تصريح رئيس مجلس الأمن الدولي حول قضية السد الإثيوبي… حديث البلايا والرزايا . بقلم: د.محمد عبد الحميد

إن كانت للذاكرة الجمعية السودانية أي قدرة على إستدعاء الخيبات، فإنها مدعوة أن تختزن في تلافيفها تصريحات رئيس مجلس الأمن الدولي لشهر يوليو من عام 2021م.
وإن كان لمؤسسات المجتمع المدني السوداني و هيئاته التطوعية أي حيوية في الدفاع عن حقوق الشعب السوداني في العيش بأمن وسلامة، فهي مدعوة ان تخلع دثار اللامبالاة وتصيخ السمع لجهة التصريحات التي ترددت اصداؤها في مجلس الأمن الدولي.
وإن كانت للمنظومات الحزبية السياسية الحاكمة شيئاً من حس تاريخي نابع من القدرة على الاستفاقة من الخديعة فقد واتت الفرصة أمامها لتثبت أن التاريخ يمكن أن يسجل لها موقفاً مما أدلى به السيد نيكولا دي ريفيير.
وإن كان للحكومة الانتقالية ثمة حس بالمسؤولية فقد حانت سانحة بتنوير الداخل عما حاق بها من هزيمة في أهم مؤسسة دولية تعنى بأمن وسلام الكون.
اعتلى مندوب فرنسا نيكولا دي ريفيير المنصة كرئيس لمجلس الأمن الدولي في مؤتمر صحفي أدلى فيه بما يراه حول قضية السد الإثيوبي، حيث جاءت تصريحاته صادمة للسودان لكونها لم تستجب لمطلبه في التدخل لكبح جماح إثيوبيا وثنيها عن المضي قدماً في عملية الملء الثاني الأحادي الجانب للسد. ولعل المفاجأة تكمن في حديث السيد ريفيير من أن المجلس كمؤسسة بكل ما يقترن بإسمها من هيبة وجلال “لن يكون بإمكانها حل هذا الموضوع”. وأضاف بحسب المصادر الاعلامية :(أن مجلس الأمن ليس لديه الخبرة اللوجستية لكي يقرر حجم المياه التي ينبغي أن تذهب لمصر والسودان.. وهذا أمر خارج نطاق مجلس الأمن وقدرته).
بدت اللهجة هاهنا تقريرية قاطعة جازمة. والواضح من هذا الحديث أن السيد رئيس المجلس ربما كان يجهل الدافع الأساسي الذي حدا بالسودان لرفع مذكرة له، أو أن الجانب السوداني قد أخفق في أن يعكس شواغله بصورة كافية تُفهم على نحو واضح. وأياً ما كان الأمر والأسباب، فإن رد رئيس مجلس الأمن يمثل صفعة للدبلوماسية السودانية كونها فشلت في توصيل رسالتها بالشكل المطلوب. غير أن الرئيس تقدم بما يشبه تطييب الخواطر في تأكيده بأن :(ما يستطيع أن يفعله المجلس هو دعوة الدول الثلاث الي طاولة المجلس للتعبير عن “قلقهم” ، وطبعاً هذه المخاوف لها مشروعيتها).
إذن السقف الذي يمكن أن يحصل عليه السودان ومصر من المجلس هو أن يقوم بدعوة الأطراف للتعبير عن “قلقهم” وذلك وأيم الحق قمة الكرم عندما تُهزم الدفوعات، و تذوي مع وقع حضور الحقيقة، الأماني الحالمات. فالهزيمة هنا ليست على مستوى الخارج فحسب، وإنما تستدعيها الذاكرة الجمعية السودانية من رحم البلايا. وتستحضرها مؤسسات المجتمع المدني والاحزاب السياسية حين تصحو من غفوتها وتستفيق على كم الرزايا. غير أنه وطبقا لموجبات الإستفاقة، ستَطرح الأسئلة حول موقفها الذاتي من قضية السد، وهل أولت قضيته الإهتمام الكافي؟! .. هنا ستدرك الذاكرة الجمعية ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية أنهم قد كانوا ضحية لأكبر عملية تضليل معرفي حول السد. وربما تبدأ عملية اكتشاف الخديعة بأنهم قد خضعوا لخطاب ممنهج جعلهم يعرضون عن الخوض في قضية السد بحسبانها قضية فنية لا يحق الحديث فيها إلا لأصحاب التخصص الدقيق في شؤون الري وعمارة السدود والمهندسين العارفين بكيفية إستيلاد الكهرباء من مساقط المياه، وأن دورهم فيها ينحصر في تلقّي تنويراً دورياً من وزير الري حول سير المفاوضات. وقبل أن تتكشف أمامهم خيوط الخديعة سيجدوا أن ملف السد قد إستقر – بدافع اليأس – بين يدي أكابر العالم وسادته، وأساطين السياسة الدولية من ذوي الإقامة الدائمة بردهات المجلس وعابري سبيله. وأن حياتهم المتأرجحة بين البقاء والفناء قد أُختزِلت في قضية لوجستية لا علاقة لها بما ينتظر أهليهم من سؤ المنقلب بإنتصاب مقصلة للموت الجماعي على مشارف حدودهم بُعيد مدخل النهر. وسيكتشفون ساعتها أن جغرافيتهم – ويا لسخرية الاقدار – تحكي بطعم أمر من الحنظل بأنهم يعيدون سيرة اؤلئك القوم الذين ورد ذكرهم في سورة الكهف الواقعين “بين السدين “. وأن قضيتهم قد بطلت بموجب حُكم كونها قضية فنية لوجستية حول تقسيم المياه بين دول ثلاث. وعندها سيحق لهم طرح التساؤلات لقادة طاقم التفاوض أنْ لماذا لجأتم لمجلس الأمن في قضية ظللتم تؤكدون على الدوام أنّ فوائداً جمةً بإنتظار أهل السودان حال اكتمال السد؟!

د. محمد عبد الحميد/ استاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانية

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في كتاب “كفاحي” لهتلر.. كيف صعد هذا الجاهل لسدة الحكم في ألمانيا؟

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدwadrajab222@gmail.com نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك منشوراً بيّنتُ فيه أن …

اترك تعليقاً