تصنيف الحركة الإسلامية السودانية تنظيماً إرهابياً: كيف يعيد القرار رسم الحرب والجيش والإقليم؟

إبراهيم برسي

لم يكن سقوط نظام عمر البشير في أبريل ٢٠١٩ نهايةً للحركة الإسلامية السودانية بقدر ما كان بداية مرحلة جديدة في تاريخها السياسي. فالجماعة التي حكمت السودان ثلاثة عقود تركت وراءها شبكة واسعة من المؤسسات والكوادر والتنظيمات التي لم تختفِ مع سقوط السلطة. فقد ظل حضورها ممتداً داخل أجهزة الدولة الأمنية وتنظيماتها الاجتماعية متعددة الأوجه، مثل جهاز الأمن والمخابرات، وهيئة العمليات، والعمل الخاص وغيرها من هذه الكيانات، التي كانت تتحرك أحياناً في الظل وأحياناً اخري بصورة أكثر وضوحاً، بينما بقي حلم العودة إلى السلطة حاضراً في خطابها وتحركاتها.

لكن الولايات المتحدة الأمريكية قطعت ذلك الحلم حين أدرجتها على قوائم الإرهاب كـ SDGT، وأوضحت أن تصنيفها كـ FTO سيدخل حيز النفاذ في ١٦ مارس ٢٠٢٦. كما عدّلت وضع كتيبة البراء بن مالك لتظهر ككيان مرتبط بالحركة، وهي إحدى أذرعها الباطشة، وأدرجتها ضمن هاتين القائمتين أيضاً، فوضعت بذلك حلم العودة في ضوء مختلف تماماً عما توقعته جماعة الإسلام السياسي في السودان.

لم تعد المسألة منافسة سياسية داخلية فقط، بل أصبحت جزءاً من معادلة دولية تتعلق بالأمن والتمويل والتحالفات الإقليمية. فالقرار لم يقتصر على إدراج اسم في قائمة عقوبات، ولكنه فتح باباً واسعاً لإعادة النظر في طبيعة الحرب السودانية وعلاقة الجيش بالقوى السياسية التي تقاتل إلى جانبه.

هذا التطور، الذي قوبل بترحيب لدى كثير من فئات الشعب السوداني ومؤسسات المجتمع المدني وغالبية الأحزاب السياسية، جاء بعد أشهر من مسار أمريكي تصاعدي شمل عقوبات على قائد كتيبة البراء بن مالك المصباح أبو ذيد طلحة، وعلى رئيس حركة العدل والمساواة جبريل إبراهيم في ١٢ سبتمبر ٢٠٢٥، ثم عقوبات على محمد حمدان دقلو “حميدتي” في ٧ يناير ٢٠٢٥، وأخرى على عبد الفتاح البرهان في ١٦ يناير ٢٠٢٥، مع استمرار ضرب شبكات التسليح والتمويل المرتبطة بطرفي الصراع.

هذا يشير إلى أن واشنطن لم تعد تنظر إلى الحرب في السودان باعتبارها نزاعاً بين جيش وميليشيا فقط، إذ إن القراءة الأمريكية ترى ساحة تتقاطع فيها شبكات عسكرية وإسلامية وإقليمية ومالية عابرة للحدود.

وفي هذا السياق يكشف تتبع السوابق الأمريكية في الملف السوداني أن واشنطن تبني هذا النوع من القضايا تدريجياً. فقد عاقبت نظام الصناعات الدفاعية السوداني DIS في ١ يونيو ٢٠٢٣، ثم عاقبت ميرغني إدريس سليمان في ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٤، ثم عاقبت أحمد عبد الله وشركة Portex Trade Limited في ١٦ يناير ٢٠٢٥ بسبب شراء أسلحة ومسيّرات إيرانية لصالح الجيش السوداني، بحسب بيانات وزارة الخزانة الأمريكية.

وعلى الطرف الآخر عاقبت واشنطن حميدتي وشقيقه القوني حمدان دقلو، إضافة إلى شبكات مالية مثل Capital Tap Holding في الإمارات.

هذه الوقائع تعني أن واشنطن لا تكتفي بمراقبة جبهات القتال في الفاشر وأم درمان والخرطوم، فهي تلاحق أيضاً حلقات الإمداد الممتدة من هونغ كونغ إلى الإمارات مروراً بوسطاء أسواق السلاح والطيران المسيّر، وشبكات تهريب الذهب. لذلك فإن أي دولة أو شركة تستمر في الدعم بعد تصنيف مارس ٢٠٢٦ ستجد نفسها تحت ضوء قادر على كشف طبيعة هذا الدعم، لأن الملف لم يعد توريداً في حرب أهلية فقط، وقد يُقرأ كتعامل مع بيئة تمسها تصنيفات الإرهاب.

ومن الزاوية القانونية يبرز فرق كبير بين العقوبات العادية وتصنيف FTO. لأن إدراج أي كيان كـ SDGT يؤدي إلى تجميد الأصول الواقعة ضمن الولاية الأمريكية ومنع التعامل معه من قبل الأمريكيين، مع مخاطر عقوبات ثانوية على من يسانده مالياً أو لوجستياً وفق الأمر التنفيذي 13224 بصيغته المعدلة.

أما تصنيف FTO فيعني أن تقديم أي دعم مادي يصبح جريمة جنائية في القانون الأمريكي. العضوية أو الانتماء للجماعة المصنفة إرهابية، أو المشاركة في التمويل، أو التدريب، أو النقل، أو تقديم الخدمات، قد يفتح باب الملاحقة القانونية في الولايات المتحدة، كما ينعكس ذلك على التأشيرات والهجرة والسفر.

وسط هذا التحول يبرز سؤال أعمق: هل ستُقرأ الحركة الإسلامية السودانية باعتبارها شبكة تعمل داخل الجيش، أم باعتبارها قوة متغلغلة في صميمه؟

فإذا بقيت القراءة الدولية عند مستوى الاختراق الجزئي، فالعلاج سيكون على الأرجح عبر ضغوط وعقوبات تستهدف الأفراد والشبكات والواجهات المالية. أما إذا تراكمت الأدلة بما يقنع العواصم الغربية بأن قرار الحرب والسلم داخل الجيش أصبح مرتبطاً بهذه الشبكات، فإن المسألة قد تنتقل إلى مستوى أخطر يتعلق بشرعية المؤسسة العسكرية نفسها وعلاقاتها الدولية.

ولفهم هذه النقلة لا بد من العودة إلى مسار الحرب على الأرض. ففي ١٥ أبريل ٢٠٢٣ بدأت المعارك في مطار مروي والخرطوم، وامتدت بسرعة إلى بحري وأم درمان ودارفور. ثم سقطت ود مدني في يد الدعم السريع في ديسمبر ٢٠٢٣، وهو حدث فتح جرحاً عميقاً في قلب الجزيرة وبدّل ميزان الحركة والسيطرة بين الخرطوم ووسط السودان.

وخلال عامي ٢٠٢٤ و٢٠٢٥ دخلت الحرب طوراً جديداً شمل حصار الفاشر، ومعارك سنجة وسنار وجبل موية، واتسع استخدام الطائرات المسيّرة. ثم تقدم الجيش في الوسط واستعاد ود مدني في يناير ٢٠٢٥، وارتُكبت انتهاكات جسيمة في حق المواطنين في “الكنابي” وقرى الجزيرة وود مدني تحت ذريعة التعاون مع الدعم السريع. وبعد أشهر من القتال استعاد الجيش القصر الجمهوري في الخرطوم في ٢١ مارس ٢٠٢٥.

في المقابل رسّخ الدعم السريع وجوده في أجزاء واسعة من دارفور، واستمرت وقائع الحصار والتجويع والقتل الجماعي حول الفاشر وما جاورها.

هذه الجغرافيا العسكرية دفعت واشنطن إلى النظر للحرب باعتبارها صراع شبكات يتجاوز حدود المعركة التقليدية، وهو ما يفسر الاهتمام الخاص بكتيبة البراء بن مالك.

فقد عاقبت الولايات المتحدة الكتيبة في سبتمبر ٢٠٢٥، ثم نقلتها في مارس ٢٠٢٦ إلى مستوى أشد داخل منظومة الإرهاب وربطتها بالحركة الإسلامية السودانية. وهذا يوضح أن القراءة الأمريكية لم تعد ترى الكتيبة مجرد متطوعين ظهروا في المعارك، فقد أصبحت تُقرأ كذراع مسلحة ضمن بنية سياسية أوسع مرتبطة بأيديولوجيا الإخوان المسلمين، وهو توصيف يعيد إلى الذاكرة حديث علي عثمان محمد طه عن كتائب الظل في سنوات سابقة.

ويتقاطع هذا الملف مع بعد إقليمي آخر يتعلق بإيران. فقد قالت وزارة الخزانة الأمريكية في سبتمبر ٢٠٢٥ إن جهات إسلامية سودانية أقامت روابط مع إيران، ثم أعلنت في يناير ٢٠٢٥ أن أحمد عبد الله نسّق شراء طائرات بدون طيار إيرانية الصنع لصالح الجيش عبر شركة أذربيجانية.

عندما تدخل إيران في القراءة الأمريكية للحرب السودانية فإن القضية هنا تتجاوز السودان لتلامس معادلات البحر الأحمر وأمن الممرات البحرية والتوازنات الإقليمية. ولهذا جاء تصنيف الحركة الإسلامية السودانية في سياق أوسع شمل فروعاً أخرى للإخوان في يناير ٢٠٢٦.

كل ذلك يضع الجيش السوداني أمام معضلة معقدة. فمن جهة استفاد الجيش منذ خريف ٢٠٢٤ من تعبئة اجتماعية وإسلامية واسعة في مواجهة الدعم السريع، ونزع هذه الشبكات دفعة واحدة قد يضعف الجهد القتالي في بعض الجبهات. ومن جهة أخرى فإن استمرار هذا التداخل يرفع كلفة الاعتراف الدولي ويجعل كل تقدم عسكري محاطاً بسؤال سياسي حساس يتعلق بطبيعة القوى التي تقاتل تحت راية الجيش.

ولا يقل تعقيداً عن ذلك وضع الدول التي تستضيف شخصيات مرتبطة بالحركة الإسلامية. فالإيواء في حد ذاته لا يتحول تلقائياً إلى جريمة دولية لمجرد الاستضافة أو الإقامة، غير أن المسألة تتغير عندما يقترن الإيواء بتسهيل حركة الأموال أو النشاط التنظيمي أو استخدام الإقليم في التمويل والتجنيد.

ولهذا قد تجد بعض الدول نفسها أمام أسئلة صعبة من شركائها الدوليين حول تجميد الأموال أو تقييد الحركة أو فتح التحقيقات. والضغوط لا تأتي من الحكومات فقط، يمكنها ان تأتي أيضاً من البنوك المراسلة وشركات الامتثال المالي والتحقيقات الصحافية، مثل التحقيق الذي نشرته واشنطن بوست حول إمدادات السلاح التركية للجيش السوداني.

انطلاقاً من هذا المسار يمكن تصور عدة احتمالات لمستقبل الوضع. فقد تتوسع دائرة العقوبات لتشمل مزيداً من الأفراد والشركات وشبكات التمويل المرتبطة بالحركة أو بالكتائب العقائدية. وقد يزداد الضغط على الدول التي تستضيف شخصيات مرتبطة بالحركة الإسلامية أو تسمح لها بالنشاط المالي والتنظيمي. وقد يضطر الجيش إلى إعادة ترتيب علاقته بهذه الشبكات للحفاظ على الحد الأدنى من الشرعية الدولية. كما قد تدخل الحرب السودانية بصورة أعمق في معادلات البحر الأحمر والصراع الإقليمي المرتبط بإيران كما اسلفنا، الأمر الذي قد يحول النزاع تدريجياً إلى ملف أمني دولي يتجاوز حدود الصراع الداخلي.

ومع ذلك يبقى احتمال آخر أكثر تعقيداً يتعلق بطبيعة العلاقة بين الجيش السوداني والشبكات المرتبطة بالحركة الإسلامية داخل بنيته العسكرية. فهذه العلاقة ليست حديثة عهد على تاريخ المؤسسة، إذ تعود جذورها إلى انقلاب ٣٠ يونيو ١٩٨٩ حين دخلت الحركة الإسلامية إلى قلب الدولة عبر بوابة الجيش نفسها. وعلى امتداد ثلاثة عقود تشكلت داخل المؤسسة العسكرية طبقات من الولاء والتنظيم والعلاقات الشخصية التي لم تختفِ بسقوط نظام عمر البشير، وإنما أعادت ترتيب مواقعها داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية.

لهذا فإن أي محاولة لفك هذا التشابك لن تكون مجرد قرار إداري أو خطوة سياسية بسيطة. فإبعاد بعض القيادات أو تفكيك بعض الشبكات قد يفتح الباب أمام صراع داخل المؤسسة بين ضباط تشكلت مساراتهم المهنية داخل منظومة الإسلاميين، وآخرين يرون أن بقاء هذه العلاقة يضع الجيش كله تحت ضغط دولي متزايد. وفي مثل هذه اللحظات الحساسة قد تظهر عمليات إقصاء حادة أو إعادة ترتيب قاسية لمراكز النفوذ داخل الأجهزة، ولربما تصفيات جسدية إذا لزم الأمر، خاصة إذا تحولت المنافسة على القرار العسكري إلى معركة حول مستقبل الجيش نفسه.

أما إذا اختارت القيادة العسكرية الإبقاء على هذا التحالف بحكم ضرورات الحرب الجارية، فإن المؤسسة قد تجد نفسها أمام معضلة أكثر تعقيداً. فالمكاسب العسكرية على الأرض قد تترافق مع تضييق سياسي ومالي متزايد من الخارج، لأن كثيراً من العواصم قد تقرأ استمرار هذا التقاطع بوصفه اقتراباً من شبكة مصنفة ضمن منظومة الإرهاب. وفي تلك الحالة لن يبقى السؤال محصوراً في مسار المعارك في الداخل، وإنما سيتحول تدريجياً إلى سؤال أكبر يتعلق بطبيعة الدولة التي ستخرج من هذه الحرب ومن يملك شرعية تمثيلها أمام العالم.

عند هذه النقطة يصبح من الواضح أن الأثر الأعمق لهذا التصنيف لا يتوقف عند حد العقوبات، فهو يمتد إلى إعادة تعريف موقع الحرب السودانية نفسها في نظر العالم.

التاريخ القريب في السودان يبين أن القرارات الدولية لا تغيّر الواقع وحدها، غير أنها تخلق ضغوطاً تعيد ترتيب الحسابات. فتصنيف الحركة الإسلامية تنظيماً إرهابياً قد لا يوقف الحرب، غير أنه يفرض على جميع الأطراف مراجعة مواقعها. الجيش والقوى السياسية والدول الإقليمية أصبحت الآن كلها أمام معادلة جديدة تتعلق بالشرعية والتمويل والتحالفات.

وعندما يدخل ملف الإرهاب إلى قلب الصراع فإن السؤال يتغير أيضاً. لم يعد السؤال من يسيطر على مدينة أو قاعدة عسكرية، بل من يملك الشرعية لتمثيل الدولة نفسها. وهنا يبدأ الامتحان الأصعب للسودان في السنوات القادمة.

zoolsaay@yahoo.com

عن إبراهيم برسي

إبراهيم برسي

شاهد أيضاً

محاولة للإنصات إلى لغة لا تثق بنفسها

إبراهيم برسيzoolsaay@yahoo.com أكتب هذا النص وأنا أشعر أن اللغة ليست دائمًا في صفي. أحيانًا تسبقني …