئيس وزراء مدني.
المعركة لا تُحسم بالحبر على الورق، بل بالظلال التي تتحرك خارج الضوء، وعليه: استقبلت بورتسودان مبعوثاً سعودياً جاء سرّاً، وأوفدت بدورها مبعوثين أمنيين إلى عواصم عربية وغربية. مشاورات كثيفة مع الاتحاد الإفريقي و”إيغاد” دون خطّة محددة، لكن الحراك ينبئ بأن الأسابيع المقبلة ستكون حبلى بالاقتراحات والمخاوف.
متحدث عن الدعم السريع قال في تصريح للجزيرة، إن القوات لم تتلق شيئاً رسمياً، لكنها تراقب. زعمت الاستعداد للسلام، متهمة الجيش بعرقلته، ومعلنة نيتها تشكيل حكومة في مناطق سيطرتها، كأنها تُحضّر لميلاد دولة من رحم الفوضى.
المقترحات المتداولة تدور حول ثلاث مسارات: الأول عسكري: وقف إطلاق نار، ترتيبات أمنية، ضمانات لعدم الانهيار الفوري، والثاني سياسي: إشراك القوى المدنية، ترتيب مرحلة ما بعد الحرب، (وإن كان أحداً لا يعرف شكل ذلك اليوم التالي)، والثالث اقتصادي: ربط الإعمار بخطوات سياسية واضحة، فالسودان لا يبني أطلاله مرتين.
بابكر فيصل، القيادي في (صمود)، طرح، بدوره، ثلاث سيناريوهات. الأول: حوار مباشر بين الجيش والدعم السريع يؤدي إلى حكومة وحدة وطنية؛ الثاني: وقف نار بلا حل سياسي، على غرار ليبيا؛ والثالث: تسوية شاملة يشارك فيها المدنيون وتعالج جذور الأزمة. وحده السيناريو الثالث في رأيه يحمل بذور سلامٍ دائم، أما الأول والثاني فمحض هدنة على جثة الوطن.
لكنه يحذّر: غياب الإرادة الداخلية سيفتح الباب واسعاً لتسوية تُفرض من الخارج، لا لحكمة، بل لمصلحة.
أما الخبير الأمني عامر حسن، فيرى أن أي تسوية تُعيد تقاسم السلطة بين الجيش والدعم السريع خيانة لدماء السودانيين، وأن الحسم العسكري هو الطريق الوحيد لإنهاء التمرّد الذي – على حدّ قوله – تحوّل من مشروع لاختطاف الدولة إلى عصيان مسلّح برعاية خارجية.
في المقابل، يرى المحلل فيصل عبد الكريم أن واشنطن لا تبحث فقط عن استقرار السودان، بل عن استئناف تطبيع الخرطوم مع تل أبيب، في مشهد يعيدنا إلى لقاء عنتبي عام 2020 بين البرهان ونتنياهو. فترامب يعرف كيف يبيع السلام على هيئة صفقة، وإن كانت مغطاة بلغة الحرية والديمقراطية.
لكن ما يربك الجميع، هو أن التحدي الأكبر ليس في أوراق التفاوض، بل في نوايا الفاعلين. فكلّ من البرهان وحميدتي يرى أن مستقبل السودان لا يتّسع إلا لظلّه، وكل طرف يربط نهاية الحرب ببداية “عهده”.
السودان الآن في لحظة مفصلية. لا تُشبه النهايات ولا البدايات. حربٌ أكلت الجغرافيا والديموغرافيا، وحوّلت المدن إلى مجازر، ودروب الحياة إلى قصائد رثاء. أما التسوية، فتقف على حافة النصل، بين مطرقة الطموح الإقليمي وسندان الغموض المحلي.
هل نشهد ميلاد سلام أم لحظة استراحة للقتلة؟
الزمن الذي لا يغفر… كفيل بالكشف.
nizarsamandal94@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم